أهم المقالات في الشاهد

السبت,18 يونيو, 2016
ميدل است مونيتور: التحولات الاخيرة في حركة النهضة تمثل ضربة قاصمة لخصوم النهضة

الشاهد_ تناول موقع ميدل است مونيتور بالتحليل الجدل القائم حول التطورات الأخيرة التي شهدتها حركة النهضة وما ترتب عنها من ردود أفعال متباينة بين القبول والرفض. وفيما يلي نص التقرير الذي اطلعت عليه الشاهد ونقلته إلى اللغة العربية.

حالما أعلنت حركة النهضة أنها تنوي التخلي عن العمل الدعوي والتحول إلى “حزب ديمقراطي”، أثناء التحضير لمؤتمرها العاشر، أثار هذا الإعلان عاصفة من الردود والجدل، وسط مؤيديها ورفاقها في معسكر ما بات يعرف أكاديميا بـ”الإسلام السياسي”. حتى أنه أثار ردود فعل بين خصوم النهضة، فضلا عن خصوم هذا المعسكر، على حد سواء داخل وخارج تونس.

ومن المثير للاهتمام أن هذا الجدل قد تجاوز الأهمية التقليدية لدولة لم تكن تعتبر ضمن الدول العربية الكبيرة أو الرئيسية تاريخيا، بحيث لم تكن تونس قبل الربيع العربي حاضرة كثيرا في دائرة النقاش السياسي العربي. وهذا بخلاف الدول العربية الكبيرة، التي حظيت تاريخيا بالاهتمام الكبير؛ نظرا لحجمها الديمغرافي وموقعها الجغرافي ودورها الاستراتيجي. وتشمل هذه البلدان مصر وسوريا والعراق والمملكة العربية السعودية، وإلى حد ما، المغرب.

فما الذي دعا إلى كل هذا الجدل حول تحولات النهضة؟ وما الذي حولها من شأن تونسي داخلي إلى نقاش عربي وحتى عالمي في الصحف ووسائل الإعلام العربية والغربية؟

يمكن القول إن الاهتمام الكبير بين خصوم تيار الإسلام السياسي وحركة النهضة يمكننا القول أن الاهتمام الكبير الذي يبديه خصوم الإسلام السياسي والنهضة ينبع من النظرية القائلة بأن هذه التحولات تمثل “ضربة قاصمة” لهذا التيار. ويبدو ذلك واضحا من المقالات والتغطيات التي حفلت بها الوسائل الإعلامية التي تصنف تقليديا ضمن معسكر الرفض والخصومة مع الإسلاميين.

ومن المثير للاهتمام أيضا أن العديد من هذه المقالات والتغطيات قد تعاملت مع التحولات التي أعلنتها حركة النهضة بعين الشك، بدلا من قراءتها بشكل علمي ودراسة تأثيراتها المستقبلية على دور “الإسلاميين” في المجال السياسي العربي. كما فشلوا في محاولة النظر في دلالة هذه التحولات، وإمكانية أن تلعب دورا إيجابيا في حل الأزمة السياسية التي تمر بها عدد من الدول العربية.

أما الملمح الثاني في تغطية “النخب” المعارضة للإسلاميين، فهو الادعاء بأن إعلان النهضة هو مجرد “خدعة” وانحناءة مرحلية من قبل الحركة، في محاولة منها للخروج من الأزمة التي تعصف بالتيارات الإسلامية، بعد الخسائر التي تعرضت لها كنتيجة للانقلاب العسكري في مصر. وهذا ما يوحي بأن العديد من خصوم الإسلاميين يسعون عمليا لإقصائهم بشكل كامل من العملية السياسية، بغض النظر عن طبيعة السياسات والتنازلات التي يقدمها الإسلاميون.

ويبقى السؤال: لماذا أثارت التحولات في حركة النهضة عاصفة داخل التيارات الإسلامية الصديقة للنهضة، ومن شخصيات وازنة أو محايدة قريبة من الحركة، والذين هم على اتصال مباشر بقياداتها وبحراكها السياسي، على الأقل منذ خروج النهضة من المنفى في أوائل التسعينات بعد الحملة الدموية التي شنها نظام بن علي ضد الحركة؟

ومن أجل محاولة الإجابة على هذا التساؤل، فإن من الضروري التركيز على محورية شخصية الشيخ راشد الغنوشي، ليس فقط في حركة النهضة، ولكن حتى في أوساط الإسلاميين عموما. وقد وصل الأمر إلى درجة أن هذا الرجل قد اكتسب حالة من الجماهيرية في تلك الأوساط، التي ربما تفوق أهمية النهضة نفسها، فضلا عن أهمية الحياة السياسية في تونس. هذا فيما عدا الاهتمام الذي حظي به هذا البلد بعد أن أطلق شرارة الربيع العربي وأحلامه وآماله الشعبية.

وعندما بدأت حركة النهضة في تونس، كان الشيخ راشد الغنوشي يمثل حالة تقدمية في الحركات ذات المرجعية الإسلامية، حتى قبل المنفى الذي غير، إلى حد ما، من علاقة الحركة بالتيار الإسلامي العالمي. فقد كان الشيخ راشد ينظر إليه في أوساط كثير من الشباب “الإسلامي” كأيقونة ومفكر يتجاوز الحالة التونسية. لقد عانت الحركات الإسلامية تاريخيا من نقص في المفكرين برغم انتشارها الواسع وقوتها الجماهيرية والاجتماعية والتنظيمية، وهو ما جعل الشيخ يمثل حالة متقدمة ومتميزة تعوض هذا النقص لدى قطاع واسع من الإسلاميين.

وبينما كانت النهضة حركة تونسية محضة غير مرتبطة بالتيار الإسلامي العالمي، إبان المرحلة التي سبقت المنفى، كان الشيخ راشد رمزا من رموز القراءات النقدية لهذا التيار. وهذا ما أكسبه جماهيرية واسعة، لا سيما وسط فئة الشباب “الناقدة” لـ”جمود” الحركة الإسلامية وتنظيرها الفكري.

الرمزية التي يجسدها الشيخ راشد نمت وانتشرت بشكل أكبر بعد انتقاله مع بعض قيادات النهضة للمنفى. وذلك لأن هذا الأخير (المنفى) أدى إلى ارتباط أكبر بين الحركة وبين الحركات الإسلامية في العالم. وكان الغنوشي حاضرا ومشاركا بقوة في تشكيلات قيادية إسلامية عالمية وهياكل مرتبطة ارتباطا وثيقا بتيار الإخوان المسلمين. وتشمل هذه القيادات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والمجلس الأوروبي للإفتاء، وغيرها من المنظمات الإسلامية في أوروبا، وهو لا يزال عضوا قياديا في بعضها حتى اليوم.

إن هذه الرمزية والجماهيرية للشيخ راشد، ودوره الكبير في صياغة أفكار نقدية أو”تقدمية” للتيار الإسلامي تتجاوز تونس، تفسر الاهتمام الكبير بخطوات النهضة الأخيرة. فقد شعر كثير من الإسلاميين أنهم “فقدوا” مفكرا ليس تونسيا فحسب، بل إسلاميا، فيما رأى آخرون أن إعلان النهضة “الخروج” من تيار الإسلام السياسي يمثل “ضربة” لهذا التيار؛ بسبب أهمية الشيخ ورمزيته. وما زاد في تعقيد الأمر بعض التصريحات التي أدلى بها بعض القياديين في النهضة، اعتبرها إسلاميون أصدقاء تنكرا لتاريخ اشتركت الحركة مع رفاقها الإسلاميين في صناعة نجاحاته وانتصاراته وإخفاقاته وهزائمه.

وبالإضافة إلى تأثير الشيخ راشد على قراءة تحولات النهضة داخل معسكر الإسلاميين، فإن هناك عاملا آخر أيديولوجيا لا يقل أهمية عن هذا التأثير، وهو السؤال حول موقع “الرابطة” الإسلامية في تجربة النهضة الجديدة، حيث إن النهضة الجديدة، كما أعلنت هي، حركة تونسية، منفتحة على عمقها المغاربي. وهذا ما يطرح التساؤل لدى الإسلاميين حول العمق الأوسع والأكبر باتساع العالم العربي والإسلامي، وليس فقط المغاربي.

لقد حملت معظم الحركات والأفكار الإصلاحية ذات المرجعية الإسلامية منذ الربع الأول من القرن الماضي شاغلين رئيسين، بحسب معظم الدراسات الأكاديمية: الأول يتعلق بمواجهة “التغريب” في المجتمعات الإسلامية، والثاني إعطاء دور للشريعة الإسلامية في الحكم، بما يشمل إقامة “رابطة” إسلامية ما بين المسلمين، التي ستشكل بديلا للخلافة العثمانية التي انهارت كنتيجة للحرب العالمية الأولى.

وعلى الرغم من التحولات الفكرية للتيارات الإسلامية طوال العقود الماضية، وتراجع مركزية الخلافة في برامجها وأيديولوجيتها، خصوصا في مرحلة المشاركة السياسية لعدد من الحركات المنضوية تحت عباءة “الإسلام السياسي”، إلا أن فكرة “الرابطة الإسلامية” والانتماء للفضاء الإسلامي ظل حاضرا بقوة في أدبيات هذه الحركات. وقد تعزز هذا أكثر في مرحلة الربيع العربي وبعد “انتصار” الثورات المضادة في هذه الدول.

لقد أظهر الصراع الدائر الآن في المنطقة العربية أن الانشغالات والمعارك في هذه المنطقة عابرة للدول والحدود، حيث أصبح الفاعلون السياسيون منقسمون إلى معسكرات متصارعة منتشرة في أرجاء العالم العربي. وبالإضافة إلى ذلك، يشكل الإسلاميون في كل الدول العربية أحد أهم هذه المعسكرات التي تواجه معسكر الثورة المضادة، الذي عمل -ولا يزال- خارج نطاق الحدود القطرية.

وفي ضوء هذا الواقع الملتهب في المنطقة، فإن غياب الإجابة عن سؤال الرابطة الإسلامية في خطاب حركة النهضة الجديد، مثّل انتكاسة لأنصار التيارات الإسلامية، في الوقت الذي يتعرض فيه التيار الإسلامي لحرب من خصوم متحدين بهذا. وعلى الرغم من اختلاف أهدافهم ومصالحهم وخلفياتهم الأيديولوجية، يخسر الإسلاميون طرفا كان جزءا منهم، ولو على صعيد العاطفة والمرجعية، وهو ما يفسر جزءا كبيرا من الجدل الذي حظيت به تحولات النهضة الأخيرة في صفوف أصدقائها.

سأختم بالقول أن حركة النهضة يجب ألّا تتعامل بحساسية مفرطة مع الجدل الذي أثارته تحولاتها الفكرية المعلنة خلال المؤتمر العاشر؛ إذ إن هذا الجدل يدل على أهمية الحركة، كما يدل على أهمية التحولات وتأثيراتها العابرة للحدود. وبالإضافة إلى ذلك، يجب على الحركة التي أعلنت أنها ستصبح حزبا ديمقراطيا أن تتقبل النقاش والقراءة النقدية لأفكارها وممارساتها!

ترجمة خاصة بموقع الشاهد