الرئيسية الأولى

الثلاثاء,5 أبريل, 2016
من حقّ الأجيال “ما بعد بوقيبة” أن يتعرّفوا على هذه الشخصية المُثيرة للجدل…

الشاهد _ ألم يحكم تونس من 1956 إلى 1987؟ ألم يكن له مشروع؟ ألم يكن الفاعل الرئيس في بناء “الشخصية التونسية” ما بعد دولة الإستعمار؟
تختلف التقييمات لفترة حكمه حسب السياقات والتموقعات… وتختلف قراءة “المشروع البورقيبي” حسب القرب أو البعد من المشروع… وتختلف زاوية النظر لتقييم دوره وفعله ومُخرجات مشروعه حسب الخلفيات والمرجعيات… لكن لا أحد يُنكر وجوده وأثره (السلبي أو الإيجابي)…
.
في ألمانيا تُدرّس شخصية هتلر باعتباره فاعلا في تاريخ ألمانيا ومؤثّرا في ما آلت إليه علاقات ألمانيا مع بقية بلدان العالم وفي موقعها السياسي والعسكري والاقتصادي… في إيطاليا يدرّسون شخصية موسوليني وفي فرنسا يدرسون شخصية نابليون وشارل ديغول… دون أن يتأثّر هذا بطبيعة السلطة السياسية ولا بالأغلبية البرلمانية ولا بحجم اليسار ولا اليمين…
___
متى يُصبح لنا عقل نقدي وتفاعل مُحايد وموضوعي مع التاريخ؟ متى نقطع مع عقلية “المُقدّس والمُدنّس”؟ متى نتجاوز عقلنا الوجداني الذي يدفع بالبلاد نحو الإنقسام والإحتراب حول قضايا واهمة…
بورقيبة وصالح بن يوسف وعبد العزيز الثعالبي وأحمد بن صالح والهادي نويرة ومحمد مزالي والباهي لدغم ومنصور معلّى وسعيدة ساسي ووسيلة بورقيبة وفتحية مزالي ومحمد الصياح ومحمد الشرفي ومن قبله المسعدي وغيرهم فاعلين سياسيين دون التعرّف عليهم وعلى أدوارهم وعلى الرهانات التي أحاطت بمشاريع بعضهم (بن صالح ونويرة – المسعدي والشرفي) لن نفهم تاريخ تونس المُعاصر ولن نستطيع البناء خارج فهم سياقات فعلهم (المنظومات وبرامج الإصلاح).
___
اكتبوا التاريخ دون تفتيته ولا تزويره ولا أدلجته وقدّموه للأجيال القادمة… وعلّموا الناشئة طرائق التفاعل مع الشخصيات التاريخية (لاتقديس ولاتدنيس)… نفي وجود بورقيبة والجدل حول منشور وزير التربية لن يزيد إلاّ من تأليهه وتحويله إلى أسطورة…
فقط قولوا للتلاميذ من هو بورقيبة… من هو ابن خلدون الذي يتصدّر تمثاله وسط العاصمة… من هي عزيزة عثمانة… من هو الطيب المهيري… من هو مصباح الجربوع… من هو عبد العزيز الثعالبي… من هو الدغباجي… لماذا يوم 9 أفريل عيد وطني… لماذا 15 أكتوبر jour ferié في بنزرت… ما الفرق بين حزب الدستور والتجمّع… لماذا يوجد حزب دستوري قديم وجديد…
أغلب التلاميذ لا يملكون أجوبة لهذه الأسئلة ودور المعلّم والأستاذ تقديم الحدّ الأدنى من المعلومة. وخاصة تبسيطها وربطها بتواريخ إحياءها.
بلا تقديس ولا تدنيس مع الأستاذة عايدة بن كريم.
الهادي بريك ـ مدنين ـ تونس
1 ـ أنا مع الإتجاه العام لرأي الأستاذة عايدة بن كريم. عنوان الإتجاه هو : إعادة كتابة التاريخ التونسي المعاصر بأقلام حرة وفية للتاريخ ولكسب رجاله بحسبان التاريخ مصنعا للعبر التي تنحت بدورها جانبا مهما من فقه الإجتماع السياسي. ذلك هو مقصد القصة والتاريخ قصة.
2 ـ إعتماد الدرس التاريخي فقرة قارة ومركزية في المقرر الدراسي في مستويات تعليمية محددة أمر مطلوب على ذلك الأساس الموضوعي أي إعادة عرض التاريخ التونسي الحديث مقروءا بعين الثورة أي بعين الوفاء والإنصاف للأحداث وأصحابها الذين لهم ما كسبوا وعليهم ما إكتسبوا.
3 ـ إنما المطلوب قراءة جامعة لا مبتسرة أي شاملة للحدث التاريخي كله بكسوبه ورجاله وقراءة نقدية عفوا من شغبات التقديس والتدنيس معا تأهيلا للأجيال القابلة على إكتساب عقل نقدي متوازن.
4 ـ أما تنفيذ ما ترومه الوزارة فحسب أي قصر التاريخ على بورقيبة من جهة وربما على كسبه الطيب الإيجابي فحسب من جهة أخرى فإن ذلك لا يعدو أن يكون ردة ضد الثورة بل وقوعا فيما حذرت فيه الأستاذة عايدة أي التقديس في مقابل أصوات كثيرة تروم التدنيس.
5 ـ مبادرة الوزارة الآن وبإرتجال شديد يقتصر على الدعوة دون تجهيز المقرر الدراسي على أسس تخدم اللحظة التونسية الراهنة وتحدياتها لا أظن سوى أنه عمل يتجه نحو صب الزيت على النار في قضية المماحكات الدائرة إعلاميا وسياسيا حول بورقيبة والبورقيبية بل هو عمل أدنى إلى تصفية الحسابات السياسية والفكرية بجبة بورقيبة والتخفي تحت دثار البورقيبية.
خلاصة رأيي :
ظاهر الدعوة مشروع ولكن باطنه عديم البراءة فكريا وسياسيا والأنكى من ذلك هو الإرتجال إذ لا تساس قضايا التعليم والتربية والتأهيل بتصريحات إعلامية بل بتجهيزات فكرية أدناها إستشارة وطنية حول التاريخ التونسي المعاصر لإنتاج مادة مضمونية خصبة لمقرر دراسي تاريخي يعبئ الناشئة بالقيم التي ساهمت في بناء بلادهم ويزودهم بالعقلية النقدية المعتدلة.
ومثل هذا الإرتجال المشوب بعدم البراءة الفكرية والسياسية في لحظة ثورية مازال يشوبها الإضطراب وفي ظل إكتظاظ معرفي يؤثثه الأثير المارد فلا يقابل سوى برد فعل مثيل له في الإرتجال والقوة ومعاكس له في الإتجاه.

الهادي بريك