أهم الأخبار العالمية : عربي و دولي

السبت,2 يوليو, 2016
من الاتحاد الأوروبي إلى الاتحاد الإسلامي

الشاهد _ أذكر عندما كنت أناقش أصدقائي في تسعينيات القرن الماضي، عن سبب رفض الاتحاد الأوروبي عضوية تركيا، كان اليساريون الأتراك يقولون “إن ضعف الاقتصاد التركي هو السبب الرئيسي للرفض الأوروبي، حيث أن ضم تركيا للاتحاد سيفتح الأبواب أمام الشاب التركي للهجرة إلى أوروبا وبالتالي ستمتلئ الدول الأوروبية (وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا) بالأتراك القادمين للعمل فيها، مما سيجعل تلك الدول تواجه عدة أزمات أبرزها ارتفاع نسبة البطالة”.

 

أما الإسلاميون الأتراك فكانت إجابتهم أقصر وأوفى وأكثر صوابا، “الاتحاد الأوروبي اتحاد مسيحي، ولن يقبلوا بدولة مسلمة بينهم مهما حدث”. ومع أن الأتراك (يساريون أو إسلاميون) كانوا على يقين أن الإتحاد الأوروبي لن يقبل بتركيا كجزء منه، لماذا كانت الحكومات التركية تسعى للانضمام إلى ذلك الاتحاد؟

استغلال وفرض للشروط

بعد هدم الخلافة العثمانية وتأسيس الجمهورية التركية، عمل القائمون على الدولة على نزع الهوية الإسلامية من الشعب التركي وعلمنته وتغيير قبلته من الكعبة المشرفة نحو أوروبا. حيث قاموا بأخذ القانون المدني من سويسرا وقانون التجارة من ألمانيا وقانون العقوبات من إيطاليا، إلى جانب التقليد الأعمى في المظهر والملبس. بمعنى آخر عملوا على جعل الشعب التركي المسلم يتبع الأوروبي في كل شيء. وكذلك كان الهدف الرئيسي (في بداية الأمر) من الانضمام للاتحاد الأوروبي.

 

وكدليل على ما سبق، بعد توقيع اتفاقية الشراكة مع المؤسسة الاقتصادية الأوروبية (المسمى السابق للاتحاد الأوروبي) عام 1963، أجرى عصمت إينونو لقاءً تلفزيونيا مع شاب يساري، حيث قال الشاب متسائلا وهو يرفع كوب ماء: “يا باشا لقد قررتم الدخول في السوق الأوروبية المشتركة. ستقوم الشركات الأوروبية ببيع هذا الكأس بسعر أرخص من الشركات المحلية وذلك لأنها تمتلك تكنولوجيا متقدمة لا تملكها شركاتنا، الأمر الذي سيؤدي بطبيعة الحال إلى إفلاس الشركات المحلية. ألن يكون هذا القرار ضد المصالح الوطنية؟” فأجابه إينونو؛ “نعم أعلم أن هذا القرار سيؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد المحلي. منذ تأسيس الجمهورية نحن نسعى إلى جعل الشعب التركي يشبه الشعب الأوروبي ولكننا لم ننجح، وهذه هي الفرصة الأخيرة لنحقق ذلك الهدف.”

كانت الدول الأوروبية تستغل السعى التركي للانضمام إلى الاتحاد لفرض شروطها والتدخل في المسائل الداخلية، كما فعلت عندما تم القبض على زعيم حزب العمال الكردستاني أوجلان عام 1999. فلقد هددت الدول الأوروبية، الحكومة التركية يومها بأنه سيتم منع تركيا من الانضمام إلى الاتحاد إذا تم إعدام أوجلان الذي ما زال مسجونا في سجن إيمرالي، رغم صدور حكم الإعدام الذي لم يصدّق من قبل البرلمان التركي في تلك الفترة.

هنا قد يتسائل البعض، إذا كان الهدف في بداية الأمر هو جعل الشعب التركي يشبه الشعب الأوروبي، فلماذا كان أردوغان وحزب العدالة والتنمية – ذو الخلفية الإسلامية – يسعى للانضمام إلى ذلك الاتحاد طوال الثلاثة عشر سنة الماضية؟

أردوغان والاتحاد الأوروبي

في الواقع كانت أغلبية الشعب التركي، لا سيما الشباب، يحلمون بدخول بلادهم الاتحاد الأوروبي ليتسنى لهم الذهاب إلى أوروبا والحصول على فرص عمل أفضل. هذا الأمر جعل حزب العدالة والتنمية لا ينهي مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد منذ توليه زمام الأمور في البلاد حتى لا يخسر أي تأييد شعبي.

 

ومن جهة أخرى كان أردوغان والحزب الحاكم، يستخدمون القوانين الأوروبية لسن قوانين مثل منع بيع المُسكرات بعد ساعة معينة أو شربها في الأماكن العامة. وعندما هاجمته المعارضة بتهمة أنه يحاول إقامة الشريعة مرة أخرى في تركيا، أجابهم أردغان قائلا: “إنما هذه قوانين يتم تطبيقها في الاتحاد الأوروبي، وتركيا ملزمة بتطبيقها أيضا حتى تتمكن من الانضمام إلى الاتحاد”.

 

وعلى الرغم من أن غالبية الشعب التركي – يساريون ومتدينون – يدركون أن الاتحاد الأوروبي لن يقبل بضم تركيا، إلا أنه لم يسبق لحزب حاكم في تركيا أن أفصح عن ذلك صراحة كما فعل الرئيس أردوغان الأسبوع الماضي عندما أكد صراحة “أن الاتحاد الأروبي لا يريد ضم تركيا لأن أغلبية شعبه مسلمون (بمعنى آخر لأنها دولة مسلمة)” وأن بلاده قد تذهب للاستفتاء شعبي بشأن مواصلة محادثات العضوية مع الاتحاد الأوروبي.

هناك خطة بديلة؟

إفصاح أردوغان وبشكل واضح عن عدم إمكانية دخول تركيا في الاتحاد الأوروبي وذكره لاحتمالية الذهاب إلى استفتاء شعبي يدل – حسب رأيي الشخصي – أن الحكومة التركية قرّرت اتباع خطة بديلة بهذا الشأن وهو الاتحاد الإسلامي. قد يتعجب البعض وقد يعتقد البعض الآخر أن فكرة تطبيق الاتحاد الإسلامي أمر لا يمكن تحقيقه.

الحقيقة لقد تم مسبقا تطبيق مشروع الاتحاد الإسلامي في عهد رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان من خلال “مجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية” تم السعي من خلالها للعمل على تشكيل اتحاد إسلامي يشبه الاتحاد الأوروبي. ولكن المشروع تم تهميشه تماما بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بأربكان عام 1997.

التحديات والمؤمرات التي تواجهها الدول الإسلامية، ابتداء من مخطط سايكس بيكو الجديد (تقسيم جديد للدول الإسلامية)، تحتم عليها التوجه قدما نحو تشكيل اتحاد اسلامي حتى تتمكن من مواجهة تلك المؤامرات. ويمكن تشكيل الاتحاد الإسلامي – حسب رأيي – بداية عبر اتفاق الدول الإسلامية القوية اقتصاديا في القارات الثلاث مثل تركيا والسعودية وقطر والكويت والمغرب ونيجيريا وباكستان وأذربيجان وأندونيسيا وماليزيا. ثم ضم الدول الإسلامية الأخرى شيئا فشيئا. تحقيق هذا الحلم ليس مستحيلا، لأن دين وتاريخ وثقافة تلك الدول واحدة كما أنها تواجه نفس المؤامرة.

وأخيرا أود القول للذين سيقولون إن تحقيق هذا الاتحاد مجرد “حلم”، إن كل شيء يبدأ بحلم ولكن يجب علينا السعي وراءه بجد لتحقيقه.

تركيا بوست