كتّاب

الأربعاء,19 أغسطس, 2015
من تاريخ التعذيب في تونس

الشاهد_أثارت قضايا التعذيب التي تحدثت عنها، أخيراً، هيئات حقوقية وبعض المحامين قلقاً واسعاً في الأوساط المهتمة بحقوق الإنسان في تونس، وخصوصاً أنها تعيد إلى الذاكرة شيئا مما كانت تمارسه جهات أمنية من انتهاكات زمن ما قبل الثورة التونسية، حيث شكل التعذيب والاعتداء على الحرمة الجسدية للمعارضين، والمشتبه فيهم أمنياً، ممارسة منهجية ومتواصلة. وبنظرة سريعة لتاريخ التعذيب في تونس، يمكن القول إن حالات التعذيب والاختطاف والتصفية خارج القانون بدأت قبل الإعلان الرسمي لاستقلال تونس (20 مارس 1956)، فاستباقا لإعلان الاستقلال الداخلي (جوان 1955) بدأ أنصار الجناح البورقيبي تشكيل ما ستعرف حينها لجان الرعاية، بداية من أفريل 1955، وستتشكل من مجموعات من أتباع الخط البورقيبي، في مواجهة الخط اليوسفي (نسبة للزعيم صالح بن يوسف الذي تمت تصفيته في 12 أوت 1961 في ألمانيا)، وقد أنشأ هؤلاء لأنفسهم مواقع للتعذيب والاعتقال والقتل، من دون محاكمة وقانون أو احترام للحد الأدنى من الحقوق الإنسانية. ومن أشهر مواقع التعذيب في ذلك الوقت المعتقل في المدينة العتيقة في العاصمة، والذي سيُعرف باسم “صبــاط الظلام ” لظلمته ووحشته وضيقه، وسيصبح وصمة عار في تاريخ دولة ما بعد الاستقلال، وسيؤسس لتقليد بغيض، سيستمر طوال الحكم البورقيبي، ومن بعده حكم المخلوع بن علي، حيث يتم تعذيب المعتقلين السياسيين، وتصفيتهم جسديا خارج حكم القانون.

ما تجدر ملاحظته أن نشاط لجان الرعاية استمر من أفريل 55 إلى جانفي 1956، وربما أكثر من هذا، لأن عناصر هذه المجموعات أصبحت، في ما بعد، تحظى بحماية الدولة، بوصفهم عاملين في صفوف الأمن والشرطة. تحول التعذيب إلى ممارسة شبه رسمية غير معلنة، شملت كل معارضي السلطة، بداية بالمتهمين في المحاولة الانقلابية لسنة 1963، ومرورا بمحاكمات اليسار التونسي ( المنتمين لمجموعة آفاق) في الستينيات، أو للعامل التونسي في السبعينيات. واستمرت طريقة التعامل غير الإنسانية مع المعارضين السياسيين طوال حكم الرئيس بورقيبة، حيث مست طيفا واسعا من الناشطين السياسيين، ومن حساسيات مختلفة من اليسار والقوميين والإسلاميين ومن النقابيين.

وبعد انقلاب 7 نوفمبر 1987، ووصول زين العابدين بن علي إلى السلطة، تحول التعذيب إلى جزء أساسي من عمل الجهات الأمنية، الأمر الذي أفضى إلى حصول حالات وفاة عديدة في مخافر الشرطة والسجون، سواء تحت التعذيب، أو في أثناء قضاء مدة العقوبة في المعتقلات، وهو أمر كانت تشير إليه تقارير المنظمات الحقوقية التونسية، أو الدولية، في تقاريرها السنوية طوال سنوات حكم بن علي (23 عاماً). ويمكن، في هذا المجال، ذكر أمثلة لناشطين سياسيين، قضوا نحبهم في أثناء الاعتقال، بداية من الرائد محمد المنصوري، ومرورا بنبيل البركاتي، وهو ناشط يساري، ينتمي إلى حزب العمال، ولتتوسع ظاهرة التعذيب، ويزداد عدد المتوفين في أثناء الحملة على التيار الإسلامي طوال التسعينيات. ومن أبرز ضحايا الانتهاكات الأمنية في تلك الفترة فيصل بركات ورشيد الشماخي وعبد الرؤوف العريبي وغيرهم، كما توفي في السجون عدد آخر، نتيجة الإهمال الطبي وسوء المعاملة منهم، سحنون الجوهري والهاشمي المكي… إلخ.

وفي إحصائية أولية لعدد ضحايا التعذيب والإهمال في سجون بن علي، نشرتها جمعية “حرية وإنصاف” الحقوقية، تم ذكر أسماء 25 ناشطا قتلوا تحت التعذيب، وأكثر من 28 ناشطاً سياسياً ماتوا نتيجة الإهمال، وما لحق بهم من انتهاكات جسدية، تسببت لهم في عاهات جسدية ونفسية خطيرة. تحول التعذيب إلى أداة لبث الخوف والترهيب في صفوف الناشطين السياسيين، زمن حكم بن علي، حيث كانت ممارسة التعنيف والترهيب الجسدي والنفسي على المعتقلين جزءاً من عمل الأجهزة الأمنية التي لا تخضع للمراقبة أو المحاسبة، وهو أمر ظل مستمرا طوال فترة حكم زين العابدين بن علي، وشمل فئات متنوعة من ناشطين طلابيين ونقابيين وآخرين متهمين بالإرهاب، وهو أمر نبهت إليه المنظمات الحقوقية بصورة متواصلة، ففي تقرير المجلس الوطني للحريات، الصادر في 15 مارس 2000، ورد ما يلي: “لم يعد أحد في تونس في مأمن من التعذيب والسجن التعسّفي والعقاب الجماعي والمحاكمات الجائرة، والاعتداء الجسدي، والحرمان من الشغل وخرق حرمة الحياة الخاصة والحرمان من حق التنقّل، وبجُرْح مواطنين بسبب استعمال السلاح الناري ضدّهم، وبأكثر من ثلاثين حالة وفاة تحت التعذيب، وبملاحقة الإسلاميين ومناضلي أقصى اليسار ملاحقة شرسة، وتفكيك الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وفبركة شرائط الفضائح الجنسيّة، واتباع “سياسة الأرض المحروقة” بهدف تحييد كلّ العاملين على إيجاد سلطة موازية (الاتحاد العام التونسي للشغل، الاتحاد العام لطلبة تونس، عمادة المحامين، جمعية الصحافيين التونسيين، ومنظمات أخرى غير حكومية)”. تحول التعذيب والانتهاك للحرمات إلى جزء من السياسة الرسمية المعتمدة لضرب الحريات ومنع النشاط السياسي وكل أشكال المعارضة. وهذا القمع المتصاعد أفضى، في النهاية، إلى إيجاد الأرضية المناسبة لانفجار الثورة التونسية يوم 17 ديسمبر 2010 التي تُوجت فعالياتها بفرار بن علي، وتشكل سلطة سياسية جديدة منتخبة، أقرت دستورا جديداً، وركزت على حماية حقوق الإنسان، حيث تم تخصيص فصل كامل للحقوق والحريات في الدستور التونسي الذي أقره المجلس التأسيسي، بتاريخ 26 جانفي 2014، وجاء في الفصل 23 ما نصه: “تحمي الدولة كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي، ولا تسقط جريمة التعذيب بالتقادم”.

وعلى الرغم من خطوات تقدمية، تم إقرارها بعد الثورة في اتجاه حفظ كرامة الإنسان، ومنع كل أشكال التعذيب والانتهاك، ومنها الإعلان عن إنشاء هيئة الحقيقة والكرامة (هيئة دستورية) من أجل الكشف عن ملابسات حالات التعذيب التي جرت طوال تاريخ تونس المستقلة، فإن الحوادث الأخيرة التي أشارت إليها المنظمات الحقوقية، والمتعلقة بوفاة مواطنين في ظروف مشبوهة في أثناء اعتقالهم، أو ما يتردد عن حصول حالات تعذيب وتجاوزات حادة ضد بعض المشتبه بهم، سواء في قضايا أمنية، أو حتى من متهمي الحق العام، يثير القلق حول عودة الممارسات القمعية وإمكانية تغول الدولة البوليسية من جديد. وقد ساهمت عوامل عديدة في عودة مثل هذه الممارسات، وخصوصاً في ظل مكافحة ظاهرة الإرهاب، واستخدامها فزاعة من أجل استعادة أنماط من الممارسات المخالفة للقانون والدستور. وفي حالات كثيرة، يثبت القضاء مثل هذه التجاوزات في حق المتهمين، وبعضهم أبرياء تم اعتقالهم بالشبهة من دون قرينة إثبات واحدة لتهمة الإرهاب التي اعتقل هؤلاء على أساسها، وهو ما جرى، أخيراً، عندما أفرج القضاء التونسي عن مجموعة من المعتقلين، بتهمة تنفيذ عملية باردو الإرهابية.
محاربة الإرهاب لا تبرر بأي شكل العودة إلى ممارسة التعذيب، وإن بعض منتسبي الأجهزة الأمنية لم يستوعب بعد عمق التحول الجوهري الجاري في تونس بعد الثورة، وبعضهم ما زال يحن إلى زمن الحكم الاستبدادي، ويستلهم طرقه في الاعتقال والاستجواب، وهو ما تتصدى له المنظمات الحقوقية التونسية، وتنبه إلى خطورته على مسار الانتقال الديمقراطي في تونس. وعلى الرغم من أنه لا يمكن إنكار أهمية العمل الأمني في مواجهة النزعات العنيفة والمحاولات الإرهابية الساعية إلى خلخلة الأمن الداخلي لتونس، فإنه من الضروري أن تتم كل النشاطات الأمنية في ظل القانون، وباحترام كامل للدستور التونسي، وهذا معنى التحول الديمقراطي الحقيقي الذي يتجاوز مجرد الحديث عن التعددية السياسية والعمليات الانتخابية، ليمتد نحو حفظ كرامة المواطن واحترام منظومة الحقوق والحريات.

 

 

سمير حمدي-العربي الجديد