عالمي دولي

الخميس,21 يناير, 2016
من يدفع للآخر؟ العالم الأول أم العالم الثالث؟!

الشاهد_يمكن لـ «العالم الاوَّل» أن يزعم انَّهُ يقدِّم مساعدات ماليَّة كبيرة لدول «العالم الثالث» الفقيرة، لكنّ الحقائق على الجانب الآخر تتحدث عن استغلال كبير لهذه الدول، وأنّ ما هو معروفٌ بالمساعدات وخلافه ما هو إلا دائرة مغلقة تنتفع منها الدول الكبرى، يمكنك أن تقرأ مثلًا تقريرًا سابقًا بعنوان: لماذا تصبح الدول الفقيرة أكثر فقرًا؟ لتطَّلع على بعض هذه الحقائق. أمَّا في هذا التقرير ستذهب في جولة في التاريخ القريب لبعض دول العالم الأوَّل التي زعمت أنَّها تساعد الدول الفقيرة، لنرى كيف ساعدتها!

 


1- فرنسا احتلت الجزائر كي لا تسدد ديونها!

يعتبر التعويض المالي عن فترات الاحتلال دينًا في رقبة الدولة التي كانت يومًا ما مُستَعمِرًا . لكنّ قصَّة ديون الجزائر على فرنسا ليست لها علاقة بالاحتلال، بل لها علاقة بما قبل الإحتلال، أو بالأحرى لها علاقة بسبب الاحتلال، عندما كانت فرنسا مدينة للجزائر بـ 28 مليون فرنك ذهبي فرنسي، أي ما يقارب 262 مليون يورو بالقيمة الحالية. هذه الديون وعلى الرغم مما عليها من مضاعفات وفوائد بمرور أكثر من قرنين عليها إلَّا أنَّها لم تسدَّد حتى الآن! فما هي قصَّة احتلال فرنسا للجزائر بسبب الديون؟

 

 

مع الثورة الفرنسية 1989 التي بدأت عهدًا جديدًا في أوروبا، أخذ حلفاء فرنسا من داخل أوروبا يبتعدون عنها، بل يحاربونها، الأمر الذي جعل فرنسا تتَّجه بأنظارها إلى مناطق أخرى، كانت الجزائر – الولاية العثمانية حينها – قوَّةً لا يستهانُ بها، إذ ملكت غرب البحر المتوسط بأسطولها القويّ طيلة ثلاثة قرون حتَّى استعمارها من قبل فرنسا عام 1830. بدأت فرنسا في استيراد القمح من الجزائر، وعبر السنوات تراكم الدين حتَّى وصل 28 مليون فرنك ذهبي فرنسي حينها. ولكن هل ستؤدي فرنسا دينها؟!

 

 

احتفالًا بعيد الأضحى، أقام الوالي العثماني على الجزائر «حسين داي» حفلًا ودعا دبلوماسيي الدول الأخرى لهذا الحفل، وأثناء الحفل تحدث مع القنصل الفرنسي لدى الجزائر «دوفال» وسأله: لماذا لم يرد عليّ ملك فرنسا «شارل العاشر» بعد أن بعثتُ له ثلاثة رسائل أطالبه بردّ الديون التي عليه؟ كان رد القنصل سيئًا مما دفع الوالي حسين داي، إلى ضربه مروحة يدهِ على وجهه. الكثير من الروايات التاريخية تنكر حادثة الضرب وإن لم تنكر حادثة التهديد، عاد دوفال ليكتب تقريرًا لملكه بأنَّه تعرَّض للصفع بالمروحة ثلاث مرَّات! كان هذا في أبريل عام 1827.

 

 

في أكتوبر من نفس العام كانت رحى معركة بحرية ملحميَّة تدورُ في البحر المتوسط، «معركة نافارين» الأسطول العثمانيّ مدوعمًا بالأسطولين الجزائريّ والمصريّ، في مواجهة الأسطول البريطاني متحالفًا مع الأسطولين الفرنسي والروسي، كان هذا ضمن سلسلة أحداث حرب الاستقلال اليونانية، هُزم العثمانيون تمامًا ودُمِّرَ أسطولهم، ولم يتبقّ من الأسطول الجزائريّ المهيب سوى خمس سفن حربية فقط!

 

 

في يونيو 1827 كانت قطعة فرنسية قد وصلت سواحل الجزائر تطلب من حسين داي أن يعتذر ووضعت بعض الشروط الأخرى التي تعلم أن داي حسين لن يقبلها، وبالفعل لم يقبلها. بعدها بثلاثة أشهر كان أسطول الجزائر قد انتهى تمامًا في معركة نافارين. مما فتح الباب لشن الحملة البحرية الأقوى على الجزائر في يونيو 1830، قاوم حسين داي بعض الشيء ولكن المعركة كانت خاسرة فسلَّم الجزائر في اتفاقية وقعت يوم 5 يوليو 1830. وحتَّى الآن لم تستردّ الجزائر ديونها

 

الغزو الفرنسي للجزائر

2- بريطانيا تحتلّ مصر بسبب ديونها المتراكمة ثم تستدينُ منها!

قبيل احتلال فرنسا للجزائر، كان هناك سببٌ آخر لبريطانيا، القوة العظمى حينها، لاحتلال مصر، بنفس الحيلة وإن اختلفت بعض الشيء عن فرنسا، كان السبب الديون، لكن هذه المرة كانت الديون حقيقيَّةً على مصر نفسها، وليس كما في حالة فرنسا عندما احتلت الجزائر بسبب أنها طالبتها بتسديد ديونها.

 

 

كان الخديو إسماعيل في مصر يحبّ أوروبا والتقدم والتحديث المرتبطين بها، وبدأَ بالفعل في دفع عجلة التحديث والتنمية، ومحاولة جَعل مصر كـ «قطعة من أوروبا». وفي سبيلِ هذا بدأَ الخديو في الاستدانة. لم يكن فقط هذا سبب الاستدانة وإنما كان هناكَ سببٌ آخر: بذخ الخديوِ نفسهُ وترفه!

 

 

ظلّ الخديو اسماعيل يستدين من الدول الأوروبيَّة حتى وصلت ديون مصر 91 مليون جنيه مصري عام 1876. اضطر الخديو أن يقبل بما سُمِّي حينها «صندوق الدين» الذي يتكون من مراقبين أوروبيين يمثلونَ أهمّ الدول الدائنة، ويقومون بشكلٍ مباشر بالتحكم في الاقتصاد المصري كاملًا للتأكد من سداد الديون للدائنين الأوروبيين. لكنّ ما حدث كان خلاف ذلك بالطبع.

 

 

حاول الخديو أن يستردّ سلطته الاقتصادية الضائعة بأن أقال مجلس الوزراء الذي تم فرضه عليه من قبل الأوروبيين، فسعت بريطانيا وفرنسا لدى الباب العالي في الأستانة لعزله وهو ما تمّ لهم بالفعل، وتدخلت بريطانيا عسكريًا في مصر عام 1882، ليبدأ الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882.

 

الخديوي إسماعيل

تطوَّرت الأحداث بشكلٍ متسارع، فصندوق الدين استطاع أن يفيد الدائنين بشكلٍ عجيب، ولنقرأ الأرقام التالية: في عام 1876 قُدِّر حجم الدين المصري بـ 91 مليون جنيه مصري، ووصل عام 1878 إلى 98.5 مليون جنيه، ومع الاحتلال الإنجليزي لمصر عقدت إدارة الاحتلال اتفاقيات قروض فوصلت بديون مصر لرقم 116 مليون جنيه. خصصت سلطات الاحتلال ما نسبته 35% إلى 46% من إجمالي الإيرادات الحكومية لخدمة الدين، لكنّ خدمة الدين وصلت إلى رقمٍ هائل؛ ففي العام 1914 كانت مصر قد دفعت 145 مليون جنيه من أجل ديونها، قُسِّمت كالتالي: 30 مليون من الدين، و115 مليون كفوائد على الدين!

 

 

بمرور الحرب العالمية الأولى واستغلال الاحتلال لموارد مصر، استطاعت مصر أن تسدد نسبة كبيرة من ديونها، فحتى العام 1943 وصل الدين إلى 39 مليونًا فقط، ومع دخول الحرب العالمية الثانية مرحلة خطرة، وتحت ضغط تكلفة الحرب على بريطانيا استطاعت مصر أن تقلب المعادلة بعض الشيء، ففي عام 1943 استطاعت تحويل الديون الخارجية كلها إلى دينٍ داخليّ، ثم سدَّدتها وأصبحت دولة دائنة لبريطانيا العظمى، بلغت النفقة العسكرية البريطانيَّة على أرض مصر 314 مليون جنيه. وأصبحت مصر دائنة لبريطانيا بـ 340 مليون جنيه مصري. خرجت بريطانيا من مصر وهي مديونة للدولة التي احتلتها منذ أكثر من سبعين عامًا.

 


3- اليونان وألمانيا.. من يدفع؟!

احتلَّت ألمانيا النَّازيَّة اليونان أثناء الحرب العالميَّة الثانية، منذ 1941 وحتى 1944، بالطبع ليس من الضروريّ أن نُسهبَ في سرد الدمار الذي حاق باليونان جرَّاء الاحتلال النازي، فقط سنذكر أنَّه تم قتل 250 ألف يوناني. وبعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، بدأت محاولات إعادة إعمار ألمانيا، وبدلًا من تحميلها الديون في شكل عقوبات تعويضًا عمَّا سببهُ النظام النازي من دمار في الدول التي احتلَّها، تمّ إعفاء ألمانيا من الديون/العقوبات الماليَّة، بل وتمّ ضخّ مساعدات ماليَّة لها.

 

 

يمكنك الاطلاع على محاولات إعادة إعمار ألمانيا، بقراءة: كيف نهضت ألمانيا بعد الحرب؟ الحقائق التي لا تُحكى عادةً
جنود ألمان يدخلون العاصمة اليونانية أثينا

 

 

مرَّ الزمن، ودفعت ألمانيا لليونان 115 مليون مارك ألماني فقط (64 مليون دولار) عام 1960. لكنّ اليونانيين يطالبون بما هو أبعد من ذلك. بدأت الأزمة مع تصاعد أزمة اليونان الماليَّة التي ضربتها جراء الأزمة المالية العالمية عام 2008. وجاءت بالحكومة اليسارية العام الماضي والتي طالبت – ولوَّحت بأشكالٍ عديدة – إلى الديون الألمانيَّة المستحقة لليونان. يكتسب الأمر زخمه باعتبار أنّ ألمانيا هي الدولة الأكبر في الاتحاد الأوروبيّ والتي تضطلع بالحجم الأكبر من حزم المساعدات التي تمنحها لليونان، تلك الحزم التي تجرُّ معها شروطًا تقشفيَّة عالية يرفضها اليونانيون.

 

 

اكتمل الأمر عام 2013 مع وزير الخارجية اليوناني ديميتريس إفراموبولوس الذي قال للبرلمان اليوناني إنّ وزارة المالية تقوم بترتيب ملف التعويضات الألمانية لليونان عن فترة الاحتلال. قيِّمت الديون الألمانيَّة على اليونان حينها بـ 162 مليار يورو، هذا بدون احتساب الفوائد. لكنّ الأمور أخذت منحىً آخر حين وصلت الحكومة اليسارية بقيادة تسيبراس إلى رئاسة الوزراء، فقد رفعت تقديرات المبلغ ما بين 269 إلى 332 مليار دولار بإضافة الفوائد عن كلّ تلك السنين. من جانبٍ آخر تعتبر ألمانيا المشكلة لاقتصادية في اليونان مشكلتها وحدها وترفض اتخاذ أيّ موقف تعاونيّ إمَّا بدفع ديونها لليونان، وإمَّا برفع يدها الصارمة عن اليونان، وتظلّ الديون معلقة بين مطالبات اليونان ورفض ألمانيا التي احتلَّتها يومًأ ما!