أهم المقالات في الشاهد

الأربعاء,27 يوليو, 2016
ميدل است آي: لماذا كان الغرب غير مبال/مساند للانقلاب في تركيا؟

الشاهد_اجتاحت وسائل الإعلام العالمية عاصفة مع سرعة وتيرة الأحداث المفاجئة في تركيا منذ محاولة انقلاب يوم الجمعة. فقد ذكرت الكثير من وسائل الإعلام الغربية بأن الانقلاب العسكري كان ناجحا، على الرغم من أن الواقع أظهر خلاف ذلك. وكان كما لو كان الغرب يتمنى أن يحقق الانقلاب النجاح. وقد قيل الكثير عن تحيز الإعلام الغربي في تغطية الأحداث في تركيا، الذي تجاهل النتائج المترتبة على محاولة الانقلاب ومعاناة الإنسان في سياق انتقاده إلى حد كبير رد الحكومة عليه، وفق ما كشفت صحيفة ميدل است آي في تقرير مطول اطلعت عليه الشاهد ونقلته إلى اللغة العربية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا هذا التحيز الشديد ضد تركيا وسوء النية تجاه قيادتها الحالية؟
التوسع الاقتصادي التركي:
بالنسبة لأوروبا، والاتحاد الأوروبي، الذي من المتوقع أن يتقلص مع رحيل المملكة المتحدة، الاقتصاد التركي في حالة جيدة. فمنذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا شهدت البلاد تحولا اقتصاديا إيجابيا هائلا، مع ناتج محلي إجمالي يبلغ 196 بليون دولار في عام 2001، الذي ارتفع إلى 823 بليون دولار في عام 2013. وهذا انعكس في الخدمات العامة، بما في ذلك الصحة والتعليم والنقل، وكذلك في مستويات المعيشة العامة. اليوم، وعلى الرغم من تدفق اللاجئين وتزايد الهجمات الإرهابية على تركيا، البلد لا يزال واحدا من أسرع الاقتصادات نموا في أوروبا، مع معدل نمو بنسبة 3.8 في المائة في الربع الثاني من هذا العام مما يجعله الاقتصاد الثالث الأسرع نموا في أوروبا.
تركيا هي قائد عالمي عندما يتعلق الأمر بالاستثمار في البنية التحتية. إذ تقوم تركيا حاليا ببناء واحد من أكبر المطارات في العالم، والذي سوف يكسف مطارات أخرى في أوروبا. وقد انتهت للتو من بناء جسر غازي عثمان، رابع أطول جسر معلق في العالم، والذي كان واحدا من عدة مشاريع عملاقة في انتظار أن تنتهي.
الجيش التركي أيضا كان له نصيبه العادل من النهوض الذاتي على مر السنين، وهو يبتعد عن التبعية الخارجية لمعداته العسكرية.
ارتفاع الخطاب العثماني والإسلامي:
وليس سرا أن الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية هم “إسلاميين”. بالتأكيد، فإن النظام السياسي علماني، ولكن الحزب لا يخفي تعاطفه والرئيس أردوغان قد انتقد مرارا من الدول الغربية عندما يتعلق الأمر بقضايا السياسة الخارجية. وتشمل هذه القضايا المتصلة بالربيع العربي، مثل الانقلاب العسكري في مصر والنزاع السوري، الذي أسفر عن مئات الآلاف من القتلى. وعلاوة على ذلك فقد تلقى الاحتلال الإسرائيلي بانتظام انتقادات من جانب الحكومة التركية، التي تقيم علاقات جيدة مع حماس.
وخارج المنطقة، كانت تركيا واحدة من عدد قليل جدا من المؤيدين للمسلمين المضطهدين في ميانمار. كما سحبت تركيا سفيرها من بنغلاديش احتجاجا على إعدام قادة مجموعة الجماعة الإسلامية، أكبر جماعة إسلامية في بنغلاديش.
وهكذا فإن تركيا، على الأقل من الناحية الأخلاقية، لا تتماشى مع السياسة الخارجية الغربية ولا نخجل في الكشف عن ذلك. ومع ذلك، فإنه لا يتم نشر قضايا على أساس أنها إسلامية، بدلا من ذلك، وُضِعت في سياق الظلم والقهر، الشيء الذي يجعل قيادة تركيا تتخذ موقف التضامن مع هؤلاء الناس يعانون منه.
محليا، تركيا اليوم لم تعد تركيا مصطفى كمال، الذي عَلْمن بقوة تركيا واضطهد هويتها الإسلامية. اليوم، المرأة ليس لديها أي مشاكل في ارتداء الحجاب في المدارس أو مؤسسات الدولة. وخلال شهر رمضان الأخير، فتحت تركيا أكبر مسجد في البلاد، في اسطنبول. التعليم الإسلامي ازدهر وتم للتو إدماج اللغة العربية في التعليم في المدارس العامة.
هذا العام، احتفلت تركيا بالذكرى 563 من فتح القسطنطينية (اسطنبول)، وهي السنة الثانية على التوالي من الاحتفالات بالذكرى السنوية، التي كانت محظورة تحت حكم مصطفى كمال. وحضر الاحتفالات ما يقدر بمليون شخص، وكانت قد بدأت مع تلاوات من القرآن الكريم، وشملت في وقت لاحق موسيقى الجيش العثماني وخطاب الرئيس أردوغان ورئيس الوزراء بينالي يلديريم.
وكل هذا لم يكن متصورا قبل 15 عاما، ويمكن أن يقال الكثير لإثبات إحياء هوية تركيا.
الجغرافية السياسية:
وكما تم الحديث تقليديا، كان الجزء الأكثر أهمية في العالم بالنسبة للولايات المتحدة أوراسيا. ومنذ الحرب العالمية الثانية، واصلت أوروبا استضافة أكبر عدد من القوات الأمريكية خارج الولايات المتحدة.
قبل فترة طويلة، كان الإرهاب العالمي أو صعود الصين المواضيع ذات الأهمية، وطغت أوراسيا ورد الاتحاد السوفياتي على اهتمامات السياسة الخارجية الأمريكية والجزء الأكبر من خطابات العلوم السياسية الأكاديمية.
في حين أن روسيا أصبحت على نحو متزايد عدوانية، سواء في التصور وفي العمل على مدى السنوات القليلة الماضية (جورجيا وأوكرانيا وسوريا)، إلا أن الحاجة الملحة لتجديد الخطاب أو سياسة متماسكة بشأن روسيا وأوراسيا يبدو أنه تم تجاهلها إلى حد كبير. بدلا من ذلك، يبدو أن الغرب قد انفجر على نفسه مع صعود اليمين المتطرف وكراهية الأجانب، ترامب وبريكسيت، ووضع إستراتيجية عالمية على نار هادئة. ومع ذلك، فإن تركيا في قلب أوراسيا، ونمو وقوة تركيا المتزايدة تسمح لها أن تكون أكثر استقلالية وتغير ميزان القوى في المنطقة.
العديد من المُعلِّقين في منطقة الشرق الأوسط يشعرون بأن تركيا يتم تشجيعها لمواجهة روسيا ولكن حلف شمال الأطلسي يتخلى عنها لتعتمد على نفسها. واعتبر ذلك نية لإضعاف تركيا. وينظر إلى تركيا الواردة داخل حلف الناتو أكثر من المرغوب فيها بالنسبة للغرب من واحدة من البلدان الحازمة والمتنامية.
وأشار زبيغنيو بريجنسكي، أحد الأكاديميين الأكثر تأثيرا على السياسة الخارجية الأميركية في كتابه “رقعة الشطرنج الكبرى” أن أوراسيا ليست فقط المنطقة الأكثر أهمية للولايات المتحدة في العالم، ولكن أيضا لا ينبغي أن لا يسيطر عليها أي شخص آخر، ولا ينبغي أبدا أن يسمح لأي من القوى الصاعدة بالتوحد.
تركيا لا غنى عنها:
تركيا آخذة في الارتفاع كقوة إقليمية، مع هوية وطنية وأخلاقية أكثر حزما. إلا أنه على خلاف مع الغرب حول عدد من القضايا، مثل الربيع العربي ودعم إسرائيل. كما أن التغيير في قيادة تركيا حيث الكمالية من الناحية العسكرية تعود في السلطة، جعل تركيا تدير ظهرها للربيع العربي، وتدحر مرة أخرى هويتها الوطنية التي تم إحياءها من جديد وإقامة علاقات صداقة مع إسرائيل، كل ما من شأنه أن يُسِرَّ الغرب وإعلامه.
وقد استبعد احتمال وقوع انقلاب عسكري في تركيا في المستقبل المنظور، ذلك أن تركيا أصبحت أقوى بكثير مما كانت عليه؛ فهي تتجه في عملية توطيد السلطة على مؤسساتها العسكرية والحكومية، والبلد الوحيد الذي يتوقع أن ينمو كقوة إقليمية.
تركيا تترأس حاليا منظمة المؤتمر الإسلامي ومجموعة ال20، وهي لاعب رئيسي في تشكيل سياسات الشرق الأوسط. تركيا، في نهاية المطاف، وبغض النظر عن الأيديولوجية وتطلعات قيادتها، تظل شريكا حيويا وحليفا للغرب. تركيا لا تزال عضوا حيويا في حلف شمال الأطلسي والتحالف في القتال ضد تنظيم داعش. كما أن عضويتها في حلف شمال الأطلسي لا تزال تعتبر ذات قيمة كبيرة.
تركيا لا تزال عملية ومدفوعة في المقام الأول بالمصالح الذاتية الواقعية وليس الأيديولوجية ورئيس منظمة حلف شمال الأطلسي مؤخرا جدّد ثقته في شراكة تركيا مع الغرب.
وفي حين أن البلدان الغربية لم تكن قادرة على إخفاء تحيزها ضد القيادة السياسية في تركيا وتركيا قد أدركت بوضوح، على الرغم من بعض الدم الفاسد والتصريحات الساخنة، أنها ستظل تعمل كالمعتاد.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد