أهم المقالات في الشاهد - سياسة

الأربعاء,12 أغسطس, 2015
مقال بريطاني يثير جدلا: «فخ الأمومة» : لماذا تنجح المرأة في وظيفتها إلى أن تصبح أماً؟

الشاهد_أثار مقال نشرته مجلة «نيوستيتسمان» البريطانية جدلاً واسعاً أخيراً، بعدما سلّط الضوء على ما اعتبره «الحقيقة المزعجة» في شأن عدم تمكّن النساء، على رغم نضال مستمر منذ عقود، من تحقيق «المساواة» مع الرجال في أسواق العمل. وحتى في ساحة المنافسة السياسية، حيث تسجّل أعداد متزايدة منهن تفوقاً على الرجال في مجال القيادة، لفت مقال المجلة البريطانية المثير للجدل الانتباه إلى أن الإناث المتفوقات على الذكور هن في الغالب بلا أولاد ويُنظر إليهن بوصفهن «أنانيات» لا يكترثن لأوضاع غيرهن، في حين أن النساء «الأمهات» نادراً ما يصلن إلى القمة في مجال العمل.

 

 

«فخ الأمومة»، وفق عنوان «نيوستيتسمان»، هو المسؤول، إذاً، عن فشل الأم العاملة في تحقيق المساواة في الراتب والنجاح ليس فقط مع الرجال، بل أيضاً مع العازبات أو المرتبطات بزواج أو علاقة ولكن من دون أطفال.

هل هذه الفكرة صحيحة، وهل المرأة الأم هي فعلاً أقل قدرة على تحقيق النجاح من غيرها من النساء؟

سواء كانت الفكرة صحيحة أم لا، فإن بعض اليمين البريطاني لم يبدِ إعجاباً بالمقال إذ اعتبره يساري التوجّه ويدخل في إطار حملة لإرغام الشركات على فرض المساواة في الراتب بين الموظفين. وجادل رافضو فكرة المساواة بأن «ليس كل النساء يستحققن بالفعل أن تتم المساواة بينهن في الراتب في أسواق العمل، إذ إن المرأة الأم قد لا تكون قادرة حقاً على تقديم وقتها وجهدها لمركز عملها مثل غيرها من الموظفات اللواتي لا أسر لديهن». ويأتي هذا الموقف بعدما كشفت حكومة ديفيد كاميرون، وهي أيضاً يمينية محافظة، أنها تفكّر في إرغام الشركات على كشف لوائح رواتب موظفيها بهدف «تعييرها» علناً إذا ما تبيّن أنها تقدّم راتباً للنساء أدنى من الذي يحصل عليه الرجال (في منصب العمل ذاته).

 

 

دور متنامٍ

والحقيقة التي لا جدال فيها أن هذا الجدل حول «المساواة» يأتي في ظل دور متنامٍ للنساء في الغرب، لا سيما في المجال السياسي. فبين المتنافسين الأربعة على زعامة حزب العمال البريطاني المعارض هناك امرأتان هما إيفيت كوبر وليز كندال، وبين المتنافسين الخمسة على منصب نائب زعيم الحزب هناك ثلاث نساء، ستيلا كريسي وكارولاين فلينت وأنجيلا إيغيل. وبين المتنافسين الثلاثة الأكثر احتمالاً للترشّح على زعامة حزب المحافظين خلفاً لديفيد كاميرون الذي وعد بالتنحّي قبل اكتمال ولايته الثانية الحالية، هناك سيدة أيضاً هي وزيرة الداخلية تيريزا ماي. وحتى في اسكتلندا، تبدو الساحة السياسية محصورة بالنساء تقريباً. فالزعيمة المتوقعة لحزب العمال خلفاً لجيم مورفي الذي خسر مقعده في الانتخابات الأخيرة، هي قاضية دوغديل التي ستجد نفسها في مواجهة سيدتين أخريين هما نيكولا ستيرجين زعيمة الحزب القومي الاسكتلندي وروث ديفيدسون زعيمة حزب المحافظين. وفي حين أن نصف «حكومة الظل» العمالية في مجلس العموم البريطاني تتألف من نساء، فإن حكومة كاميرون المحافظة تضم سبع وزيرات. كما أن أقوى الشخصيات السياسية في الاتحاد الأوروبي هي بلا شك المستشارة الألمانية أنغيلا مركل.

 

 

لكن كل هذه الأسماء لا يجب أن تشكّل، في الحقيقة، مصدر غرور للنساء في شأن دورهن المتعاظم. فهناك «حقيقة غير مريحة» تختفي وراء كل هذه الأسماء، وفق «نيوستيتسمان»: نسبة كبيرة جداً من بين أبرز الناجحات في مجال السياسة هن نسوة لا أطفال لديهن. فكل الأسماء التي وردت أعلاه هي لنساء من هذا الصنف، باستثناء اثنتين فقط (كوبر وفلينت). وعلى مدى السنوات الخمس من البرلمان المنتهية عهدته، كانت ماريا ميلر الوزيرة الوحيدة التي هي أم في الوقت عينه.

 

 

وأظهرت دراسة موسّعة أجرتها الأكاديميتان ساره تشايلدز وروزي كامبل عام 2013، أن 45 في المئة من النائبات في مجلس العموم هن بلا أولاد، بينما 28 في المئة من النواب هم بلا أولاد. وجاء في الدراسة «أن معدّل الأولاد لدى النواب الرجال يبلغ 1,9 طفل، في مقابل 1,2 طفل لدى النساء. وهناك أيضاً فرق جنسي في عمر أطفال النواب: ففي المعدّل يبلغ عمر الطفل الأكبر للنائب الذي يدخل البرلمان للمرة الأولى 12 سنة، بينما يبلغ عمر الطفل 16 سنة للمرأة التي تدخل البرلمان للمرة الأولى. وهذا يوحي بأن الأمهات، وليس فقط النساء، يتم التمييز ضدهن في التمثيل في شكل كبير في الحياة السياسية البريطانية».

 

 

تمييز هيكلي

يستخدم مقال المجلة البريطانية هذه الأرقام دليلاً على ما يصفه بـ «تمييز هيكلي في المجتمع بأسره»، عندما يتعلّق الأمر بالأمهات، مضيفاً أن «فخ الأمومة» يكشف القناع عن «أكثر الأسرار غير المريحة للنظام الرأسمالي، (كيف أنه يعتمد في شكل كبير على العمل غير المدفوع الأجر، خصوصاً ذلك الذي تقوم به النساء، من أجل المحافظة على ديمومته. وهذا العمل يأتي على حساب الفرص الوظيفية، وعلى حساب الدخل الذي يتأتى منها على مدى العمر) وما يجنيه العامل (الفجوة في الراتب بين الرجال والنساء في سن العشرين ردمت تقريباً)، لكن إجازة الأمومة لا تزال موجودة، وراتب النساء لا يتعافى مجدداً أبداً نتيجة الوقت الذي تعطيه الأم العاملة لطفلها».

 

 

ويعتمد مقال المجلة على «عشرات المقابلات» مع رجال ونساء يعمل كثر منهم في مناصب سياسية بارزة، ويخلص إلى أن هناك «إجماعاً» بينهم، على اختلاف انتماءاتهم الأديولوجية، على أن «من الصعب الموازنة بين مسؤوليات العناية بأسرة وبين وظيفة في مجال السياسة». ويضيف: «في الوقت ذاته، الذين يختارون المرشحين (لتمثيل الأحزاب في الانتخابات)، والناخبون، ووسائل الإعلام غالباً ما يتوقعون أن يكون لدى السياسي عائلة كطريقة لإعطاء إشارة إلى أنهم أشخاص «عاديون». وعلى هذا الأساس، تواجه النساء وضعاً بالغ الصعوبة. فإذا كان لديهن أطفال، فإن الناس ستنظر إليهن على أنهن لا يكرّسن وقتهن بما يكفي لمنصب عملهن. وإذا لم يكن لديهن أطفال، فإن الناس ستأخذ عليهن أن ليس لديهن أي شيء في حياتهن سوى العمل.

 

 

وتؤكد هذا الواقع دراسة أعدتها البروفيسورة الإجتماعية ميشيل باديغ (جامعة ماساتشوستس الأميركية) عام 2014، والتي وجدت أنه عندما يتعلّق الأمر بالموظفين الذين لديهم أطفال فإن هناك «بونوس للآباء» (مكافأة) لا تحصل عليه الأمهات. وقالت لـ «نيويورك تايمز»: «يعتبر أرباب العمل الآباء أكثر استقراراً والتزاماً بعملهم، فلديهم عائلة يحتاجون إلى أن يعملوا من أجل إعالتها، بالتالي فإنهم أقل احتمالاً لأن يكونوا غير مواظبين. وهذا عكس الطريقة التي ينظرون فيها إلى الموظفات اللواتي يصبحن أمهات. القصة التقليدية تقول أنهن يعملن وقتاً أقل ويكن أكثر عرضة للانجذاب بعيداً من عملهم بسبب اضطرارهن للاعتناء بأطفالهن».

 

 

وكما تؤكد الأكاديميتان البريطانيتان روزي كامبل وساره تشايلدز فإن هذا الأمر ينطبق على النساء من أعضاء مجلس العموم البريطاني. وتوضح كامبل في هذا الإطار أنه «لا يمكن النساء الفوز في هذا الوضع. فإذا كان للرجل زوجة وأطفال، فإن هذا يُعدّ مصدر دعم سياسياً، أما عدم إنجاب نساء أطفالاً يعطيهن الوقت كي يقمن بالعمل السياسي. كما أن عدم إنجاب السياسيات الناجحات أطفالاً فتح في الواقع الباب أمام اتهامهن بالأنانية، وبأنهن عن سابق إصرار قررن إعطاء عملهن السياسي الأولوية، ما وضعهن في مصاف مختلف عن «الناس العاديين» (الذين لديهم عائلة).

 

 

ووفق مكتب الإحصاء الوطني (هيئة حكومية)، فإن حوالى 20 في المئة من البريطانيات اللواتي بلغن 45 سنة ليس لديهن أطفال.

عموماً، أثار المقال ضجة واسعة في بريطانيا، لكنه لم يحظ بإجماع، فقد كتبت أماندا بلاتيل، المعلّقة في صحيفة «ديلي ميل» اليمينية، أن «ليس كل النساء يستحققن راتباً مساوياً»، طارحة السؤال: «ألم تسلط المجلة الضوء فقط على حقيقة واضحة: أن النساء العاملات اللواتي ليس لديهن أطفال، سواء عن اختيار أو نتيجة ظروف، لديهن فرصة أفضل للوصول إلى القمة من النساء اللواتي يصبحن أمهات؟»، مضيفة أن الصنف الأول لا يأخذ إجازة انقطاع عن العمل نتيجة الأمومة، ويمكنه أن ينافس الرجال من الأساس ذاته.

 

 

وتشير بلاتيل أيضاً إلى أن أبحاثاً أظهرت أن المتخرّجات في الجامعات اللواتي يعملن في وظائف ولا يزلن من الثلاثينات من العمر يحصلن على رواتب أعلى من الرجال، إلى أن يصبح لديهن أطفال فتنقلب الآية. لكنها لم تكتب ذلك لتؤيّد مقالة «نيوستيتسمان»، بل لتنتقد كاميرون لإعلانه أنه سيرغم الشركات على كشف الرواتب التي تدفعها لموظفيها من الجنسين، بهدف إرغامها على المساواة في الراتب بينهم. وأوردت بلاتيل أن «الحقيقة غير المريحة أن هناك سبباً وجيهاً للفارق في الراتب بين الرجال والنساء لا يمكن أي هندسة اجتماعية أن تغيّره. فكما عاينت بنفسي خلال عملي منذ 35 سنة، فإن النساء هن غالباً من ينزل عن سلّم الوظيفة من أجل تكوين أسرة، وهذا قرار أشيد به ويشكّل ثراء لمجتمعنا. وليس لدي شك أنه لو أمكنني أن يكون لدي الأطفال الذين طالما تطلعت لإنجابهم، لما كان لدي اليوم الوظيفة التي أقوم بها. كنت سأقلب الأولويات بنبضة قلب لو أتيح لي إنجاب أطفال».

 

 

ووفق بلاتيل فإن من النادر أن تجد أماً تقول أنها كانت تفضّل لو أعطت ترقيها في العمل الأولوية بدل أن تكوّن أسرة. وتختتم: «ليس من العدل فرض المساواة في الراتب»، لأن ذلك يأتي على حساب الرجال والنساء غير الأمهات الذين يعملون بجد من أجل عملهم، وهو أمر لا يمكن العاملة الأم أن تقوم بمثله.