ملف الشاهد

الأربعاء,12 أكتوبر, 2016
ملفّ شهداء و جرحى الثورة…مهر الحريّة المغدور

في مدة لا تتجاوز الأسبوع، قضت المحكمة الإبتدائية تونس2 الاثنين 10 أكتوبر 2016 بالحكم 5 سنوات و 6 أشهر سجنا على الموظفة التي اعتدت بالعنف على معتمد سيدي حسين السيجومي، وبـ 3 سنوات و6  أشهر على المتهم الثاني فيها في محاكمة وصفها المتابعون بالأسرع، وفي المقابل فإن قرابة 6 سنوات لم تكن كافية للمحاكم سواء العسكرية أو الدوائر المختصة من الحكم في قضايا شهداء وجرحى الثورة ومحاسبة المجرمين والتعجيل بإصدار الأحكام بشأنها ،كما لم تتمكن جل الكتابات و اللجان والهيئات المحدثة في الغرض من إنصاف الضحايا ماديا ومعنويا على الأقل.

ثورة 17 ديسمبر/ 14 جانفي سقط فيها 321 شهيدا وجرح حوالي 4 ألاف شخص، ورغم الحديث عن العدالة الإجتماعية بعد الثورة وتكريس الحقوق والحريات ومراعاة الطبقات ذات الظروف الخاصة بالإضافة إلى شعارات من قبيل الكرامة والحرية فإنه وقع التنكر لمن كان وقودا لهذه الثورة، ولمن كان الحجر الأساس في تشكل المشهد السياسي الحالي سلطة ومعارضة، ولرفع سقف الحرية سيما في السنوات الأخيرة خاصة منذ سنة 2014 بشهادة عديد الجرحى والمحامين وأطراف متابعة للملف.

تغييب ملف شهداء وجرحى الثورة

123

بدون جهد و لا عناء كبيرين يمكن ملاحظة أن ملف شهداء وجرحى الثورة صار مغيبا عن الرأي العام بل لعل هذا الأخير نسيه وتجاوزه في خضم ضغوطات الحياة التي يواجهها من غلاء معيشة وبطالة وغيرها.

هناك من يؤكد أن الدولة و النخب السياسيّة أو جزء كبير و نافذ منها على الأقل تسعى إلى تمييع الملف وتغييبه عن وسائل الإعلام التي أصبحت هي متهمة أيضا بالتعتيم ما عدى القليل منها. ويبدو أن هذا الملف لم يعد من الأولويات، ولا يمكن لأحد أن ينسى الصدمة الكبرى التي عاشها أهالي الشهداء والجرحى والمجتمع المدني والتونسيين بصفة عامة عندما قضت المحاكم العسكرية بإطلاق سراح المورطين في القتل العمد في افريل 2014 وعندما علا عويل الأمهات تحت سقف المحاكم.
سنة 2012، تكونت لجنة شهداء وجرحى الثورة في المجلس الوطني التأسيسي وبقيت تتابع هذا الملف إلى أن انتهاء مهامها واحالة الملف إلى كتابة الدولة صلب وزارة الشؤون الاجتماعية للتحول إلى هيئة برئاسة مجدولين الشارني التي واجهت انتقادات واسعة، واليوم تفرّق هذا الملف بين هيئة الحقيقة والكرامة، وبين إدارات وماحاكم عسكرية وأخرى مدنية دون خروج حكم نهائي فيه، أو صدور قائمة نهائية لشهداء وجرحى الثورة على الأقل.

الزغلامي: الملف ضاع بين الإدارات وأصبح النظر فيه بمثابة التسوية الإجتماعية

123

“الشاهد” حاولت العودة إلى الموضوع وتوجهت إلى رئيسة لجنة شهداء وجرحى الثورة سابقا في المجلس الوطني التأسيسي وأحد الاطراف المتابعة لهذا الملف يمينة الزغلامي، للحديث حول المستجدات.
وأوضحت يمينة الزغلامي إن هذا الملف وقع الإشتغال عليه في عهد الترويكا، ولكن اليوم أي سنة 2016 لم يبقى هذا الملف من الأولويات ولم يعد هناك تعاطيا كبيرا بخصوصه حتى أن المجتمع المدني لم يعد يتحدث عنه باستثناء جمعية ” أوفياء شهداء وجرحى الثورة”، واصفة ذلك بالأمر الغريب.
وأوضحت الزغلامي أن هذا الملف يفترض أن يكون من مشمولات هيئة الحقيقة و الكرامة كما يفترض أن تحيله إلى الدوائر المختصة إلا أن هذا الأمر لم يتم إلى اليوم بل لم يشهد أي تقدم فيه، وفي المقابل أكدت الزغلامي أن الملف ضاع بين الإدارات وأصبح النظر فيه بمثابة التسوية الإجتماعية وليس رد إعتبار لضحايا أعمال العنف والقتل خلال الثورة.
وأكدت الزغلامي أن القائمة النهائية لشهداء الثورة ترواح مكانها لدى رئاسة الجمهورية ولم يتم الإعلان عنها إلى حدود الان.

وبخصوص محاسبة المتورطين في القتل، أكدت الزغلامي أن الافلات من العقاب مازال متواصلا “لأنه باختصار لم يتم إصلاح المنظومة القانونية في تونس، فعندما أردنا تقديم مشروع قانون لإصلاح القضاء والمحاماة قيل أن هذا القانون مجنون” على حد تعبيرها.
وما زاد من تعطيل الملف، وفق محدثتنا، هو مواصلة تعهد القضاء العكسري بالقضايا عوض المحاكم المدنية أو الدوائر المختصة فيها، و بذلك تأكيد علي تغييب الثورة ومبادئها عن قصد لطي صفحة الثورة حتى في وسائل الإعلام.

الأستاذة ليلى حداد: القضاء العسكري يستقبل ملفات الإفراج عن المتهمين ولن يترك الملف إلا فارغا

123

كما تحدث موقع” الشاهد” مع محامية شهداء وجرحى الثورة الأستاذة ليلى حداد، والتي مازالت تتابع هذا الملف إلى اليوم، والتي أكدت أن هناك سياسة ممنهجة لتمييع هذا الملف وصرف إنتباه الرأي العام عنه.
وأوضحت الأستاذة ليلى حداد ان السياسة العامة للدولة تتجه نحو التعتيم عن ملف شهداء وجرحى الثورة، وقد أثر ذلك بشكل واضح على وسائل الإعلام التي بدت مشاركة في ذلك.
وأكدت حداد أن الإنتكاسة لعائلات الشهداء والجرحى وقعت منذ أفريل سنة 2014 عندما تم إطلاق سراح المورطين في القتل بالحكم قي ملفات القتل العمد والمشاركة فيه بسلاح ناري على انه إعتداء بالعنف ناجم عنه الموت.
وأذنت المحكمة العسكرية بإطلاق سراح القيادات الأمنية المورطة في القتل يوم 12 أفريل 2014، منهم علي السرياطي، والقيادات الميدانية المورطة على غرار يوسف عبد العزيز، ولم يبقى سوى الاعوان الذين اعترفوا بالقتل مثل ناصر العجمي المتهم بقتل الشهيد مجدي منصري، و وسام الورتتاني المتهم بقتل شهداء القصرين، والطيب العميمي المتهم بقتل شهداء الدقاش.

ورغم أن هذا الملف مازال منشورا في المحاكم العسكرية، فإن أجراءات التداول فيه مازالت طويلة ومغيبة، وقد خيبت آمال الجرحى وأهالي الشهداء، وفق تعبير المتحدثة.

وبينت الحداد أن جل المحامين المتعهدين بالملف سعوا إلى سحبه من المحاكم العسكرية بتطبيق قانون 12 جوان 2012 الذي اعتبر أن جميع قضايا شهداء وجرحى الثورة تسحب من المحاكم العسكرية وتحال على الدوائر المتخصصة في المحاكم العدلية، إلا أن ذلك لم يتم، مع العلم أن وزارة العدل حددت 12 دائرة في محاكم إستئناف للتخصص في الملف، وأنزلت منشورا بيه أسماء جميع القضاة في الدوائر، ورغم تطبيق هذا القانون بتعيين القضاة والدوائر فإن المحكمة العسكرية مازالت مصرّة على التعهد بالملف إلى أن يتم إطلاق جميع المتورطين في القتل، على حد تعبيرها.
وحول مستجدات الملف اليوم، أكدت ليلى حداد أن المحكمة العكسرية تتعمد تأخير القضية، تنظر في الملفات وفي الأثناء تستقبل مطالب الإفراج عن المتهمين بالقتل العمد، ذلك أنه تم الإفراج عن المتهم ناصر العجيمي في شهر ماي 2016 وبعده بأسبوع تم الإفراج عن المتهم وسام الورتتاني.
وشددت على أن ما سلف ذكره دليل على أن المحكمة العسكرية لا تنظر في لب القضية بل في مطالب الإفراج عن المتهمين حتى تحيل الملف إلى الدوائر المختصة فارغا، وهذا التأخير ناجم عن غياب الإرادة السياسة سيما وأن المصالحة تطبخ الآن في المحاكم العسكرية، على حد قولها.

ووصفت المحامية هذا الأمر بالجريمة في حق الشهداء والجرحى وعائلاتهم وتكريس فعلي للإفلات من العقاب، معتبرة أن هيبة الدولة تطبق حسب الضغط الاعلامي في إشارة منها إلى سرعة الحكم بخصوص المرأة التي إعتدت على معتمد السيجومي وزميلها في أواخر سبتمبر من السنة الجارية في ظرف أسبوع فقط.

بخصوص القضاء، أكدت حداد أنه يزج نفسه في قضايا سياسية وهو مفعول به وليس فاعلا سيما فيما يتعلق بملف الشهداء والجرحى.

وقالت الحداد أنه وقع تمييع الملف، وكان ومازال وقودا للحملات الانتخابية ولحسابات سياسية في حين أن المصابين يتعرضون للإهانة كل يوم وكأنه رسالة مشفرة من السلطة بأن كل شاب يريد الحرية وتكريس مبادئ الثورة يداس عليه بالقوانين القمعية.

وأوضحت حداد أنه منذ سنة 2012 إلى هذا التاريخ لم يتم نشر القائمة النهائية للشهداء والجرحى، ورئاسة الجمهورية الحالية رفضت الإمضاء عليها، ذلك أن الكتابة العامة التي ترأستها مجدولين الشارني لم يرى منها الجرحى سوى الإهانات، واليوم الملف بدون وزارة والضحايا بدون وجهة، على حد تعبيرها.
وأكدت حداد على وجود إرادة قوية بعدم الاعتراف بالثورة وتغييب الرأي العام على أناس قدموا انفسهم لهذه البلاد، في مقابل تبييض بن علي.
وقد أكدت محامية شهداء وجرحى الثورة أن القضايا العادلة لا تموت وأنها ستواصل متابعة هذا الملف لأخر نفس.

جريح الثورة طارق الدزيري … معاناة دائمة

123
طارق الدزيري، أحد جرحى الثورة، أصيب يوم 12 جانفي في الفحص خلال خروجه في مسيرة نظمها أهالي الجهة، اليوم أصبح مقعدا يتنقل عبر كرسي متحرك، يعاني ظروفا صعبة سيما أنه متزوج وأب لطفل.

طارق تحدث لـ”الشاهد” عن المعاناة التي أصبح يعيشها جراء إصابته سيما بعد تنكر جل الأطراف المعنية لحالته منذ سنة 2014، وأوضح أن الإهمال إنطلق مع انتهاء حكم الترويكا، إذ أكد أن حالته الصحية كانت محل متابعة من قبل الجهات المختصة وكان يتلقى منحة خلال هذه الفترة سيما مع حكومة علي العريض وإبان تولي محمد المنصف المرزوقي رئاسىة الجمهورية إلا أنها انقطعت بعد ذلك.

وأوضح طارق الدزيري أن قضيته ما تزال منشورة لدى المحكمة الإدارية، وفي الاثناء كان يتصل بعديد المسؤولين في جل الوزارات المتعاقبة للتكفل بمصاريف علاجه إلا أنه وجد الأبواب موصدة في وجهه وأحيانا يتم إرسال بعض الأدوية التي لا يمكن أن تمثل حلا لإصابته، مشددا على أن حالته الصحية باتت صعبة سيما بعد الأضطرابات التي حدثت في عملية جراحية كان قد أجراها بشكل مسبق، مع ارتفاع ثمن الدواء الذين يتراوح ثمنه بين الف والفي دينار في الشهر.

وأكد طارق أنه قام بالاتصال بالإدارة المكلفة بالملف صلب رئاسة الحكومة إلا أن سماعة الهاتف لم ترفع، مشددا على أن مجدولين الشارني لم تحقق أي تقدم بخصوص ملفه.
وعبر جريح الثورة عن خيبة أمله من الدولة وعن المعاناة التي يعيشها، مشددا على أن وسائل الاعلام تناقش في قضايا جانبية في حين أن ملف شهداء وجرحى الثورة مهمش.