أهم المقالات في الشاهد

الجمعة,26 فبراير, 2016
ميدل إيست آي: “معركة” نزع السلاح في ليبيا بين كسر العقليّة و إدماج المقاتلين

الشاهد_خلال محاولتها اجتثاث تطرف المقاتلين في مرحلة ما بعد القذافي، تعثرت ليبيا كمجموعة أنشئت من أجل مهمة التي تواجه نقصا في النقد والصراع المستمر، هكذا افتتحت صحيفة “ميدل است أي” تقريرا مطولا نقلته الشاهد إلى اللغة العربية.

 

يحدق أسفل فوهة البندقية، يعتقد مصطفى ساجزلي أنه كان يعرف ماذا يفعل. مد يده لأخذ السلاح من الرجل، ولكن الرجل انسحب فقط بعيدا وازداد غضبا.

وكان في تلك اللحظة التي أدرك فيها ساجزلي أن السبيل الوحيد لحل الأزمة في ليبيا لم يكن من خلال “نقل الأسلحة بعيدا عن الشباب، ولكن بنقل الشباب بعيدا عن الأسلحة”.

ومنذ ذلك الحين، يقود ساجزلي حملة لإعادة تدريب الميليشيات الليبية وإعادتهم إلى المجتمع العادي.

ويقول ساجزلي أن منظمته، التي أطلق عليها أولا اسم “لجنة شؤون المحاربين” وسميت لاحقا “برنامج ليبيا لإعادة الإدماج والتنمية”، قد أعدت مقابلات وحققت مع 162.000 من أفراد الميليشيات الذين كانوا على استعداد لوضع أسلحتهم للحصول على فرصة للعيش حياة طبيعية.

علاوة على ذلك، فإن العديد من الأشخاص حصلوا على وظائف أمنية أو انضموا إلى قوات الشرطة والجيش، على الرغم من أن أفراد الميليشيات السابقين قد ذهبوا لكي يصبحوا فنيي تكنولوجيا المعلومات وعاملين في المنظمات غير الحكومية وطلبة.

ولكن كما تحيي ليبيا الذكرى السنوية الخامسة للانتفاضة ضد الزعيم الليبي معمر القذافي، تتزايد التحديات؛ الأسلحة لم تهدأ عن إطلاق النار لحد الآن، والنكسات جعلت ساجزلي يشعر بأن العمل الشاق لا يزال يتعين القيام به.

وكما انتفضت البلاد ضد حكم القذافي الذي استمر 42 عاما، ساجزلي، مثل كثير من الليبيين الآخرين، يتعامل في عمله اليومي ببندقية.

وفي البداية، كان يستخدم مهاراته كمهندس كمبيوتر في شركة هيوليت باكارد لتحسين نظم اتصالات المعارضة. وعندما ازداد الصراع سوءا، قاد قوة للدفاع عن بنغازي.

 

كسر العقلية:

 

وفي هذه الأيام، يلبس ساجزلي بدلة أنيقة ولديه شاربان ناعمان رماديان، لكنه قال إن أيام قتاله كانت حاسمة وساعدته على فهم عقلية المتشددين.

وفي تصريح لصحيفة “ميدل است أي” في تونس، قال ساجزلي “أنا أعرف ما معنى أن تصبح مسلحا”، وأضاف “وأنا أعلم كم هو صعب التخلي عن الأسلحة”.

بعد خلع القذافي وشروع بلاده في السير على الطريق نحو الحكم الحر، قرر ساجزلي أن يتخلى عن سلاحه ويساعد الآخرين على حذو نفس الطريقة الأفضل التي كانت لمساعدة الثورة.

وقال ساجزلي أن النتائج كانت مشجعة بعد نشأة منظمة “برنامج ليبيا لإعادة الإدماج والتنمية”، في عام 2012.

وقد وعدت الحكومة آنذاك بالتمويل، في حين أن المجتمع الدولي قد سارع إلى تدفق الأموال والموارد في محاولة لوضع ليبيا ما بعد القذافي في مسارها الصحيح من جديد.

ولفترة من الوقت، بدت ليبيا مثل ذلك البلد الذي من شأنه أن يزهر مع حقوق جديدة وحريات الديمقراطية، وفقا لما صدر عن قاعدة بيانات المجموعة التي ضمت 214.00 تقريبا.

وفي وقت مبكر، كانت منظمة “برنامج ليبيا لإعادة الإدماج والتنمية” قادرة على توظيف نحو 200 مستشار اجتماعي، معظمهم من النساء، اللواتي تمكّن من الوصول إلى مجموعات كل الرجال المقاتلين وحاولوا تسجيلهم في البرنامج”. وقال ساجزلي بكل فخر أنه “لم يتم الإبلاغ عن حالة واحدة من التحرش الجنسي”.

وقد سمح للأفراد الذين التحقوا بالانضمام إلى فريق مكون من 60 طبيبا نفسانيا المدربين في العلاج بالصدمة ويعدون حلقات عمل حول التعاليم الأخلاقية والدينية التي بشرت بأن الديمقراطية والدولة الحديثة ليست ضد الإسلام.

وكشف التقرير عن أن واحدة من مخططات “برنامج ليبيا لإعادة الإدماج والتنمية” تتمثل في إرسالها حتى ل300 من المقاتلين السابقين إلى كوسوفو لمعرفة المزيد عن بناء الأمة.

وقال ساجزلي أن عناصر متطرفة كانت قليلة ومتباعدة خلال السنوات الأولى للثورة، وحتى أولئك الذين أصبحوا متطرفين، اهتدوا بسهولة مرة أخرى نحو الاعتدال.

وتقدم هذه البرامج “حلولا حقيقية” لمواجهة القتال العنيف وإبعاد الناس عن الميليشيات. وقد تلقى المشاركون التدريب المهني، ومنحوا رواتب الزواج والسكن وحتى حلقات “المهارات الاجتماعية”.

وبعد الانتهاء من البرنامج، قال الأمين أبولماجير، وهو مقاتل ثوري ليبي في الخطوط الأمامية السابق، أنه أصبح عضوا في مجتمع مدني نشط.

وقال أبولماجير “سافرت في جميع أنحاء البلاد للقتال، ولكن بعد أن انتهت، أدركت أن القلم أقوى من السيف”.

وجدير بالذكر أن أبولماجير الآن هو مدافع بارز في حركة العودة إلى نظام ملكي دستوري في ليبيا الذي قال انه يمكن أن يوفر حلقة وصل رئيسية لربط البلاد كلها معا.

وقد تكون وجهة النظر مثيرة للجدل، لكن أبولماجير قال أن البرنامج علمه أن يقدم حججه بشكل واضح والاحتفاظ بهدوئه تحت الضغط دون اللجوء إلى العنف.

 

حمل السلاح والحصول على الأجر:

 

على الرغم من العمل الجيد الذي تقوم به، تدهورت الأحداث على أرض الواقع عندما ازدادت الميليشيات التي رفضت التخلي عن أسلحتها قوة وتشددا على نحو متزايد.

وعندما هاجم أنصار الشريعة السفارة الأمريكية في بنغازي وقتلوا السفير كريستوفر ستيفنز في عام 2012، بدأت الأمور تنكشف أكثر.

واليوم، يُعتقد أن ليبيا لديها ما يقرب من 2000 عنصر من الميليشيات حيث يعتقد كثيرون أنهم يدعون حقا إطلاق النار.

وعلى الرغم من التقدم في إطار المصالحة المقدمة في أواخر العام الماضي، فإن ليبيا لا يزال لديها اثنين من البرلمانات المتنافسة – واحد في العاصمة طرابلس والآخر في طبرق في شرق البلاد.

ويذكر التقرير أن جماعة الدولة الإسلامية الآن تسيطر على أجزاء من الساحل الليبي وهي مستمرة في التوسع.

من جهة أخرى، تضج وسائل الإعلام الدولية بإشاعات احتمالات التدخل العسكري الذي يهدف إلى القضاء على المجموعة، على الرغم من أنه لم يتضح بعد ما إذا كان توسيع الجبهة المناهضة للدولة الإسلامية هو فعلا هزيمة للمجموعة.

كما أن الاقتصاد يعاني من الاضمحلال مع اختفاء الاستثمارات الأجنبية منذ زمن طويل وحتى إنتاج النفط، المادة الرئيسية في ليبيا، والتي يتم تجفيفها الآن بسبب أعمال العنف.

وأما البطالة فقد شهدت في وقت لاحق ارتفاعا والأمور سيئة للغاية لدرجة أن بعض المعلقين يقولون أن الطريقة الوحيدة للحصول على الأجر المناسب هذا اليوم هو حمل السلاح بإيعاز من ميليشيا أو تصبح سياسيا.

وللإشارة، فإن عددا قليلا من المقاتلين السابقين في منظمة “برنامج ليبيا لإعادة الإدماج والتنمية” الذين أرسلوا إلى الخارج للدراسة – كان لمخطط ساجزلي آمالا كبيرة لديهم – اختاروا العودة إلى البلد الذي مزقته الحرب التي، على الرغم من الثروة النفطية الهائلة، لا توفر الآن سوى فرصا قليلة.

ومما زاد الطين بلة، هو أن ساجزلي ومنظمة “برنامج ليبيا لإعادة الإدماج والتنمية” قد شهدوا إلغاء تمويلها المحلي.

وأضاف ساجزلي قائلا أن “الحكومة الليبية تخطط لتعطينا المال، ولكن هذا لم يأت أبدا”.

وعلى الرغم من العقبات، ترفض المنظمة أن تتخلى عن مطلبها. إنها مفتوحة جدا بشأن مصادر تمويلها وتعترف بأنها تتلقى دعما ماليا من منظمات مثل الوكالة الأمريكية للتنمية ومنظمة الصحة العالمية.

وقد مكنها ذلك من الإبقاء على حوالي 1200 رجل في مجال التدريب المهني و 2000 آخرين في كل شكل من أشكال التعليم، من خلال المنح الدراسية أو غيرها من أنواع الدعم. كما أن برامج اللغة الأجنبية لمنظمة “برنامج ليبيا لإعادة الإدماج والتنمية”، التي تساعد المقاتلين السابقين على تعلم اللغة الإنجليزية، لا تزال عاملة وإن كان ذلك بقدرات منخفضة.

وقال ساجزلي أيضا أنه ما زال ملتزما بممارسة نهج شامل لإعادة الإدماج وإعادة التدريب. وقال في هذا الخصوص “نحن نرى التطرف ليس فقط من الأشخاص الذين يحملون العلم الأسود [للدولة الإسلامية]، ولكن أيضا من أولئك الذين يحملون العلم الأخضر [التابع لليبيا في عهد القذافي]. وسوف نشارك مع أي شخص على استعداد لتجريد نفسه من التطرف”.

 

“يمكننا أن ندمر الدولة الإسلامية بسهولة”:

 

رغم مناشدة كلا الجانبين بأنه يمكن أن تكون مهمة محفوفة بالمخاطر في ليبيا المعاصرة حيث يتزايد الاستقطاب، يرفض ساجزلي الرضوخ للضغوط. وهو يرفض الاتهامات المتكررة بأنه قريب جدا من الإسلاميين بالقول أنه تلقى تعليمه في الولايات المتحدة وجاء من عائلة منفتحة. وقد واصل عمله على الرغم من تلقي سلسلة من التهديدات بالقتل التي دفعته إلى نقل أسرته خارج البلاد.

وقال ساجزلي أن منتقديه وجهوا له انتقادات لأنه “لا يخاف من السياسيين الإسلاميين، وليس منغلقا تجاه مسؤولي القذافي السابقين”، لكنه يصر على أنه فقط من خلال إيجاد إحساس مشترك بالوحدة يمكن لليبيا أن تمضي قدما إلى الأمام.

وأضاف قائلا “إذا استطعنا توحيد أنفسنا وإنشاء جيش وطني محايد، يمكننا أن ندمر الدولة الإسلامية بسهولة في ليبيا”. وتابع بالقول أنه “دون وحدة، فإن الغارات الجوية [الغربية] لن تؤدي إلا إلى زيادة تطرف السكان.

وأضاف ساجزلي قائلا “إذا كان ابني البالغ من العمر 19 عاما في إحدى هذه الميليشيات التي اعتبرت متطرفة من قبل قوى خارجية، لا أريد له أن يقتل من قبل الضربات الجوية لحلف الناتو، بل أريد أن أجرده من التطرف.

 

ترجمة خاصة بموقع الشاهد