حواء

الأربعاء,1 يونيو, 2016
منى الدزدار.. ابنة القدس وزيرة دولة في النمسا

الشاهد_ تشجّع منى الدزدار الشباب الفلسطينيين أو المتحدّرين من أصول فلسطينية في أوروبا، على الانخراط في العمل السياسي والتنظيمي في بلدانهم، وبناء خبرات في هذا المجال تساعد على التواصل مع أكبر شريحة من أبناء المجتمع وصنّاع القرار فيها، من أجل وضع فلسطين وقضاياها على جدول الاهتمام. ويبدأ ذلك من خلال فهم البلاد التي يعيش فيها الفلسطينيون اليوم، وفهم تاريخها وعقلية شعوبها وآليات تفكيرها وطرق اتخاذ القرارات فيها.

منى الدزدار هي أوّل وزيرة من أصل فلسطيني في النمسا، اختيرت من ضمن الفريق الحكومي النمساوي في ماي المنصرم. الشابة المحامية هي من مواليد فيينا في عام 1978، وتحمل هويّتَين لا تخفيهما ولا يبدو أنهما تشكلان عائقاً في وجه إمكاناتها وطموحها. بذلك، تكون الدزدار قد انضمت من خلال نجاحها، إلى مجموعة من النساء والرجال العرب الذين أثبتوا تفوقاً في المجتمعات الأوروبية. من بين هؤلاء وزيرات في فرنسا وبلجيكا وبرلمانيات في إسبانيا وغيرها من الدول.

الدزدار ابنة عائلة مقدسية، تشكّل وعيها باكراً خلال دراستها في مدارس فيينا. كانت تصعد السلم التعليمي بثقة وعقل منفتح، وقد برز حضورها بين أقرانها، عندما فازت وهي في السادسة عشرة من عمرها بمهمّة تمثيل زملائها في مجلس تلاميذ مدرستها. حينها، طلبت منها إحدى زميلات الدراسة أن تشاركها النشاط ضمن صفوف شبيبة الحزب الاجتماعي الديمقراطي في يسار الوسط الأوروبي. منذ ذلك الوقت، انخرطت في صفوف الحزب، وهي ترى أنّ نشاطها المبكر أفاد تجربتها وصقلها. يُذكر أنّ موقف قيادة الحزب التاريخي الممثلة برئيسه السابق برونو كرايسكي من القضية الفلسطينية، كان حافزاً لاختيارها هذا الحزب والنضال في صفوفه من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في النمسا، إلى جانب قضايا المهاجرين والاندماج.

في المنزل الحامل قضايا الهوية والوطن والانتماء الثقافي، كانت النقاشات تدور بين الدزدار وبين عائلتها وتفتّح وعيها وذهنها على طبيعة القضية الفلسطينية وأبعادها. وراحت تنشط في إطار الجالية الفلسطينية، قبل أن تؤسس جمعية الصداقة الفلسطينية النمساوية، لتجاوز البنى التقليدية التي عرفتها صفوف الجالية الفلسطينية.

حاولت تصحيح مكامن الخلل والضعف، معبّرة عن رؤيتها من خلال ندوات وتصريحات إعلامية، فعملت بالتعاون مع أقران لها من شباب الجالية وفعالياتها لتجاوز كلّ العوائق في وجه التواصل بين الفلسطينيين والنمساويين. بالنسبة إلى السياسية الشابة، الخطابات الحماسية التي تُلقى باللغة العربية في مناسبات فلسطينية واحدة من تلك العوائق، فهذا الشكل قد يكون صالحاً لجمهور فلسطيني أو عربي لكن ليس لجمهور “لا يفهم لغتك ولا مفرداتها أو سردياتها كما هي الحال مع النمساويين أو غيرهم من الشعوب الأوروبية”. وترى الدزدار أنّ عوامل القصور تلك أو غيرها، كجهل لغة الخطاب وآلية صنع السياسة وغياب قوة تأثير لصالح فلسطين، كلها ناتجة عن خلل في تنظيم العمل. وقد جاءت جمعية الصداقة التي ترأسها كمبادرة لتصحيح الخلل.

لم يمنعها بيتها المقدسي، شبه المحافظ، من أن تفتح طرقاتها وتشقّها بجهد شابة تؤمن بأنّ الدراسة والعلم مفتاح في مجتمعات الهجرة التي اختارها والديها. هي التي ولدت في غربة، كان من الممكن أن تبقى غريبة ومنعزلة عن محيطاها وطموحاتها الذاتية، لو لم تفعل ذلك. هي لطالما كانت بالنسبة إلى محيطها شابة مؤمنة بالعدالة مذ كانت مراهقة في السادسة عشرة، فوجدت في الفكر الاجتماعي الديمقراطي طريقاً. واستفادت في الوقت ذاته مما هو متاح لها من فرص تعلّم متساوية مع أقرانها النمساويين، من دون أن تقول “بماذا تفيد الدراسة؟” مثلما يفعل البعض، بحجّة التمييز أو لأنّ تجارب جيل الهجرة الأوّل (من العمّال) لم تحقّق كثيراً من الحقوق والمساواة. الدزدار استندت على المواطَنة كحقّ لها، تحت سقف الدستور والقوانين لتتدرّج في السلم الحزبي والوظيفي وأصبحت ما هي عليه اليوم.

يؤكّد الباحث والاستشاري الإعلامي حسام شاكر، المقيم في فيينا منذ 25 عاماً، على أنّ “صعود المحامية منى دزدار إلى هذا المنصب يشكّل رمزية كبيرة، فقد قُدّمت في وسائل الإعلام كأوّل وزيرة مسلمة. ويُذكر أنها تقلّدت منصبها في حين كانت البلاد على وشك السقوط في فخّ اليمين المتطرّف”. ويتحدّث شاكر لـ “العربي الجديد” عن أهميّة التجربة قائلاً: “في تقديري الشخصي هذه تجربة واعدة ومتميزة. في مجال التنوّع الإثني، هي إضافة من شأنها تحويل الأمر إلى اعتيادي، إذ من غير المألوف هنا في النمسا أن ترى وزيرة مسلمة وعربية بل وفلسطينية. أيضاً يُعدّ ذلك إضافة للحكومة النمساوية، بدلاً من أن تبقى الحكومات من لون إثني واحد، وهي رسالة احتضان لهذا التنوّع الحاصل حديثا في النمسا”. ويبقى برأي شاكر “الحكم على التجارب السياسية من هذا النوع، سواء أكانت بلدية أو برلمانية أم وزارية، من خلال الأداء. لكنّ اسم السيدة منى حُظي باحترام بسبب خلفيتها ونشاطها. وهي اليوم وزيرة دولة وعلى تماس مباشر بالمستشارية، وهذا يعني فتح المجال أمامها للصعود السياسي وتحقيق طموحات أوسع من خلال مواصلة مسيرتها”.

رحّبت أوساط الجاليات الفلسطينية في أوروبا بتعيين الدزدار كأوّل وزيرة في حكومة أوروبية. يُذكر أنّ المرأة المقدسية الشابة ولدت لأبوَين متمسكَين بثقافتهما العربية الفلسطينية. والدها موظف سابق في منظمة تابعة للأمم المتحدة، ووالدتها ربّة منزل عُرف عنها أنّها متدينة متعبدة، بحسب مقرّبين من العائلة.

وتصف الكاتبة الفلسطينية ناديا عيلبوني المقيمة في النمسا منذ عقود، نجاح الدزدار بأنّه “إنجاز للمرأة الفلسطينية والعربية”، مشيدة بمواقفها تجاه فلسطين وقضايا العنصرية والعدالة الاجتماعية في النمسا. وقد رفضت “دعوات المقارنة والمفاضلة بين فلسطينية منى ونمساويتها”، قائلة لـ “العربي الجديد” إنّها “لم تتنكر لقضيتها، وهي أيضاً دافعت من تحت قبّة برلمان فيينا عن اللاجئين في وجه الأحزاب العنصرية المعادية لهم”. يُذكر أنّها شغلت مقعداً برلمانياً، كأوّل نائب من أصل فلسطيني في عام 2010. تضيف عيلبوني التي تربطها معرفة قديمة بآل الدزدار أنّهم “لم يتخلوا عن جذورهم الفلسطينية”، وأنّ أفراد من العائلة يعبّرون عن التزامهم الديني بوضوح. لكنّ “الأمر الأهم، هو الإشارة إلى أنّ المجتمعات الأوروبية التي يصفها البعض بالكارهة للمسلمين والإسلام، عندما تجد أنّ الشخص ذو مؤهلات، فإنها تعترف به وبإمكانياته (بغضّ النظر عن أصوله)، تماماً كما اعترفت بمنى الدزدار المسلمة التي رشّحها الحزب الديمقراطي كنائبة له في البرلمان والتي خاضت الانتخابات البرلمانية ونجحت فيها”.

الشخصية المبادرة التي تحملها الدزدار، تجلّت في انخراطها المبكر في النشاط الشبابي والسياسي الذي أهلها احتلال مواقع قيادية في مجتمعها النمساوي والأوروبي، كرئاسة الشبيبة الاشتراكية في القارة الأوروبية. وقد تعززت تلك الشخصية المبادرة والمستقلة من خلال دراستها للقانون وممارسة مهنة المحاماة، ودفاعها عن حقوق المرأة ومواقفها من القضايا النسوية التي قد تكون إشكاليّة ليس فقط في العالم العربي الذي تتحدّر منه، بل داخل المجتمع النمساوي والأوروبي الذي كبرت فيه واختبرت تفاصيله. وهي لا تتردد في إثارة تلك القضايا في أحاديثها ولقاءاتها أو مشاركاتها في الندوات والفعاليات المختلفة، ومنها قضايا الزواج المبكر والقسري وتعدّد الزوجات وغيرها من شؤون المرأة العربية والعالمية المعاصرة.

نجاحات عربية متراكمة

صحيح أنّ منى الدزدار هي الوزيرة الأولى من أصل فلسطيني في أوروبا، إلا أنّ لا بدّ من التذكير بأنّ ثمة شخصيات أخرى وشابة في عدد من دول المهجر الأوروبي لم تقف فلسطينيتهم عائقاً أمام نجاحاتهم الفردية. في أيسلندا في أقصى الشمال الأوروبي، نجد فداء أبو لبدة، خريجة جامعة ريكيافيك، وهي مهندسة باحثة في مجال الطاقة والهندسة البيئية. هي أيضاً من أصول مقدسية، كرّمتها الرئاسة الأيسلندية في عام 2013 كواحدة من بين خمسة أفراد حقّقوا النجاح الأكبر في الإنجازات الفردية لفئة الشباب. وكانت أبو لبدة قد أسست شركة “جيوسيليكا” للأبحاث العلمية وهي سيّدة أعمال معروفة في ريكيافيك اليوم.

في النمسا أيضاً، غير بعيد عن الوزيرة الدزدار، قصّة نجاح أليسار عيلبوني، شابة ولدت في دمشق في عام 1989. هي واحدة من أنجح الشابات في مجال الأزياء والموضة في باريس ولندن ونيويورك.

أما في الجارة ألمانيا، فالإشارة ممكنة إلى نساء شابات عربيات وفلسطينيات ناجحات على الصعيد السياسي، من مثيلات سوسن شلبي نائبة المتحدث باسم الخارجية الألمانية. اختارها وزير الخارجية فلتر شتاينماير لهذا المنصب بسبب نشاطها الملحوظ في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني. هي من مواليد عام 1978 في برلين، وقد درست العلوم السياسية في جامعتها الحرّة. وعلى الرغم من صعوبة الظروف العائلية وحصولها على الجنسية في وقت متأخر (1993)، إلا أنّ شلبي صمّمت من بين إخوتها وأخواتها الاثنَي عشر على الدراسة واستكمال تحصيلها علمي بدعم وتشجيع من أخيها الأكبر الذي يعمل إماماً في السويد ومستشارا في مجال الدمج. وقد شاركت شلبي في إنشاء الكتلة النيابية لحزبها في البرلمان الألماني “بوندستاغ”.

وإذا اتجهنا نحو الدول الاسكندنافية، لوجدنا عدداً من الشخصيات النسوية الفلسطينية الناجحة. في السويد، نجد رولا عامر من مخيّم برج البراجنة في لبنان، فيما تعود أصولها إلى قرية ترشيحا في قضاء عكا. هي تشغل منصب مدّعٍ عام في السلك القضائي السويدي، وتُعدّ أصغر مدّع عام في السويد.

تجدر الإشارة إلى أنّ نجاح منى الدزدار وبعض أخواتها من جيل الشباب الفلسطيني، يظهر الفرص والإمكانات الكامنة في الشتات الفلسطيني. وعلى الرغم من أنّ البعض قد يراها نجاحات فردية، إلا أنّ آخرين يرون فيها استلهاماً يمكن أن يكون مفيداً في عدواه الإيجابية، مثلما كان الأمر مع وزيرات وسياسيات عربيات مغاربيات في عدد من الدول الأوروبية. وتقول الباحثة الفلسطينية أميرة ناصر، وتتفق معها في الرأي الكاتبة ابتسام محمد في فيينا، إنّ جمع الطاقات الفلسطينية الشابة والمعطاءة في المهجر، “يحتاج إلى مبادرة تستند إلى أنّ لا شيء يمنع أن تكون للفلسطينيين منظماتهم الضاغطة والمؤثرة في المجال الحيوي المؤثر على قضيتهم الأساس، خصوصاً أنّ أحداً من هؤلاء لا يتنكّر لفلسطينيته وعدالة القضايا التي يدافع عنها”.

العربي الجديد