أهم المقالات في الشاهد

الأحد,5 يوليو, 2015
منذر الذي اعتذرت منه تونس يروي تفاصيل يوم حزين

الشاهد_”إنّه الإرهابي، اضربوه.. اركلوه.. اقتلوه”. رافق هذه العبارات الغاضبة في تونس، ركل المواطنين للشاب منذر بن مبروك زرق، وتعنيفهم له. تناثر نعلاه بعيداً، تمزّق سرواله من كثرة الضرب، كادت أذناه تقتلع من مكانهما، وهو يئنّ من الكدمات، مستمعاً إلى زغاريد النساء المهللّة بالقبض عليه. لحظات مرعبة وقاسية، وموقف صعب عاشه منذر ذلك اليوم، بكل تفاصيله الموجعة وأحداثه المؤلمة.
تضافرت عدة عوامل لتجعل من منذر، عامل البناء، المشتبه به الثاني في عملية سوسة الإرهابية، التي أودت بحياة 38 سائحاً. “العربي الجديد” التقت منذر لمعرفة تفاصيل الحادثة المؤلمة، فسارع إلى القول: “غادرت عملي، كعادتي متّبعاً طريقاً مختصراً، متسلّقاً الجدار، فلمحتني طائرة تابعة للجيش التونسي، وما إن مشيت بضعة كيلومترات، فوجئت بوجود عناصر أمن مسلحين، حاصروا المكان وطلبوا مني الاستسلام، وهذا ما حصل، من دون أن أعرف السبب”.

يواصل منذر سرد التفاصيل، ليؤكدّ أنه لمجرد أن خرج برفقة العناصر من زقاق ضيق، ووصلوا إلى الشارع الرئيسي، فوجئ بتجمع مئات المواطنين، كانوا يصرخون: “هذا هو الإرهابي…”، ومن كثرة الضربات والتعنيف كاد يغمى عليه. يتذكر منذر كيف أن إحدى العاملات عضّته من رقبته. وأمام خطورة الموقف، استطاع العناصر إبعاده، وحمّلوه في سيارة أمنية إلى منطقة الحرس التونسي. وأثنى منذر على جهود عناصر الأمن الذين دافعوا عنه وتعاملوا معه بأسلوب حضاري بعيداً عن التشفي. وعلى الرغم من أنّ منذر متخرج من المعهد العالي للرياضة والتربية البدنية في منطقة قفصة، إلا أنّه عانى كآلاف الشباب التونسي من البطالة، ولم يجد وظيفة في مجال اختصاصه، فأُجبر على العمل في مجال البناء لإعالة أسرته. ينحدر منذر من عائلة فقيرة، من معتمدية مزونة في محافظة سيدي بوزيد، مهد الثورة التونسية. تتألّف أسرته من 6 أفراد، والده عامل يومي بسيط، ولديه 4 أشقاء، بعضهم عاطل عن العمل، والآخرون لا يزالون في المدرسة.

انتقل الشاب المعدم إلى منطقة أكودة بحثاً عن عمل. تزوج وأنجب فردوس البالغة من العمر 5 أشهر. أما زوجته، فهي أستاذة فرنسية، لكنّها في الوقت الحالي، عاطلة من العمل.

يوم الهجوم الإرهابي على فندق “أمبريال” في سوسة، كان منذر يعمل في أحد الفنادق المجاورة، وتحديداً فندق “خليج الشمس”. سمع كل من في الفندق صوت الرصاص ووصلتهم بعض المعلومات الضبابية، لكنّهم لم يعرفوا تفاصيل ما جرى في تلك اللحظات. يذكر الشاب أنه خضع إلى استجواب دقيق، استمر عدة ساعات، تحدث فيها عن حياته وأسباب وجوده في مكان الحادثة. كانت يداه مغمّستين بالإسمنت، وثيابه تحمل آثار البناء، ما سهّل عملية إطلاق سراحه. وأوضح أن مؤجره أتى للاستفسار عنه، وقدّم بعض الوثائق التي تؤكّد صحّة عمله. كما حضر معظم رفاقه لمؤازرته في محنته، وعند الساعة العاشرة ليلاً، تم إخلاء سبيله.

يصف منذر ما حصل معه بـ”المؤلم”، بل “وصمة عار على جبيني لا يمكن نسيانها بسهولة، وكيف أنسى أني عوملت كإرهابي”؟ يؤكد أنّه على الرغم من مغادرته مركز التحقيق، فإنه ظلّ خائفاً طيلة الليل. أوصد باب غرفته وأوصى زوجته بأن لا تفتح الباب، كما أنه لم يشأ الذهاب إلى أي مكان لاقتناء المواد الغذائية وظلّ حبيساً في غرفته. ويوضح أنه شعر بالقهر والظلم، متسائلاً عن ذنبه في تلك الحادثة.

ويؤكد أنّ صفحات التواصل الاجتماعي خففت عنه مصابه، وإلّا لما تمكن من مواجهة الناس، على الرغم من يقينه أنه لم يقترف أي إثم، مشيراً إلى أنّ تعاطف الناس والمكالمات الهاتفية التي وصلته من كل حدب وصوب، حتى من خارج تونس، خفّفت من حجم المأساة.

حصل منذر، بعد إطلاق سراحه، على تأييد شعبي كبير، وتتالت الأصوات المطالبة بالاعتذار له عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. كما أن وزير الشباب والرياضة، ماهر بن ضياء، دعا منذر يوم 2 جويلية إلى مقر الوزارة، وبعد أن استمع إليه وعلم بوضعه الاجتماعي الصعب، أبلغه اهتمام رئيس الحكومة حبيب الصيد، بموضوعه واعتذاره الشخصي عن ردود الأفعال المتسرعة لعدد من المواطنين، بعد حادثة سوسة، مبرّراً ذلك، بالارتباك والذهول، جرّاء العمل الإرهابي الذي حصل. كما أذن بن ضياء، بانتداب منذر كمتعاقد في خطة مؤطر في مركز ألعاب القوى في سيدي بوزيد، مسقط رأسه.

يعلّق منذر على القرارات الرسمية، قائلاً: “رُبّ ضارة نافعة، لأني حصلت على عمل لم أكن لأحلم به، قد يضمن لطفلتي العيش الكريم ويعيد لي كرامتي التي سلبت مني”.