كتّاب - وطني و عربي و سياسي

الخميس,2 يوليو, 2015
من أين يأتون؟

الشاهد_من أين يأتون؟ من هم؟ كيف نبتوا فينا فجأة؟ لماذا لم نلاحظهم وهم ينمون حولنا؟ بأي طريقة وبأية لغة ينجحون في جذب الشباب إليهم؟ من هم من هم؟ تلك هي أسئلتنا الدائمة إزاء داعش. ولو نظرنا إلى أنفسنا في المرايا قليلاً، مدققين في التفاصيل والظلال، لعرفنا من هم، ولفجعنا بالأجوبة. هم نحن، تماما نحن، نحن الذين نصرخ على بناتنا وهن يلعبن مع الأطفال:(اقعدي مليح وله، ولك اتحطيش إيدك تحت وله؟، ولك ليش بتلعبي مع لولاد؟ وله ليش بتضحكي بصوت عالي،) بينما الأولاد الذكور يمرحون عرايا، أحياناً. من ظلمة تلك الصرخات، جاءت داعش، هم نحن تماماً ونحن نهمس في آذان الأصدقاء: (انتبهوا صاحبي هذا اللي رايحين عليه مسيحي، مش حدا يغلط). وبعضنا وهو يفتي ويقرر أمام أطفاله وطلابه:( نام عند مسيحي، واتعشى عند يهودي)، وكثير منا وهم يخلطون بين اليهودي والصهيوني بطريقة تدمر عقلانية كفاحنا وشرعيته، وتشوه رؤيتنا السياسية، وتكسر بوصلتنا، وتجعل من صراعنا القومي مع الصهيونية صراعاً دينياً، الأمر الذي تنتظره الصهيونية بشغفٍ لا يوصف.

 

كذبت على طلابي مرة، وقلت لهم، في حمّى غضبي منهم، لأنهم استغربوا، بشيء من الاستهجان، وجود طالب فلسطيني مسيحي، حضر إلى مدرستنا بشكل مؤقت: جدتي مسيحية واسمها جينيت، وزوجة أخي كلدانية من العراق، وصديقة أعز صديق عندي كردية، وجدة جدي يهودية، وهأنذا أمامكم فلسطيني فلاح منتم لجذوره ومفتخر بهويته، ومنهار أمام (المسخن) الفلسطيني، ولكن مفتوح على العالم، غناء ورسما وأدبا وعشقا وبحرا وأكلا ورقصا. أحب الموسيقى الإيطالية، وأعشق الكبة الكردية، وأهيم بالرواية اليابانية، وأجن بعيون الإيرانيات، وأتابع بلهفة السينما البرازيلية.

 

سكت طلابي، سكنت المقاعد والمدرسة كلها، ووجم كل شيء، الممحاة والسبورة والنوافذ والستارة التي كان الريح يلعب بشعرها، بل سكتت الريح نفسها، تحمّس لكلامي طلاب قليلون، واحتار كثيرون، ورفضني قليلون أيضاً. في اليوم التالي، كان ولي أمر طالب يسلّم وزارة التربية ما يشبه الشكوى على أستاذ مجنون، يعلّم طلابه حب اليهود والنصارى، وفن التغزل في عيون الإيرانيات.
من أين يأتون؟

 

من هناك، من عتمات تلك اللحظة بالضبط التي منعنا فيها الاختلاط في المدارس، فصارت الأنوثة والذكورة قطبين مرعبين كليهما للآخر. صارت البنات في أذهان الشباب دنسات وعاهرات ومقززات، وصار الرجال في أعين البنات وحوشاً ومعتدين ومخيفين، وشهوانيين. من تلك الأحاسيس المريضة بمركزية الثقافة وشر العالم، وشيطنة الغرب كله، أدبا ورقصا وغناء ولوحات. من تلك الآراء المشوهة عن الحضارة الغربية (على الرغم من أنها مليئة حقا بأمراض وعفن وتوحش) والخلط المضحك بين أدبها وفنها وبين سياسة حكوماتها المنحازة، قديماً وحديثاً، للعدو، والمتطابقة مع الطمع الصهيوني بأرضنا وتاريخنا، فمثلا لا يفرق الذهن الداعشي بين وليم فوكنر وأوباما، ولا يجد أدنى مساحة من الاختلاف بين شكسبير وكاميرون، كلهم شياطين، أدباء وسياسييين ونساء ورجالاً وأطفالاً وفنانين، فقط لأنهم لا يشبهوننا، وهم لا يعرفون أو لا يحبون المفتول مثلنا، وسحناتهم ليست سحناتنا، وأسماؤهم ليست محمد وعبد المعطي وخليل وفتحي وخديجة وآمنة و.. و.. و… إلخ.

 

من أين يأتي الداعشيون؟من مدارسنا وبيوتنا، ليس من المريخ مثلاً، وليس من القطب الشمالي، من حرارتنا وجيناتنا وملامحنا. هيا نحدق في المرايا، ليس لتمشيط الشعر هذه المرة، أو للتذمر من النمش وحب الشباب، أو لنتأكد من وسامتنا. هيا نحدق عميقا لننبش طبقات الخد وما تحت البؤبؤ، وما داخل الغمازة، سنجد مرتعبين أن الداعشيين ينبتون ويبدأون من هناك.

زياد خداش

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.