مقالات مختارة

الجمعة,22 أبريل, 2016
من أخبار إيالة تونس .. يوم قرر أبو جهل أن يحفظ أبناءه القرآن خشية أن يفاحشهم كلب الروم

حدث الراوي قال: وقف أبو جهل خطيبا في القوم من مشركي مكة وسادتها وصناديدها في الحرب، تحت أعتاب صنم اللات المبجل وقال.. الحمد للات والعزى.. الحمد للات والعزى.. وأكثر الحمد والثناء عليهما، والتذلل بين يديهما، حتى قلنا ليته سكت..

 

 

وبعد حمد كثير وتذلل زائد، قال.. إنما أحمد لكم اللات والعزى، وأتذلل بين يديهما، لقوتهما وكيدهما وردهما الصاع صاعين لمحمد وأتباع دينه ولو بعد قرون، فقد أظهرا بقوتهما من نسل أتباع محمد قوم يهجون القرآن بما لم نعرف أنه يُهجى به.

 

 

قال قائلهم: أوضح يا أبا جهل وأبن، فإننا لقولكم مسرورن، وإن لم ندرك بعد ما تعنون.

 

 

قال أبو جهل: لقد غلبنا محمد ودينه، حتى فشا أمره في أصقاع الدنيا كلها، وكنا عن صده لعاجزين. وما ظننا أن يأتي من نسل أتباعه، قاتلهم الله ما أحبهم إلى قلبي، من يهجو قرآنه بعد قرون.

 

 

زاد تشوق السامعين للحكاية، وفيهم من سادات المشركين عتبة والوليد وكثير من السادة والقادة، فألحوا على أبي جهل أن يفصح في قوله، وأن يبين لهم ما يعني.

 

 

قال أبو جهل، بعد أن شرب ثمالة كأسه من خمر طائفية معتقة: كنا نهجو محمد ونسبّه ونعيب قرآنه، لأنه جعل الآلهة إلاها واحدا، وحرم علينا أفخاذ النساء من غير حليلاتنا، ومنعنا من التظالم، وسوى بيننا وبين عبيدنا، ولكن لم يخطر ببالنا، أن دعوته لقتالنا ستكون سبة له، على مدى الأزمان، فقد كنا أهل جاهلية، نعشق السيف، ونجل صناديد الحرب وأبطالها، ولم نر في دعوة قرآن محمد لمقاتلة المشركين حيث ثقفوهم ما يشينه.

 

 

تنحنح أبو جهل وشد عمامته مليّا إلى رأسه، وزاد رشفة أخرى من ثمالة كأسه، حتى لعبت الخمرة برأسه، وقال: ومن عجب أن الأنباء قد سارت إلينا بها الركبان، بأن ذلك العصر، الذي هُجي فيه قرآن محمد لدعوته للقتال، قد أسرف أهله في صناعة السلاح. فقد وردنا، عبر الحمام الزاجل، والبريد السريع العاجل، أنهم لم يكتفوا بالسيف والنشابة والرمح والمنجنيق، بل صنعوا أشياء عجيبة تدعى المدافع والقنابل. وقال القائل إن تلك القنابل توضع في بيوت تطير في السماء، فتلقي بها على الناس، وهم لا حول لهم ولا قوة في صدها، فتبيد خضراءهم، وتعود من حيث أتت فرحة مسرورة.

 

 

استغرب القوم وصاحوا: فلتحفظنا الآلهة.. فلتحفظنا الآلهة.. أبيوت تطير وترمي حممها من فوق على رؤوس الناس، وهم عنها غافلون، وعن صدها عاجزون؟

 

 

قال أبو جهل وكان أعلمهم بأحوال الزمان: نعم بيوت تطير في السماء.. تطير بها الجان، وترمي الناس بحممها، فتقتل في غمضة عين عشرات الصناديد بل المئات منهم.

 

قالوا: وكيف تطير تلك البيوت الملعونة يا أبا جهل؟

 

 

قال أبو جهل: ربما يطير بها الجان.

 

 

وسكت قليلا وقال: لا تهولنكم وأنتم العرب معدن الفخر والبطولة البيوت الطائرة، فلم أحدثكم بعد عن اختراعات ذلك الزمان المشؤوم، فقد اخترعوا أشياء سموها صواريخ، تطير آلاف الأميال والفراسخ، وأشياء تسري في الهواء، يسمونها الغازات السامة.. وأخطر اختراعاتهم من آلة الحرب، في ذلك الزمان، ما سموه القنابل النووية والهيدروجينية، التي تدمر الأرض بأسرها، تحملها الغواصات، التي تغوص في البحر كالمردة والشياطين، أو تحملها الصواريخ والطائرات، تلقيها على بلد فتمحيه.

 

 

نهض عتبة بن ربيعة وقال اعصبوها برأسي، وقولوا جبن عتبة.. بل اعصبوها برأسي وقولوا صبأ عتبة، فإني من اليوم على دين محمد.

 

 

والتفت إلى القوم غاضبا من أبي جهل، وسبه سبا مقذعا، حتى قلنا ليته سكت، وتساءل غاضبا، والشرر يطير من عينيه: ماذا تقول يا نحسة الشيب يا أبا الحكم، وصدق من سماك أبا جهل.. أعندهم في زمنهم هذا كل هذه الأسلحة الفتاكة المدمرة.. بيوت تطير، وصواريخ عابرة للبلدان، تسري في السماء لا يراها إنس ولا جان، تمضي لآلاف الأميال حتى تصيب هدفها والناس عنها غافلون، وعندهم غازات سامة تخنق الناس في بيوتهم وهم آمنون، وعندهم ما قلت إنه قنابل نووية وهيدروجينية وغيرها، تدمر بلادا بأسرها، وينفقون على صناعة السلاح مال القوارين، ويعيبون بعد كل هذا دعوة دين محمد للقتال؟

 

 

سكت قليلا ومص ريقه وقال: أنا على دين محمد.. أنا من اليوم على دين محمد.. فلا تقبل شهامة العربي أن يملك عدو محمد ودينه كل آلات القتل والدمار تلك، ولا يدعو محمد أتباعه للقتال.. إنه عربي قرشي هاشمي في نفسه نخوة، وأنا منذ اليوم على دينه.

 

 

غضب أبو جهل غضبا شديدا. وقال يا عتبة يا بن ربيعة، كنا نظنك فينا عاقلا حكيما حليما.. أتتبع دين محمد، وأنت ترى نسل أتباعه يهجونه؟

 

 

رد عتبة غاضبا صارخا: وما يهمني من أراذل نسل الأتباع، فإن كانوا لا يغارون على حرماتهم، ولا يهتمون لحرمة بلادهم، ولا يسترون أفخاذ نسائهم، ويتفاخرون بشذوذ غلمانهم، أكنت تراهم لو كانوا بيننا يرفعون سيفا لمقارعة السيف، أم تراهم يرفعون فخذا عاريا لإغراء فرسان العرب وأبطالهم؟

 

 

قال أبو جهل: وما همنا من أمرهم غير سبهم لقرآن محمد؟.. أترضى يا عتبة أن تتبع دين محمد، فيكون عبد أسود من عبيدك المناكيد ندا لك، وأنت من سادة قريش ومن أشرف أشراف الناس؟.

 

 

هنا هدأ الغضب عن عتبة بن ربيعة، واستغفر الآلهة، وقال لأبي جهل: والله لولا هذه في دين محمد لأتبعته.. أيسويني محمد بعبدي الحبشي الأسود؟.. ما أبغض دينه إلى نفسي. ولكني لا أنقم عليه دعوته للقتال، ولو لم يدع المظلومين للقتال لكنت عليه أشد نقمة. فإن طبعي العربي وشهامتي وفطرتي البشرية وغيرتي على حرماتي تقربني من دين محمد.. ولولا المساواة بين السادة والعبيد لكنت لمحمد ناصرا ومعينا.. ولو عشت زمن الأتباع لخرجت شاهرا سيفي في وجه القنابل والبيوت الطائرة. فأن أموت عزيزا خير عندي من أن أموت ذليلا.

 

 

قال أبو جهل: ما همنا الآن منك، يا ابن ربيعة، ومن موتك، إلا أن تثبت على دين آبائك وأجدادك، وأن لا تصبأ عنه، فيفرح محمد وأتباعه.. إنما أردت أن أخبرك، ومعك سادة قريش، بما جاء به البريد العاجل، عبر الحمام الزاجل، من أخبار من إيالة تونس، ما يسر القلب، فإذا بك تغضب يا عتبة، والخبر يثلج الصدر، فمحمد، الذي غلبنا في بدر وغزا مكة يوم الفتح، قد ثأرنا منه في نسل أتباعه، ممن بايعوا ديننا، وثبتوا عليه، وعضوا عليه بالنواجذ.

 

 

وبينما القوم في خوضهم يترددون، يتصايحون ويتعاركون، إذ أقبلت جارية مليحة ساحرة رشيقة، لها عينان كعيني ظبي، يأسران من يراهما، ولها ردفان تتلاطمان كتلاطم الجبال، عركركة ما جاد الزمان بمثلها، والعرب تحب المرأة السمينة، لا تقبل دون الرضراضة، وتفضل عليها العركركة، فأمسكت بيد أبي جهل وسحبته من دار الندوة، فانجر وراءها كحبل سحبه ساحب، حتى دخلت به دارها، وأغلقت من خلفها بابها، واشتعلت من جراء ذلك ناره ونارها.
وقالت له بتغنج يسحر القلوب: مالنا ولمحمد والقتال والبيوت الطائرة؟ مالنا وللقنابل والغازات السامة؟ فنحن بنات طارق، نفرش النمارق، فإن يقبل الغازي نعانق، عناق غير وامق، وإن يدبروا نفارق، ولا نهتم إلا بحروب الأسرّة وغزوها وفتوحاتها، فإنها أشهى للنفس وألذ، لا دم يسيل فيها إلا القطرات الأولى، وبعدها غزو وفتح تُسرّ له النفس.

 

 

قال لها أبو جهل وقد تلبسه شيطانه، واهتزت من كيانه أركانه: هيا أرنا من حروبك ما وعدتنا.

 

 

فشمرت عن ساقيها، وكشفت عن نهديها، وبان لحمها أبيض يسر عين من رآه. وهمّ بها وهمت به، لولا أن قالت له: ما يضرك يا أبا جهل إن جاءنا غاز بطائراته وصواريخه وغواصاته وقنابله، أفلا نرحب به ونستقبله فنعانق ونفرش النمارق، فإن سبانا سبي الإماء استعملنا معه الحيلة بعد الحيلة، وأسرناه وحاربناه في الأسرّة حروب الفرسان.

 

 

فقال لها أبو جهل: وما يفعل بنا هذا الغازي نحن الرجال؟ أنصير له غلمانا ننافسكن له حروب السرير. وكاد القضيب يوشك أن يفض الخاتم، فنهض أبو جهل يجمع سراويله، ويقول: أنا على دين محمد.. أنا على دين محمد، فأن أصبأ عن دين آبائي وأجدادي خير لي من أن أصير غلاما يفعل بي كلب الروم ما يفعله بالنساء.

 

نورالدين العويديدي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.