أهم المقالات في الشاهد

الأحد,13 ديسمبر, 2015
ميدل إيست آي: لماذا يجند “داعش” الكثير من التونسيين في صفوفه؟

إذا كانت تونس تنسحب من اللعبة بكونها الدولة الوحيدة من “الربيع العربي” التي تواصل انتقالها الديمقراطي، فهي أيضا المورد الرائد للمقاتلين لجماعة الدولة الإسلامية، هكذا افتتحت صحيفة “ميدل إيست آي” تقريرا مطولا نقلته الشاهد إلى اللغة العربية.

وقالت الصحيفة أنه في دوار هيشر وحي التضامن، اثنين من الأحياء الشعبية الواقعة في الضاحية الجنوبية للعاصمة تونس (الذي يقطن فيه المهاجم الذي قتل اثني عشر عضوا من الحرس الرئاسي في تونس يوم 24 نوفمبر)، تم إجراء تحقيق من طرف المنظمات غير الحكومية الدولية في 2015 مع 800 من الشباب الذين أبدوا “وعيا شديدا بالظلم وتدني المستوى” وانعدام الثقة تجاه المؤسسات والسلطات الأمنية في 95٪ من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع. ولفتت الصحيفة إلى أنه في أصل أزمة الثقة هذه تجاه المؤسسات، يشير التحقيق إلى استمرار الفساد، حتى بعد الثورة، وتغيب المسؤولين المحليين عن أداء واجبهم وتفشي ظاهرة التهميش والاحتقار (“الحقرة”) 

 

خيبة الأمل الثوري:

“من الواضح أنه بعد أربع سنوات من الثورة، لا يزال غالبية الشباب من المنطقتين مستبعدين من كل صفات المواطنة الاجتماعية (التأمين الصحي والضمان الاجتماعي والمرافق العامة) ومحرومين من الحصول على البنى التحتية الثقافية أو الترفيهية” كما تبين ألفة لملوم، الأخصائية الاجتماعية والمؤلفة للدراسة الاستقصائية.
ومع ذلك، فإنه إذا كان انعدام الأمن الاقتصادي والإقصاء الاجتماعي من العوامل التي تشجع على التطرف، فإنهم ليسوا الوحيدين الملومين. ففي المرسى، وهي أحد أغنى الأحياء في الضواحي الشمالية للعاصمة تونس، هناك الكثير من الشباب الذين توجهوا للقتال في سوريا: “هناك ثلاثة شباب من الحي الذين لقوا حتفهم. وكان واحد منهم منطوي جدا على نفسه وخجول للغاية وهكذا كانوا. ثم إن عمليات التجنيد كثيرة في المنطقة”، كما يؤكد مروان، وهو سباك من الحي لصحيفة “ميدل آست آي”.

في حين أضاف محمد، وهو مدرس لغة في المرسى قائلا أنه “في أسرة واحدة التي تعد ستة أفراد توجهوا إلى سوريا. ومع ذلك فإنهم جميعهم نابعون من الطبقة الوسطى. ويتساءل محمد: فما هو السبب؟ ويجيب أن الأمر يحدث بالنمو حتى في بلد يخلو من القيم الأخلاقية. ففي ظل النظام القديم، يمكن أن يتعرض أحد الآباء إلى الإهانة أمام أولاده من قبل موظف إداري بسيط. وكانت الإشارة إلى الأب مكسورة. لقد نشئوا دون إطار ودون احترام للقواعد، لأن النظام كان فاسدا”. وبذلك، فإن الوضع مأساوي حيث لا يوجد لدى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) صعوبة في استغلالها.

و يفيد التحقيق أنه من خلال الاستفادة من الحدود التي يسهل اختراقها في عام 2011، فقد فر الآلاف من الشباب التونسي؛ بعضهم إلى أوروبا، والبعض الآخر إلى سوريا أو ليبيا. كما وصف التحقيق تونس بأنها المورد الأول للمقاتلين المنضمين إلى تنظيم داعش سواء من حيث العدد، الذي يصل إلى 5500 مواطن تونسي في سوريا ولا سيما في ليبيا، وهو حجمهم مقارنة بعدد السكان، وفقا للأمم المتحدة. ووفقا لدراسة أجرتها قناة السي آن آن، فقد تم إيقاف حوالي 8800 شاب.

وذكر التحقيق أن عبد الله قد حارب في قفصة من أجل ألا يقع ابنه سليم البالغ من العمر 21 عاما في أيدي شبكة التكفيريين. سليم الذي لا يحمل شهادة وهو متدين جدا، قد اقترب من “أمير” الذي اختاره حتى يذهب للقتال في سوريا. وكان ابن عبد الله هدفا رئيسيا لهذه الشبكات. وفي المقابل، قرر والده أن يرسله إلى سوسة، ليدرس في “مدرسة مكلفة”. ولكن الجميع لا يملك الوسائل الكفيلة لتحقيق بذلك.

وأما بالنسبة للشباب الآخرين المقصيين، فإن الدولة لا تقدم لهم البدائل إلا نادرا، حسب ما ورد في الصحيفة. وعلاوة على ذلك، يهدف غياب سياسة اجتماعية إلى الحد من الفوارق الاجتماعية التي تضاعف المرشحين في البداية، ولا يفعل شيئا تماما أو تقريبا يذكر لاستعادة الثقة إلى الشباب، في بلد حيث يمثل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 35 سنة 50٪ من السكان، حيث لا توجد سياسة للشباب، ودور الشباب فارغة معظم الوقت من الشباب والبطالة آخذة في الارتفاع ولا يوجد أي إصلاح في القطاع الاقتصادي، ولكنها تعاني من الفساد والامتيازات، وهو أمر منتشر هذا اليوم. ووفقا للبنك الدولي، فإن حوالي 25٪ من الاقتصاد سوف يحتكرها بعض النخب، العاملين في قطاعات واسعة (النقل والتأمين والعقارات وغيرها) التي لا توفر، مع ذلك، سوى 1٪ فقط من فرص العمل.

 

عمليات العنف التي تمارسها الشرطة تمثل عائقا لمكافحة الإرهاب:

في المقابل، شددت الصحيفة على أن استمرار عنف الشرطة ضد الشباب القاطنين في الأحياء الجنوبية من تونس هو عامل آخر الذي يسهم في هذه الظاهرة، ويعزز الشعور بالقيد، مثل فرض الإقامة الجبرية على العديد من الشباب. وفي ظل اشتعال الفتيل بين مسلحين وقوات الأمن، إلا أن التونسيين يخشون الأولين أكثر من التالين.

ويؤكد التحقيق على أن غياب إصلاح القطاع الأمني قد أدى إلى أزمة ثقة و، في ظل هذه الظروف، فإن العديد من أسر الشباب قد انضمت إلى الميليشيات العنيفة في سوريا أو أي مكان آخر لا يجرؤ على الكلام عنه. كما تلعب الوحشية التي يمارسها رجال الأمن دورا سلبيا للغاية نظرا إلى أنها تمنع تدفق المعلومات. ناهيك عن حماية الشهود، الذين هم أبعد ما يكونون عن الفعالية.
كما يخشى البعض من أن يقع الاشتباه بالإرهابيين بالتواطؤ مع الشرطة. فهم غالبا ما يستسلمون من تلقاء أنفسهم. “هناك أناس لا يريدون التحدث، لأنهم خائفون. وحتى أولئك الذين، بعد أن تم التلاعب بهم للذهاب للقتال عادوا مرة أخرى، فإنهم يشعرون بالخوف، كما يؤكد عادل، وهو مهني بالقطاع الاجتماعي والتعليمي في قفصة. وأضاف أنه “يجب علينا أن نساعدهم على تطوير نظام العلاج النفسي”.

وحددت المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات في تقريرها الأخير المؤرخ في جويلية 2015 أوجه القصور في النظام الأمني والتي تكمن في المقام الأول في عدم إتباع إجراءات عمل الشرطة يوميا. وفي حين تم إهمال حقوق المواطنين، فإن التعاون مع السكان الذي يعتبر أمرا أساسيا لمكافحة الإرهاب، غير متوفر، حسب ما جاء في نص التحقيق.

 

المناطق الريفية والجبلية عرضة للخطر بشكل خاص:

وأفاد التحقيق أن الناس الذين يعيشون في المناطق الريفية والجبلية، حيث معاقل الميليشيات، معرضون للخطر بوجه خاص. ففي القصرين قبل بضعة أسابيع، ثم في جلمة التابعة لولاية سيدي بوزيد يوم 13 نوفمبر، تم قتل اثنين من الرعاة على أيدي جماعات مسلحة لأنهم رفضوا تقديم الأغنام للمجموعات المتحصنة في الأحراش الجبلية والذين كانوا قد برروا عملية القتل باتهامهم بالتواطؤ مع السلطات، وهو ادعاء نفته وزارة الداخلية.

وشددت الصحيفة على أن زيادة التهميش في المناطق الداخلية يجعل الوضع أكثر تعقيدا. فقد أنشأت عمليات قمع الشرطة أثناء المظاهرات التي وقع تنظيمها من قبل السكان للمطالبة بتنمية منطقتهم، توازن القوى الذي غالبا ما يتحول إلى العنف بين الشباب والسلطات بصفة خاصة، حيث أحرقت العديد من مراكز الشرطة عدة مرات منذ قيام الثورة.

واعتبرت الصحيفة ولاية القصرين، على وجه الخصوص، مسرحا لمواجهات عديدة بين الجماعات المسلحة وقوات الأمن منذ عام 2012، فتضاريسها الجبلية، فضلا عن قربها من الحدود الجزائرية (40 كم)، تجعلها أرضا خصبة للإرهاب. القصرين هي أيضا أفقر مناطق البلاد حيث تسجل البطالة بين الشباب المعدل الأعلى، ولا يتجاوز عدد الطلاب في التعليم العالي 3٪، وتصل نسب النجاح بمبالغ العبارة إلى 10٪ فقط و60٪ من السكان لا يتمتعون بأي تغطية اجتماعية.

وحتى إذا كانت المشاعر الوطنية لا تزال قوية (انظر المقابلة التلفزيونية لابن عم الراعي الشاب الذي قتل في سيدي بوزيد)، فإن استمرار التهميش يؤدي إلى رفض السياسات والشعور بأن الدولة لا تحمي سوى النخب، على حد تعبير الصحيفة.

وأشارت صحيفة “ميدل آست آي” إلى أن التصور الذي يقول بانعدام الأمن قد زاد نسبيا لمدة خمس سنوات. ويؤكد تحقيق آخر لمنظمة الإشعار الدولية ، الذي يجمع الشعور بانعدام الأمن بين 501 شخص في خمس معتمديات بالجهة (سبيطلة والقصرين الشمالية والزهور وفريانة وماجل بلعباس) أن انعدام الأمن في نظر الأفراد الذين أجروا مقابلات معهم، يأخذ أشكالا مختلفة: الإرهاب، والانحراف، ولكن أيضا الفقر.

 

كيفية محاربة النظام الصارم؟:

وفي ردودهم على الدراسة الاستقصائية التي أجرتها منظمة الإشعار الدولية، قدم مواطنو القصرين الخطوط الرئيسية من الاستفسارات فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب. فقد وافقوا على إدراج السكان في عملية إدارة الأمن، من خلال تكثيف الاجتماعات بين السكان وقوات الأمن، وتعزيز التعاون وتبادل المعلومات وبنفس القدر من الأهمية، إعادة فتح قضية شهداء الثورة (ثلث ضحايا القمع البوليسي خلال الانتفاضة ضد بن علي هم من القصرين)، وخاصة قضية مكافحة الفساد.

وأوردت الدراسة أن أسباب التطرف هي متعددة الأوجه ولكنها متجذرة بشكل أساسي في الشعور العميق بالظلم والإحباط الناجم عن عدم الوفاء بالوعود عقب الانتفاضة الشعبية عام 2011: عدم الحصول على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب، وعدم إصلاح القطاع الأمني.

وإذا كانت خاصية الانتقال السياسي عن طريق التفاوض تسمح بالتكامل والتعاون بين الليبراليين والإسلاميين في اللعبة السياسية، فإن أدنى الطبقات الاجتماعية لا تزال مهمشة وسياسيا ممثلة تمثيلا ناقصا، على حد تعبير الصحيفة التي لفتت إلى أنه عن طريق الوصول إلى السلطة في حكومة يقودها حزب نداء تونس، وحزب النهضة الإسلامي الذي لا يعرف الاستيلاء على، أو على الأقل تأطير التحدي الجذري لمرجعية دينية، وخلق مساحة فارغة بشكل سريع موضب من قبل حركة “الجهادية”.

وتختتم الصحيفة بأن عودة الثقة بين سلطات الدولة، بما في ذلك أجهزة الأمن، والسكان من شأنها أن تخفف من حدة التوترات وأن تكافح بأكثر فعالية ضد الإرهاب، وفقا لكثير من السكان. وردا على سؤال: “كيفية المكافحة الأكثر فعالية ضد انعدام الأمن”، كانت إجابة 99.4٪ من مواطني القصرين الذين أجريت معهم مقابلات غير واضحة: احترام حقوق الإنسان تظهر في المقام الأول.

 

ترجمة خاصة بموقع الشاهد

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.