مقالات مختارة

الثلاثاء,31 مايو, 2016
ملاحظات على تصريحات الدكتور منصف المرزوقي

الشاهد _ في الفترة الأخيرة تصريحات حادة من رئيس الجمهورية السابق الدكتور منصف المرزوقي ضد حركة النهضة، منّ فيها عليها بحمايتها من انقلاب عسكري أمني، واتهمها اتهاما عظيما بخيانة الثورة والتحالف مع النظام القديم. وهي تصريحات عنيفة ولا تصدر عادة من أصدقاء، ومن شأنها أن تقضي على ما بقي من احتمال العمل المشترك مستقبلا، عندما تتغير معادلات السياسة الراهنة وتتبدل المصالح لدى أطراف الصراع فيها.

شيء من التاريخ الشخصي

في البداية أريد أن أذكر بأنني لست عدوا للدكتور منصف المرزوقي، بل أعتبره صديقا شخصيا لي. وقد انتخبته مرتين لرئاسة الجمهورية، رغم أنني كنت واثقا كل الثقة أنه لن يفوز بالمنصب، وصديقي جنيدي طالب، المدير التنفيذي لحملته الانتخابية، يعرف هذا الأمر جيدا فقد كان قريبا من الدكتور المرزوقي وقريبا مني، إذ كنا نتواصل يوميا أثناء الحملة، وهو يعلم أنني لم أبخل بأي فكرة كنت أرى أنها قد تفيد حملة الدكتور المرزوقي، واستضفت الرجل في قناة المتوسط حين أغلقت دونه أبواب وسائل الإعلام.

ولم أفعل هذا كرما ولا تفضلا مني عليه، وإنما فعلته لحرصي على ما كنت ومازلت أعتبره مصلحة وطنية صادقة، رغم يقيني أن الدكتور المرزوقي لن يفوز في تلك الانتخابات. ولكن كان همي أن لا يأتي الباجي قايد السبسي للرئاسة بفوز كاسح، قد يغريه بالانقلاب على كل مكاسب الثورة.

قبل الثورة كانت صداقتي متينة جدا بالدكتور المرزوقي. وكنت وراء استضافته في الحزيرة، عام 2008 على ما أذكر، وهي الاستضافة التي عكرت صفو العلاقات بين تونس وقطر، حتى بلغ الحنق والغضب بالمخلوع أن أغلق سفارة تونس في قطر لفترة طويلة.. وفي فترة الثورة كنت وراء استضافة المرزوقي وعدد من قادة حزب المؤتمر في نفس القناة. ومازلت أملك إلى الآن رسالة في بريدي الالكتروني من الدكتور المرزوقي فيها توضيح وعتاب، ردا منه على نقد مني لأحد مقالاته.

ممارسة غير ثورية وخطاب ثوري

بعد هذه المقدمة الطويلة نسبيا أخلص إلى القول إن نقد الدكتور المرزوقي الحاد للنهضة لتحالفها المفترض مع النظام القديم غير مبرر من نواحي كثيرة:

-1 فهو من سلم بنفسه القصر الجمهوري للباجي قايد السبسي الرمز الأول لمن وصفه بالنظام القديم العائد. وقدم لنا عملية التسليم والتسلم لا باعتبارها عملية سطو ولا انقلاب، يسلم فيها رئيس ثوري الحكم مضطرا لرمز من رموز نظام قامت عليه ثورة، بل على اعتبارها عملية تداول سلمي على السلطة في نظام ديمقراطي ناشئ، بين رئيس مغادر ورئيس منتخب حديثا، وإذن فالرئيس المرزوقي قد عمّد بذات نفسه النظام القديم العائد وأعطى مباركته لعودته، ومن ثم يصير نقده للنهضة لتحالفها المفترض مع هذا النظام القديم بلا وجاهة حقيقية، فهي تحالفت مع من رضي هو به رئيسا وسلمه الحكم طوعا في جو احتفالي.

2- لم نعلم أن الرئيس المرزوقي قد اعترض في أي لحظة أثناء توليه رئاسة الجمهورية على الاعتراف القانوني بحزب النداء، ولم نعلم أيضا أنه حث التونسيين على عدم انتخابه أثناء حملة الانتخابات البرلمانية، بل نعرف أن المرزوقي كان يلتقي بالباجي وبقادة جبهة الإنقاذ أثناء توليه للرئاسة بحجة أنه رئيس للتونسيين جميعا مهما اختلفت أحزابهم، ومن ثم لا يعقل أن يصدر منه اتهام للنهضة بأنها تحالفت مع رموز النظام القديم، الذين كان يلتقيهم الرئيس المرزوقي باعتبارهم يمثلون طرفا حزبيا مكونا من تونسيين، يعمل في إطار الدستور الجديد، حتى إذا تحالفت معهم النهضة صاروا اليوم فجأة ممثلين للنظام القديم، لا تونسيين يعملون في إطار الدستور الجديد الذي نبع من مجلس تأسيسي طالبت به الثورة.

3- لم يعجبني نقد الدكتور أبو يعرب المرزوقي للدكتور منصف المرزوقي، وخاصة استخدامه لألفاظ ممجوجة. ولكن في نقده بعض الحق. فالرئيس المرزوقي كان يعرف أن أوامره لا تأخذ دائما وأبدا مأخذ الجد من الجهازين الأمني والعسكري، وحادثة الأرشيف ليست منا ببعيدة. ومن ثم يجب تنسيب قوله بالحيلولة دون الانقلاب، وزيادة على ذلك فحديث الدكتور المرزوقي عن أنه أنقذ النهضة من الانقلاب عليها، فيه منّ وفيه أذى. والأصوب أن يقول إنه أنقذ نفسه والنهضة من انقلاب، لأنه يعلم أن أي انقلاب سيكون هو أول ضحاياه، لأنه متهم بالتحالف مع الشيطان، ومتهم بأنه سهل للغول دخول العش، وبالتالي سيكون جزاؤه ربما أشد من جزاء النهضاويين، اللهم إلا أن يظن الدكتور المرزوقي أنه سيلقى حماية من الغرب لأنه علماني وليس إسلاميا.

4- حكم الدكتور المرزوقي فترة أطول من حكم النهضة، إذ بقي في السلطة عاما كاملا بعدها رغم أنه دخلها معها. ومن ثم لا يحق له نقد النهضة دون أن يتحمل نصيبه من النقد، ولا يبررن وضعه بأنه كان محدود الصلاحيات فقد قبل بذلك منذ البداية، ومع ذلك فقد كانت له صلاحيات تفوق صلاحياته القانونية إذ كان رمز وحدة الدولة واستمراريتها وكان بوسعه فعل الكثير لو كان أراد. ومن هنا فهو مسؤول عن عودة النظام القديم لم لم يمنعه من العودة. وبالتالي فالنقد الثوري لا يستساغ مع الممارسة غير الثورية أثناء فترة الحكم.

كلامي السابق لا ينقص إنسانيا من احترامي الشخصي الكامل للدكتور المنصف المرزوقي، وهو لا يندرج ضمن الفتنة ولا ضمن التحريض المتبادل بين حلفاء الأمس بعضهم على بعض، فليس من خلقي سب الناس ولا التحريض على الشر بينهم. ولست أحفل بالمتنطعين الذين لا اهتم كثيرا بمدحهم ولا بسبهم.

نورالدين العويديدي