أهم المقالات في الشاهد

الثلاثاء,22 مارس, 2016
ميدل است اي: علاء الدين حمدي، بطل باردو المنسيّ

الشاهد_في تقرير مطوّل إطلعت عليه الشاهد و نقلته إلى اللغة العربية عن الذكرى الأولى لهجوم باردو الإرهابي قالت صحيفة ميدل ايست آي أنه بعد عام من الهجوم الذي خلف 24 قتيلا و 45 جريحا، لا يزال بعض التونسيين يحملون آثار الهجوم، مثل علاء الدين حمدي، أحد الأبطال الشباب الذي تم نسيانه من قبل بلاده.

 

“في 18 مارس 2016، كان كل ما أريد القيام به هو أن أضحي بنفسي أمام باردو، لأن الشيء الذي فعلته لإنقاذ الناس لا يساوي شيئا” كما صرح علاء الدين حمدي لصحيفة ميدل است اي في 3 فيفري 2016. وبعد بضعة أيام، في أحد المقاهي في تونس، شعره شائك بعناية بالجال والهواء منعدم بعض الشيء، يقول علاء أنه يظهر هذا الأمر خلال فترة من الإحباط وعدم الرغبة في التأثر على حياته. ولكن صرخته تبقى تعبيرا عن اليأس.

 

علاء الذي يتجاوز عمره 23 عاما، يكسب رزقه في مواقع البناء لأن صاحب العمل الرئيسي بمتحف باردو، لم يدفع له أجرته منذ ديسمبر الماضي. ومع ذلك، وقبل سنة، أنقذ علاء حياة أربعين سائحا في الهجمات التي ضربت المتحف، مما أسفر عن مقتل 24 شخصا (بما في ذلك المهاجمين الاثنين) وسقوط 45 جريحا. وقد أعلنت جماعة الدولة الإسلامية في وقت لاحق تبنيها للهجوم. ومنذ ذلك الحين، لم يكن لدى علاء أي اعتراف بتصرفه، ولا المتحف ولا الدولة التونسية.

 

وفي 18 مارس 2015، رصد هذا الضابط عن المراقبة الشاب، موظف المتحف وهو يقيس قاعات الفسيفساء في باردو، المشهورة في جميع أنحاء العالم بمجموعاتها. وفي حدود الساعة 12.30، بينما كان يأخذ استراحة الغداء، يسمع إطلاق نار يدوي.

 

“أدركت على الفور أنه كان صوت رصاص قوي جدا حيث أنه يمكن أن يكون مفرقعات نارية”، كما يصرح علاء لصحيفة ميدل است اي. وقد كان يعتقد في البداية أنه كان هجوم على البرلمان، الذي تجاور جدرانه المتحف، إلا أن علاء رأى الناس والسياح وهم يسارعون إلى القاعات المجاورة. والإرهابيين يطلقون رشقات نارية من أسلحة من طراز كلاشينكوف، وحتى قبل أن يحاول معرفة المزيد، يهرب علاء أيضا خوفا على حياته. ومن المفارقات، أنه قبل أسبوع من الهجوم، أكمل دورة تدريبية في الإسعافات الأولية الممولة من المتحف.

 

عمليات الإنقاذ:

 

ويجري علاء نحو قاعة “دقة”، في الطابق الأول، حيث يجد نحو أربعين شخصا، رجالا ونساء وأطفالا، كلهم في حالة رعب. وفي الأثناء، يطلق المهاجمون النار بشكل عشوائي، ويمرون بين تماثيل غرفة قرطاج لاستعادة أنفاسهم فقط، ويواصلون مذبحتهم.

 

ويقول علاء “المتحف ليس لديه أسرار بالنسبة لي، وكان لدي مفتاح هذه القاعة، وقد تمكنت من سد الباب علينا”. وطلب من الناس أن يزيلوا معه الضوضاء أقل قدر ممكن.

 

الانتظار الطويل، لا نهاية له تقريبا. والسياح ينتظرون القرفصاء، كما تظهر الصور المنشورة على الشبكات الاجتماعية في وقت لاحق. وبعد نصف ساعة، شخص ما يقرع الباب وهو يبكي. رجل مسن ونحيل، وهو أحد السياح، يقف أمام علاء، وهو ملطخ بالدماء.

 

ويقول متوسلا “أرجوكم ساعدونى، زوجتي تحتضر”. ويهب الرجلين لمساعدة المرأة. وفي الطريق، يكتشف علاء صور الرعب، 21 سائحا وملازم بفرقة مكافحة الإرهاب قتلوا في ذلك اليوم.

 

ويقول علاء “كان هناك دماء وقتلى في كل مكان، لذلك أخذت بيد الرجل وطلبت منه أن يعود معي إلى القاعة التي كان فيها الآخرون، لكنه لم يشأ ذلك”. وأضاف علاء “لقد قال لي: ‘أنا أفضل أن أموت مع زوجتي’. تم تركته لأنني لم أكن أعرف ما إذا كان الإرهابيون لا يزالون هناك”.

 

ويعود علاء إلى قاعة دقة. وبالقرب من الفسيفساء الشهيرة التي تمثل تذكار نبتون، البعض ينتظرونه في حالة من الذعر والصدمة. ويرافقهم ويلتمس منهم البقاء صامتين خلال الوقت الذي يبحث فيه على المساعدة. “أردت أن أساعد وأخذت طريقا مختلفا لتجنب الإرهابيين.” ومن خلال إتباع هذا الاختيار، علاء يعرض حياته للخطر، وكذلك لأن المهاجمين لا يزالون في الجدران، ورجال الشرطة الذين كانوا بالإمكان، في حالة من الذعر العام، أن يخلط بينهم وبين أحد المهاجمين.

 

وفي ذلك الوقت، لا يزال الإرهابيون على قيد الحياة ويتجولون في قاعات المتحف. ويجد علاء من جديد قوات الأمن في الطابق الأرضي ويأخذهم إلى القاعة حيث يتم إعادة بث أشرطة فيديو كاميرات المراقبة.

 

ويساعد علاء قوات الأمن على تحديد الإرهابيين، ثم يقع شن هجوم الذي يؤدي إلى مقتل المهاجمين الاثنين. كل شيء تم تصويره من قبل كاميرات فرقة مكافحة الإرهاب ونشره بعد أيام قليلة على صفحة الفايسبوك التابعة لوزارة الداخلية. وفي أثناء ذلك، تبدأ عمليات تسريب الأشخاص من قاعة دقة. ويتم إعادة بث صور لسياح وهم يخرجون من الأبواب الخلفية للمتحف على الهواء مباشرة في التلفزيون التونسي.

 

ما بعد الهجوم، بين الأوهام والكوابيس:

 

في الأيام التي تلت الهجوم، يرى علاء تغييرا في حياته. فقد تم التحقيق معه لأكثر من اثنتي عشرة ساعة من قبل الشرطة التونسية في إطار عمليات التحقيق في الهجوم. ويتم بعد ذلك تداول عبر وسائل الإعلام التي تجتاح تونس، أن البلد يعيش واحدة من أول الهجمات كبيرة الحجم التي تستهدف السياح منذ ثورة عام 2011. وفي مقابلة مع وسائل إعلام أجنبية، يعيش علاء خمسة عشر دقيقة من الفخر. إلا أن كوابيس ذلك اليوم تعود لتطارده كل ليلة. “كنت أرى ذلك الرجل المسن الذي لم أكن أعرف كيف أساعده وكل ذلك الدم”، كما يقول.

 

بعد مرور شهر على الأحداث، يأمل علاء في تغيير حقيقي في وضعيته المهنية. علاء الذي يعمل لمدة ثلاث سنوات على أساس وضع يسمى “عامل رتبة 2″، يتلقى فقط 200 دينار شهريا (أقل من 100 يورو) ولا يوجد لديه سجل الأجور أو استحقاقات. “هناك حوالي عشرين شخصا يعملون على هذا الأساس في باردو، وهو مثل العمل في الأسود تقريبا لأنه ليس لدينا إمكانية لتتبع أجورنا، وأحيانا يحدث أن لا نتلقى أجورنا”، حسب شهادة علاء.

 

وبعد إعادة فتح المتحف بأبهة عظيمة بعد أسبوعين من الهجمات، يتعهد وزير الثقافة شخصيا لعلاء بالاعتراف بتصرفه. “اعتقدت أن وضعي ستقع تسويته أخيرا، وأن أحصل على عقد عمل حقيقي.” لأنه بالنسبة لهذا الشاب أصيل ضاحية شعبية من حي التضامن، شمال تونس، العمل في باردو يمثل أكثر بكثير من العمل من أجل توفير الغذاء. ويشرح علاء “قضيت كل وقتي عندما كنت صغيرا، وكان والدي رسام ديكور في المنازل، وهو الذي رسم السقوف، أعيد لمس بعض الديكورات”.

 

وفي ذلك الوقت، الصبي الصغير، الخجول والبدين، لا يحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم أو طبيب ولكن أن يفعل مثل والده، الذي يروي له قصصا عن المتحف عندما زاره بعد خروجه من المدرسة. “لم يكن كثيرا المتحف الذي كان مهما بالنسبة لي ولكن حقيقة أداء نفس عمل والدي. لقد تعلمت أن أحب هذا المكان وتاريخ أجزائه عندما بدأت العمل هناك”.

 

وفي سن ال 19، كان علاء يحرس الجدران وهو يضع سماعات على أذنه من دون أن يفهم جيدا كيف يمكن للسياح أن يقضوا ساعات أمام القطع الخزفية والمنحوتات. ثم، يسوده الفضول، ويشرع في المعاينة، وإجراء البحوث وسرعان ما يعرف عن ظهر قلب كل شبر من المتحف، وزواياه وآثاره. ويسرد علاء قائلا “لقد تعلمت تاريخ بلدي من خلال متحف حنبعل في قرطاج. وكنت متحمسا لدرجة أنني تلقيت راتبي من خلال العمل كمرشد سياحي للزوار، وحتى رافقتهم إلى مواقع أثرية أخرى”.

 

وبفضل لقاءاته، أصبح لديه شغف أيضا باللغات، إذ يتعلم الإيطالية من أجل إغراء فتاة، ثم الإنجليزية، ويدرس حاليا اللغة الروسية في المركز الثقافي الروسي في تونس. ويقول علاء “بفضل راتبي الذي أتقاضاه من أعمال البناء، أدفع أجر الدروس التي تبلغ 400 دينار في السنة”.

 

ويخشى علاء الذي يبدي اشمئزازه، من عدم تمكنه من العمل في باردو بعد لقاءاته العديدة في وسائل الإعلام التونسية للتنديد بفقدان وظيفته. وكما أن متحف باردو ليس لديه أي سلطة ذاتية سواء في توظيفه أو في عمله، وكلاهما يتمركزان في وكالة تنمية التراث والمعهد الوطني للتراث، يبدو أن علاء محكوم عليه بالفقر.

 

التهديدات السلفية وعدم الاعتراف:

 

في فيفري المنقضي، وضعية علاء تجعله يكتئب إلى درجة الرغبة في التخلي عن كل شيء. ونظرا إلى أن والده قد فقد القدرة على استخدام ساقيه، يجب على علاء أن يجد الموارد اللازمة لإطعام أسرته المكونة من والدته، وشقيقه الذي يبلغ 20 عاما وشقيقته البالغة من العمر 16 عاما. وليس فقط الدولة التي ترفض الاعتراف به: ففي الحي الذي يسكن فيه، يتعرض الشاب يوميا لتهديدات.

 

وقال علاء أن “كثير من السلفيين الراديكاليين سمعوا أنني كنت قد أنقذت السياح، وقد تلقيت التهديدات والتخويف من جانبهم”. ووفقا للأرقام المتفاوتة من السلطات التونسية، فإن “معظم الشباب الذين في عمره في الحي الذي يقيم فيه انضموا إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، مثل 5000 تونسيين آخرين. وقد أمضى علاء عدة أيام مع الأصدقاء لتجنب المواجهات غير المرغوب فيها ولكن لا يستطيع أن يتحمل الشعور الدائم بالخوف عندما يغادر المنزل.

 

ويعترف علاء بأنه ليس لديه الكثير من الأصدقاء في الحي الذي يسكن فيه، ملجأه الوحيد المتبقي هو كتاب ‘التاريخ والشريك في الجريمة’ للكاتب عبد العزيز بلخوجة، الذي نشر في عام 2011، وهو كتاب جديد حول حنبعل بيرصا، أحد الأبطال القرطاجيين وشخصية تاريخية في تونس . “علاء هو صبي ذكي الذي يحب أن يتعلم، شجاع وواعي، وعلى الرغم من صغر سنه، فذلك ما ينقصنا هنا في تونس لإحياء العظمة”، كما قال عبد العزيز خلال محادثة له مع صحيفة ميدل است اي في وقت سابق من هذا الأسبوع. وبالنسبة لعلاء، على الرغم من هذه التحديات اليومية، حنبعل هو نموذج، ومرجعية. كما أنه يلبس قلادة نقش عليها اسمه من قبل والده.

 

ولكن إذا كان يعرف عن ظهر قلب تاريخ بلاده، لم يعد هناك أي أوهام بشأن مستقبله. “أنا أحب بلدي ولكن لا يمكنني أن أتحمل هذا الوضع، ولا أفهم لماذا من الصعب جدا أن يعطونني عقد عمل عادي”، كما يقول بمرارة.

 

ومن خلال هذه المقابلة مع علاء، شهدت جدران متحف باردو المليئة بوابل من الرصاص حتى لا تنسى، العديد من الأحداث الهادفة إلى تحسين صورة المتحف وجذب السياح من جديد، ومن بينها: الإعلان عن المرشحين لجائزة أدبية كبرى، ومعرض الفن المعاصر وزيارة العديد من الشخصيات السياسية الفرنسية. كما أن فسيفساء جديدة تحمل صور الضحايا الذين قتلوا هناك منذ عام سيتم قريبا كشف النقاب عنها، علاوة على التخطيط لحفل على شرفهم بمناسبة الذكرى. وفي الوقت نفسه، يظل علاء وغيره من الموظفين غير مستقرين، أو أبطال محليين آخرين، وسوف يظلون متفرجي الظلال، كما يسوق حمادي بن عبد السلام.

 

ترجمة خاصة بموقع الشاهد