مقالات مختارة

الجمعة,5 يونيو, 2015
من نحن؟

الشاهد_عندما رأى نيوتن تفاحة تقع على الأرض تساءل عن سبب سقوطها إلى أسفل ولما لم تصعد إلى الأعلى ليكتشف بعد ذلك الجاذبية و قوانينها، ولم يضيع الوقت في التفكير كيف سيوصل للآخرين اكتشافاته وبأية لغة، وهل يجب عليه اتقان لغة بلد كان يحتل بلده ليصبح عالما مشهورا وازنا ذو تأثير على مجرى تاريخ الفيزياء والرياضيات وغيرها من العلوم، كما لم يضيع الوقت في ارتياد مراكز اللغات ليدرس الرومانية أو الهيدروغليفية أو البحث عن المواقع الالكترونية لتعلم اللغات (مجازا)، فتضيع جهوده و وقته وطاقته بين محاولات إتقان لغة ليست لغته التي نشأ عليها، بدل التعمق في اكتشافاته العظيمة وتطويرها و إدماجها في الحياة اليومية.

 

 

قد لا أكون على درجة ذكاء نيوتن، غير أن التحاقي بجامعة العلوم لدراسة الفيزياء كانت رغبة نسبية مني في استكشاف الحياة من زاويتها العلمية التحليلية الدقيقة ولما لا التوصل لنظريات جديدة قد تفيد التطور العلمي بالعالم، فلا حدود لطموح حاصل جديد على شهادة البكالوريا، لكني انشغلت بعدها بمحاولة فهم لغة المناهج الفرنسية بدل التعمق في بحور الفيزياء التي سبق وسبحت فيها باللغة العربية أيام الاعدادية والثانوية و تفوقت، هنا تساءلت فعلا من نحن؟ ما هو أصلنا؟ لغتنا؟ ماهيتنا؟ هويتنا؟ من نكون؟

 

 

وسط أسرة أمازيغية كبرت و تعلمت الحديث بالأمازيغية فأدركت أني -أمازيغية- ثم اكتسبت الدارجة المغربية في البيت وفي المدرسة و العربية الفحصى لغة السلف والقرآن فقلت ربما أكون –أمازيغية عربية- فقد جعلتني دراسة العربية على مدى سنوات تطور خلايا دماغي أتبرمج عليها وأقتنع بها، لُقنت التاريخ بالعربية والفلسفة بالعربية والفيزياء والرياضيات بالعربية، حتى الفرنسية درستها بالعربية، لأكتشف أن بعد الباكالوريا هجرة وهمية إلى فرنسا مع البقاء في ربوع المغرب، وأن الفرنسية تحتكر جل الدراسات العليا والوظائف بل المجتمع بأسره مافهمت والوا!! هل أصولي –فرنسية- ؟، أين الأمازيغية وأين العربية؟ أصبح كل شيء فرنسيا فجأة من حولي المعاهد، الجامعات، الإدارات، طلبات العمل، مقابلات العمل… ماذا عن سبويه و قواعده، أحمد شوقي ومحفوظاته وكل تلك العلاقات الرياضية والفيزيائية التي اكتسبتها بالعربية؟؟ بعد الاصطدام بهذا الواقع الأليم تبدأ الاقصائيات بفشل و انسحاب عدد مهم من الطلبة بعد الرسوب في السنة الأولى، و آخرون يكررون السنة علهم يستدركون ما فاتهم، فيبدءون بمحاربة الأمية في اللغة الفرنسية ما يجعل أغلبهم ينجح بمعدلات لا تتعدى المقبول و المستحسن، في وقت أمكن فيه أن يعطوا الكثير، سياسة دولة مبهمة تحول دون نماء العقول وتقمع الإبداع وتكبح جماح التطور، و تلغي جميع المؤهلات و الامكانيات التي يمتلكها الطالب أو الباحث عن العمل لتحصرها في وجوب إتقان اللغة الفرنسية قراءة وكتابة كشرط أساسي في المترشح و المتمكن منها يصبح سيدا وذوا شأن ومركز أما المتعثر في اللغة الفرنسية غالبا ما يعتبر قليل الشأن و ناقصا حتى لو كانت بحوزته دكتوراه في التاريخ أو اللغة العربية، بالله عليكم أخبروني من نحن؟ أين نحن؟ المغرب أم أوروبا؟ حررنا البلاد منذ زمن و لم نتمكن بعد من أن نتحرر من مخلفات الاستعمار و مازالت فرنسا تحكم أهم ركائز بناء أي أمة ألا و هو تعليمنا الذي اختلت موازينه فاختلت معها موازيننا، فأصبحنا شعبا يتحدث مائة لغة دون اتقان أحدها، و يدرس مائة شعبة بحثا عن شعبة تلائمه فلا يتمكن من أحدها، و يعمل مائة مهنة حاجة أو تطفلا أو حب استطلاع فلا يخلص لأحدها، و وسط هذا الاختلال الذي نعيش فيه أصبح العالم منا و النابغة و الناجح أسطورة، حتى وجدوا طريقا مختصرا للنجاح السلبي فانكب الجميع على الابداع في خلق الفضائح والكوارث التي أصبح روادها من المشاهير.

 

 

” تظل العربية اللغة الرسمية للدولة. وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها. تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء” ~مقتطف من الفصل الخامس، الباب الأول من الدستور المغربي 2011~، وبإكمال قراءة الفصل نجد أن الدولة تعمل على تعلم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم من أجل الانفتاح على الثقافات و الحضارات الأخرى وليس من أجل العيش وكسب لقمة العيش بالمغرب، بل حتى ان الفرنسية ليست اللغة الأكثر تداولا في العالم بعد أن اكتسحت الانجليزية الساحة، و يتساءلون و يبحثون و يعملون على دراسات و إحصائيات تكشف عن أسباب تأخرنا ونحن ببساطة نبحث عن هوية، مملكة قائمة بذاتها بدستورها وسيادتها ظاهرها عربي أمازيغي و حقيقتها فرنسية بلا منازع، فقط حاولوا تطبيق الدستور على الواقع و اجعلوا من العربية و الأمازيغية لغة رسمية لنتمكن من فهم بعضنا البعض و التعايش فيما بيننا بدل الحروب الأهلية الباردة التي نعيش فيها وتزيد من تراجع مرتبتنا في جميع الاحصائيات العالمية للتقدم. فمهما درسنا وبحثنا عن سبب تخلفنا و جل مشاكلنا لا يوجد سبب ابرز من فشل استراتيجية التعليم ببلادنا.

 

 

الكاتبة المغربية لبنى رزاني



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.