وطني و عربي و سياسي

الأربعاء,26 أغسطس, 2015
ميدل إيست أي: شكوى بإسم ولاية القصرين ضد التهميش و الدولة هي المتّهمة

الشاهد_أوردت صحيفة ميدل إيست أي تقريرا مطولا عن وضعية بعض الأحياء و الجهات المهمشة في تونس إطلعت عليه الشاهد و نقلته إلى اللغة العربية جاء فيه أنه قد فتح فصل جديد للعدالة الانتقالية في تونس، وهي عملية سياسية بدأت منذ أكثر من عام لمحاكمة المسؤولين عن جرائم عدة ارتكبت في ظل الدكتاتورية السابقة. و استنادا إلى نتائج الثورة عام 2011، تم إنشاء لجنة الحقيقة والكرامة على وجه الحصر لتسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الحكومات السابقة، من عام 1956 إلى عام 2013.

هذه المؤسسة السياسية هي استثناء في العالم العربي. و وفقا للقانون الأساسي المؤرخ في 24 ديسمبر الأول 2013، لجنة الحقيقة والكرامة هي المسؤولة عن “التعامل مع انتهاكات حقوق الإنسان الماضية من خلال الكشف عن الحقائق الخاصة بهم ومحاسبة المسؤولين، وتقديم التعويضات للضحايا و ترجيعها لهم من أجل تحقيق المصالحة الوطنية”.

و يعتزم نظام العدالة الانتقالية إنشاء محاكم استثنائية: “يجب إنشاء دوائر قضائية متخصصة بموجب مرسوم […]، ويتألف من قضاة يتم اختيارهم من بين القضاة الذين لم يشاركوا قط في محاكمات ذات الطابع السياسي”، كما ورد في الفقرة الأولى من المادة 8 من القانون الأساسي.

حاليا، قد تم رفع قضايا لأكثر من 13.000 من التونسيين الذين يدّعون أنهم ضحايا الحكومة السابقة إلى لجنة الحقيقة والكرامة، وفقا لمحمد العيادي، وهو عضو في لجنة التعويضات. وحتى الآن، لجنة الحقيقة والكرامة هي بصدد استلام ومراجعة الملفات الموكلة إليها، ولكن لم تجري أي محاكمة.

و تجدر الإشارة إلى أنه مؤخرا، وللمرة الأولى، تم رفع شكوى من قبل اثنين من المنظمات، المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومحامون بلا حدود وليس باسم فرد ولكن باسم منطقة، من ولاية القصرين، هذه المدينة التي تقع في منطقة وسط غرب تونس تعود مرة أخرى كمحور للمناقشات بشأن مسألة التهميش الاجتماعي والاقتصادي.

وفي الواقع، إلى جانب حالات التعذيب والقتل السياسي، ينبغي على لجنة الحقيقة والكرامة أيضا، كجزء من مهامها و صلاحياتها، معالجة الجرائم ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية التي ترتبط مباشرة بتهميش المناطق الداخلية. وبناء على ذلك، قدم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية شكوى نيابة عن سكان منطقة القصرين ضد الدولة التونسية، التي يتهمونها بفرض التفاوتات الجهوية من خلال إجراء عقود معاملة تفضيلية للمناطق الساحلية، وذلك على حساب مناطق داخل البلاد.

 

 

التهميش المنهجي:

تقع على بعد حوالي 40 كيلومترا بعيدا عن الحدود الجزائرية، القصرين هي نقطة عبور لشبكة تهريب كبيرة (الأسلحة، والمخدرات، والوقود)، الذي منح المدينة سمعة كونها منطقة خطرة. وقد عززت وصمة العار هذه منذ عام 2012، كما تم إدراج العديد من الهجمات الإرهابية منذ ذلك الحين. و في الواقع، توفر الجبال المحيطة المأوى للجماعات المتمردة الذين يعبرون الحدود.
و في وسط مدينة القصرين، يمكن للمرء أن يلاحظ التباين الناجم عن سرعة التنمية المتفاوتة التي تضطلع بها الدولة خلال أيام بن علي وبورقيبة. الجدران البيضاء للمنطقة الإدارية تتعارض مع الواجهات المتداعية من حي الزهور، وهو أحد الأحياء الفقيرة التي لم يتم الحفاظ على البنية التحتية فيها منذ استقلال البلاد في 1956.

و المنطقة، سواء مركزا لمهربي المخدرات وبقعة ساخنة لقمع الاحتجاجات العنيفة في جانفي عام 2011، تحتوي على عدد قياسي من أسر الشهداء في الثورة: أكثر من ثلث العدد الإجمالي للمصابين والقتلى أثناء موجة البرد هم من القصرين. وفي جانفي 2011، كانت مشارف المدينة محاطة من قبل قوات النخبة من شرطة بن علي، الذين لم يترددوا في فتح النار على المواكب الجنائزية من أجل قمع انتفاضة السكان، الذين اشتهروا بأنهم “مناهضون للمؤسسة”.

ومنذ ذلك الحين، وعنف القمع لا يزال موجودا في أذهان أهالي القصرين. و أصبح بعض المصابين أثناء الثورة المتسولين الذين يجوبون الشوارع بلا هدف لأنهم فشلوا في الحصول على صفة رسمية، والتي تخول لهم الحصول على تعويض ودعم من الدولة. و يعتبر وجودهم بمثابة تذكير لعنف الدولة. و الارتباك هو من النوع الذي يتحول في بعض الأحيان إلى الغضب. وقد ذهب بعض المصابين أثناء الثورة إلى سوريا للانضمام إلى صفوف “الدولة الإسلامية”.
“سواء بالنسبة لضحايا الثورة أو الإرهاب، فإن الوضع لا يزال هو نفسه ونحن لا نزال المهمشين. لأنه بعد الصدمة والانفعال، لا أحد يهتم بسكان القصرين بعد الآن،” كما ذكر حاتم الصالحي، أحد الصحفيين المحليين الذي كان أول من قام بتغطية هجمات المسلحين في جبال الشعانبي في ديسمبر عام 2012.

 

 

القصرين، آخر ولاية على مقياس التنمية التونسية:

و لقياس موضوعي لمستوى تهميش المنطقة، فقد استخدمت مؤشرات قياس التنمية و تم مطابقتها مع المعدل الوطني من قبل المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية. و هذا الاكتشاف لافت للنظر: في معظم الفئات المذكورة في الدراسة الاستقصائية، تأتي منطقة القصرين بشكل منهجي في المرتبة الأخيرة، وهو دليل لأولئك الذين قدموا الشكوى على أن الإقصاء المتعمد يجري.

و لطالما طغت عليها رهانات التحول السياسي (الانتخابات، الدستور الجديد، الإرهاب)، لا تزال المسألة الاجتماعية تكافح لتأخذ مكانها على الساحة الوطنية. “نحن بحاجة إلى فهم موضوعي لما حدث. كيف طور الحكم الاستبدادي سلسلة من العمليات المتداخلة التي أنتجت الفقر على نطاق واسع،” أوضح لطفي السايحي، مهندس شبكة الاتصالات في القصرين.
و على سبيل المثال، يصل معدل البطالة في ولاية القصرين إلى 26 في المئة، في حين يبلغ المعدل الوطني 17 في المئة. مرشح واحد فقط من أصل 10 حصل على البكالوريا في عام 2015. و 27 في المئة فقط من سكان القصرين لديهم إمكانية الحصول على المياه والثلث (32٪) يعانون من الأمية. “لقد كان التهميش والإقصاء العمليات المؤسسية على مدى عقود”، يقول علاء الطالبي، مدير المشروع في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وعلى الرغم من الانفتاح الديمقراطي الذي بدأ قبل أربع سنوات، فإن استمرار الفساد يوقف المحاولات الرامية إلى الحد من اختلال التوازن الإقليمي. و يقع 80٪ من المجمع الصناعي الوطني في المنطقة الساحلية. “في بعض المدن، صناع القرار المحليين يتبعون التوجيهات استنادا إلى المصالح التجارية”، كما تقول ألفة لملوم، عالم الاجتماع و المشرفة على الدراسة الاستقصائية ل500 من سكان القصرين فيما يتعلق بمسألة الأمن.

وعلى الرغم من حجم التحدي، لا تزال لجنة الحقيقة والكرامة متفائلة بشأن الشكوى المقدمة بالنيابة عن سكان ولاية القصرين. و قال محمد العيادي، ممثل لجنة الحقيقة والكرامة، خلال مؤتمر صحفي يوم 16 جوان في تونس “هذه خطوة جريئة وذكية. هذا الملف هو من مسؤولية واختصاص لجنة الحقيقة والكرامة وهذا سوف يشكل سابقة لأن أي شخص يمكن أن يقدم شكوى نيابة عن مدينة أو منطقة مهمشة”.

ومع ذلك، مع ظهور النزعة الإقليمية التي زادت منذ الثورة، فإن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية يحذر من نهج المنافسة الضحية: “علينا أن نتغلب على عقلية ‘غنائم الحرب'”، وحذر عبد الجليل البدوي خلال مؤتمر صحفي عقدته منظمة غير حكومية تونسية . و يهدف تقديم الشكوى إلى وضع مسألة التنمية الإقليمية ومكافحة التهميش في صميم الحوار الوطني. وبالتالي، وفقا للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإن هذه المبادرة تؤكد على الاعتراف الرمزي بالأضرار التي ألحقت بهذه الجهة أكثر مما تسعى إلى تقديم تعويض مالي.

و على الرغم من أنها كان من المقرر كهدف سياسي أولي أقصى في الدستور عام 2014، اللامركزية والإصلاحات الإقليمية تتقدم ببطء، والتي تسببت لعدة أشهر في تطرف الحركات الاجتماعية التي تسعى إلى إعادة توزيع أفضل للثروات. و بانتظام، فقد هزت المدن الكبرى في المناطق الوسطى والجنوبية من خلال المظاهرات، و معظمها يقودها من الخريجين العاطلين عن العمل من الشباب الذين يطالبون بأن تقوم الدولة بتنمية منطقتهم، في حين يواجه الجميع بقمع الشرطة.

عدم قدرة واضعي السياسات على معالجة المطالب الاجتماعية، و هي نفسها التي أدت بالديكتاتور السابق زين العابدين بن علي إلى الفرار، يعكس غياب مشروع اجتماعي يتماشى مع الواقع الاجتماعي. و قال سيف الدين السعداوي، مصور شاب من فريانة في ولاية القصرين “أشعر أن منطقتنا عانت خلال نظامي بن علي وبورقيبة، وقد تم تهميشها، وأنا يمكن بسهولة أن ألاحظ هذه الحقيقة خلال زياراتي الأولى إلى مناطق أخرى، مثل منطقة الساحل. الفن، والرياضة، والثقافة .. . تفتقر إلى كل شيء. كان يعتقد أنه بعد الثورة سيكون هناك تغيير من خلال برنامج العمل الإيجابي، ولكن بعد فترة وجيزة، كانت الأحلام قد اختفت”.

علاوة على ذلك، فإن الشكوى المقدمة إلى لجنة الحقيقة و الكرامة هي بمثابة تذكير بضرورة الإنصاف والعدالة التي لقيت صدى قويا من مدينة سيدي بوزيد الريفية ذات يوم في ديسمبر عام 2010.

والسؤال هو ما إذا كان صناع القرار التونسيين سيقدرون خطورة الوضع. وفي بيئة أمنية هشة، حركات التمرد تزدهر على غضب الشباب الضائع، نظرا إلى أن الإقصاء الاجتماعي هو أرض خصبة للتطرف.

 

 

ترجمة خاصة بموقع الشاهد