أهم المقالات في الشاهد

الجمعة,19 فبراير, 2016
ميدل آست آي: الإستغلال الأمريكي للتوازن الطائفي في الشرق الأوسط لن يزيد المنطقة إلاّ توتّرا

الشاهد_يوم السبت، 14 فيفري بدأت القوات التركية بقصف مواقع للميليشيات الكردية السورية في منطقة عزاز وفي المناطق المحيطة بها وفي قاعدة ميناغ الجوية. وقد برر الأتراك القصف الذي استمر بشكل متقطع على مدى الأيام القليلة الماضية، باسم تنفيذ قواعد الاشتباك، بمعنى أنها تأتي كرد فعل على الخطر الذي تشكله الميليشيات الكردية على الأمن التركي، وفقا لما أدلى به تقرير مطول نشرته صحيفة “ميدل است أي” ونقلته الشاهد إلى اللغة العربية.

 

ومن الواضح أن الأتراك قلقون إزاء التطورات العسكرية في الشمال والشمال الغربي من حلب وإزاء الدور الذي تقوم به الميليشيات الكردية المعززة بالدعم الجوي الروسي بهدف تعزيز موقف نظام الأسد وضمان تقدم قواته في منطقة الحدود السورية التركية، على حد تعبير الصحيفة.

وهذا ما دفع رئيس الوزراء التركي إلى تحذير الميليشيات الكردية من الاقتراب من نقطة العبور الحدودية مع سوريا أو باستخدام قاعدة ميناغ الجوية في تهديد الأمن التركي، حسب ما ورد في التقرير.

وترى الصحيفة أن الأمور تبدو حتى الآن متوقعة وعادية، حيث ترى أنقرة أن الميليشيات الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري كجماعات إرهابية التي يمكن أن تكون فرعا من حزب العمال الكردستاني، الذي يحارب الحكومة التركية منذ أواخر التسعينات. وما يبدو غريبا وكان غير متوقعا هو التصريحات التي أدلى بها مسؤولون أميركيون الذين أعربوا فيها عن قلقهم إزاء مجرى الأحداث في شمال حلب وطالبوا تركيا بأنه ينبغي عليها أن تتوقف عن قصفها لمواقع قوات الكردية.

وذكرت الصحيفة أن هناك خلافا محتدما بين أنقرة وواشنطن حول الموقف تجاه حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني في سوريا. وبينما تعتبر أنقرة الحزب منظمة إرهابية، رفضت واشنطن تبني نفس الموقف. وفي الواقع، أصبحت ميليشيا حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الكردي على نحو فعال حليفا للولايات المتحدة الأمريكية في الحرب ضد تنظيم “داعش” في سوريا.

من جانب آخر، أشارت الصحيفة إلى أن مسؤولين عسكريين وسياسيين أميركيين قد زاروا المناطق التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا والولايات المتحدة توفر ميليشيات وحدات حماية الشعب مع الأسلحة. ولا يبدو أن واشنطن حريصة بأي شكل من الأشكال عن التحالف الوثيق المتزايد بين ميليشيات وحدات حماية الشعب والقوات الروسية داخل سوريا. ولا يبدو أن واشنطن تشعر بالقلق من أن الأسلحة التي يُزوَّد بها حزب الاتحاد الديمقراطي وميليشياته في نهاية المطاف يتم استخدامها ضد الثوار السوريين في ريف حلب. كما لا يبدو أنها تعير اهتماما كبيرا للتقارير التي تقول أن هذه الأسلحة تستخدم ضد قوات الجيش والأمن التركي في شرق وجنوب شرق تركيا.

ومع ذلك، هذا لا يبدو أنه كل شيء، فالخلافات التركية الأمريكية في سوريا ليست أقل من الخلافات الأميركية-السعودية. وفي الواقع، خلاف أنقرة مع واشنطن يسير على طول خط متوازي مع خلاف الرياض مع حليفتها الأميركية، على حد تعبير الصحيفة.

كما تجدر الإشارة إلى أن الرياض قد أعلنت منذ أوائل فيفري، عن استعدادها للمشاركة في عملية عسكرية برية في سوريا وعزمها على زيادة مستوى مشاركتها في غارات جوية ضد مواقع تنظيم “داعش”. فيما تحدثت تقارير متفقة عن جهود سعودية-تركية منسقة التي تهدف إلى لعب دور أكبر في الحرب على الإرهاب في سوريا، سواء على الأرض وكذلك في الجو. بيد أن، مثل هذا الدور، من وجهة نظر أنقرة والرياض، سوف يتطلب نوعا من الغطاء الدولي وأفضل تغطية ستكون قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب.

وأكد التقرير أنه سيكون على الأتراك والسعوديين الحصول على موافقة أمريكية والتعاون والدعم من أجل لعب دور عسكري أكبر في سوريا. وفي حين ترحب واشنطن علنا بالمبادرة السعودية-التركية، لم يتم الحصول على الموافقة الفعلية للولايات المتحدة. وحتى بعد أن بدأت المملكة العربية السعودية الاستعدادات لإرسال طائراتها إلى القاعدة الجوية التركية من قاعدة انجرليك، لم يكن هناك أي إشارة على أي موافقة أمريكية. ومن المفارقات أن دعوة واشنطن لتركيا التوقف عن قصف مواقع الميليشيات الكردية جاء بعد ساعات فقط من بدء عمليات القصف.

لذلك، ما الذي يحفز سياسة الولايات المتحدة في سوريا وسياستها تجاه حلفيها في تركيا والمملكة العربية السعودية؟ كيف يمكن للمرء تفسير صمت واشنطن، أو على الأقل موقفها غير المبال تجاه التدخل الإيراني والروسي واسع النطاق في سوريا وتردد واشنطن ، أو ربما القلق، تجاه أي تدخل تركي وسعودي ممكن؟

وفي إجابة على هذه الأسئلة، قال الكاتب بأننا نتعامل مع قضية الانسحاب الأميركي النسبي من الشرق الأوسط. ولكن هذا الانسحاب لم يبدأ مع الأزمة السورية بل مع وصول الرئيس أوباما في البيت الأبيض قبل سبع سنوات. وكان أوباما قد تعهد بمواصلة مثل هذه السياسة نتيجة الآثار السلبية لحالة وصورة الولايات المتحدة والأضرار التي تكبدتها نتيجة لسنوات من الحرب التي ترعاها إدارة جورج وولكر بوش من أفغانستان والعراق إلى لبنان وفلسطين. وبالإضافة إلى ذلك، هناك أيضا التكلفة الباهظة لفشل النهج الأمريكي للقضايا والأزمات في منطقة الشرق الأوسط وصعود كبير للصين في منطقة المحيط الهادي.

وعلى كل، ليست هذه المرة الأولى التي يتراجع فيها اهتمام واشنطن بجزء معين من العالم ، على الرغم من انزلاق المنطقة إلى سلسلة متواصلة من الأزمات، تأييدا للحضور إلى منطقة أخرى في أماكن أخرى من العالم. كما أنها ليست المرة الأولى التي تنتهج فيها واشنطن سياسة توجيه الأزمات والحفاظ على نوع من السقف لأدوار الجهات الفاعلة في هذه الأزمات دون أن تكون نفسها اللاعب المباشر في ما يجري.

ويرى الكاتب أن التراجع النسبي لا يعني الانسحاب الكامل. كما أنه لا يعني التخلي عن دور الحفاظ على توازن القوى دون تدخل مباشر. وربما ينبغي الإشارة هنا إلى أن واشنطن لم تصبح طرف القتال في الحرب العالمية الثانية حتى قصف اليابانيون بيرل هاربر. ومع ذلك، فإنها لم تسعى طوال السنوات الأولى من الحرب لمنع ألمانيا النازية من نصر حاسم ضد الحلفاء. وهذا يعني أن أي تراجع نسبي من منطقة معينة في العالم لا يعني انعدام رؤية إستراتيجية أميركية لما ينبغي أن تبدو تلك المنطقة.

وقد رجح الكاتب أن تكون هناك مؤشرات أولية، التي ربما تحتاج إلى بعض الوقت لتصبح أكثر وضوحا، وهي أن الولايات المتحدة ترغب في الحفاظ على التوازن الشيعي السني في منطقة الشرق الأوسط. وربما يمكن القول أن هذه الرؤية الأمريكية الإستراتيجية قد وضعت تدريجيا خلال العقدين الماضيين، وهذا ليس غريبا على إدارة أوباما ولا صلة له بمستوى العلاقات الأميركية-الإيرانية.

ولفت التقرير إلى أن واشنطن كانت قد سلمت العراق إلى القوى الشيعية المتحالفة مع إيران ليس لأن مخططي غزو العراق لم يكونوا على علم بالمستوى الذي كانت بسببه الجماعات السياسية الشيعية العراقية تحت النفوذ الإيراني. كما أنها لم تفعل ذلك لأن إدارة الاحتلال الأمريكي للعراق كانت غافلة عن تسلل الإيرانيين إلى مختلف إدارات الحكومة العراقية الجديدة. وفي الواقع، كانت واشنطن بإدارة جورج وولكر بوش ترغب في أن يصبح العراق الجديد العراق الشيعة. وكان الهدف من ذلك، تعزيز التوازن بين السنة والشيعة في حين المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى، تسعى إلى استخدام “الديمقراطية” المنشودة في العراق كأداة في عملية تغيير طبيعة النظام الإيراني.

ومع ذلك، في حين حافظت إدارة أوباما على جوهر إستراتيجية الحفاظ على التوازن الطائفي السياسي في الشرق الأوسط، أصبح الهدف الثاني أقل أهمية، وخاصة بعد الآمال في أن يمكن التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني. وبقدر ما تمارس الولايات المتحدة جهودا ملموسة من أجل الحفاظ على النظام الطائفي في العراق، فإنها لم تجد التدخل الإيراني في سوريا مثيرا للقلق، وفقا لما جاء في نص التقرير.

وفي الوقت الذي تكون فيه مساحة متنامية متاحة للقوى الإقليمية للعب هذا الدور، تعتقد واشنطن أن صعودا سنيا حاسما تحت قيادة تركية أو قيادة سعودية تركية من شأنه أن يضعف النفوذ الأميركي في المنطقة. ومع ذلك، هناك حدود لما يمكن أن تحققه إيران، مثل عدم التوسع في منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية. كما أن هناك حدودا أخرى التي بمقتضاها يمكن للقوى السنية أن تؤديها، مثل كسب المعركة في سوريا والعراق والتمكن من السيطرة على موارد الشرق.

وهذه، بالطبع، هي سياسة الطائفية. ومع ذلك، لم تكن واشنطن من بدأ الصراع الطائفي، بل وجدت مثل هذا النزاع صحيحا أمامها وهي تسعى لاستغلاله من أجل إطالة وتوسيع نطاق نفوذها في المنطقة. وبالمثل، فإنها لم تكن من خلق الصراع الإسلامي-الهندوسي في شبه القارة الهندية. إن التزام واشنطن الصمت تجاه التدخل الروسي وتعاونه مع الميليشيات الكردية هو مجرد تفاصيل ضمن إطار استراتيجي أكبر: الحفاظ على التوازن بين السنة والشيعة في المنطقة.

وإن ما يهم فعلا، رغم ذلك، هو أن مثل سياسة التوازن هذه سوف لن تخلق السلام أو الاستقرار ولكن تكفل التوتر المستمر، ذلك أن التوازن بين أكثرية وأقلية يعني في جوهره انتهاك حقوق الأغلبية وتقويض مصالحها.

 

ترجمة خاصة بموقع الشاهد