مقالات مختارة

الإثنين,27 يوليو, 2015
مفهوم الفلسفة عند أبي يعرب المرزوقي

الشاهد_لا يمكن لأحد أن ينكر أن الصورة الذهنية عن الفلسفة في المجتمعات الإسلامية هي صورة سلبية لكونها تعبر عن موضوع يعادي الدين،وخصوصا إذا تناولناه من ناحية تاريخية في تاريخ ثقافتنا العربية. كما أن رموز التيارات الفلسفية في الغالب ليسوا من الإسلاميين، ولكن – ومع كل هذه الوقائع التاريخية – ألا يحق لنا أن نتساءل: هل هذه الصورة النمطية عن الفلسفة تعكس صورتها الحقيقية ؟! لعل سبب مشروعية ووجاهة هذا التساؤل هو إقرارنا بأنه ليست كل صورة نمطية تعكس حقيقة ما تمثله، وإنما هي في العادة وليدة لحظة تاريخية وظرف زماني ساهم في تثبيتها؟!

 

أبو يعرب المرزوقي أحد الثائرين على هذه الصورة النمطية والساعين لتصحيحها ولكنه من أجل تصحيحها لا يهاجم الإسلاميين الرافضين لها؛ بل أول ما يهاجم يهاجم أدعياء الفلسفة الذين ساهموا في إظهار هذه الصورة النمطية، عاذرا علماء الشريعة من جهة ردة فعلهم ازائها، ومعتبرا المتقدمين منهم خلال العصور السبعة الأولى أرفع قدرا من فلاسفة تلك العصور. وليس ذلك لكونهم علماء إسلام أوعربا؛ بل لكونهم كانوا فلاسفة أكثر من أولئك الذين اشتهروا باسم الفلسفة! فالفلاسفة لم يفهموا فعل التفلسف الذي حصر في بعض ثمراته، أعني المضمون المسمى فلسفيا عندهم والاقتصار على التقليد، لدرجة أن معلمهم الثاني (الفارابي) قال: أن الفلسفة قد تمت من عهد أرسطو فلم تبق إلا أن تتعلم أن تعلم. وأما معلمهم الأخير (ابن رشد) فقد حول الحديث عن شرعية الفلسفة إلى مسألة فقهية بدلا من كونها وجودية، تحل بما يصفه القرآن عزم الأمور.

 

 

كل هذا جعل علماء الإسلام الذين ليس لهم دراية حقيقية بطبيعة القول الفلسفي عند الصادقين من أهله يعتبرونها في جوهرها عدوة للدين والعقيدة([1]).

والمرزقي يؤكد أيضا في سبيل دفاعه عن الفلسفة، بأنه يجب علينا ألا نستغل تطرّف الفلاسفة من أجل هدم الفلسفة ذاتها ومعاداتها، فإذا كان التطرف الديني الذي لا يجادل أحد في وجوده ولا في شروره لا يوجب إلغاء الأديان؛ فإن التطرف الفلسفي الذي له هذه الصفات نفسها لاينبغي كذلك أن يلغي الفلسفات.ربما يكون هذا النمط من الاستدلال غريبا بعض الشيء ولكن دعونا نجعل المرزوقي هو من يحل سر غرابته.

 

 

الفلسفة والأسلوب الفلسفي

تقوم الفلسفة عند المرزوقي على أساس التمييز بين مدلولها الاصطلاحي الذي يفيد ضربا معينا من التراث، هو محاولات الفكر اليوناني وما ترتب عليها في الحضارات الإنسانية الموالية، وبين فعل السؤال الطبيعي عن العلل القصوى والمعاني النهائية للوجود. وبهذا يمكن أن نعتبر الضرب الأول أحد أشكال المعنى الثاني.إذ التعريف الإصطلاحي هو منتج ثقافي وتاريخي معين بينما التعريف الثاني ينظر للفلسفة باعتبارها نشاط ذهني غير محدد المضمون ولكنه محدد الموضوع، حيث يبحث في المبادئ الأولى لأي نشاط فكري إنساني، وكلما ارتقى أسلوبنا الفلسفي في التجريد كلما اقتربنا من ميلاد الفكر الفلسفي. ولعل أفضل مثال يفهمنا القصد بالفرق بين العلاج العلمي الفلسفي الذي بلغ درجة التنظير الذي يعتد به والعلاج الفني الذي لا يستأهل اسم العلم والفلسفة، ما نلاحظه من فرق بين النحو الخاص بإحدى اللغات وعلم اللسان الذي يدرس اللسان بما هو لسان دون اعتباركونه هذه اللغة أو تلك. فالأول مجرد صناعة تستهدف اكتشاف بعض القواعد المساعدة على تعليم لغة من اللغات، والثاني علم يسعى إلى فهم الظاهرة اللغوية بما هي ظاهرة لغوية([2]).

 

 

ومن هنا يمكن القول أن الأنساق الفلسفية مجرد أمثلة توضيحية للنظرية الفلسفية وليست موضوعات لها تستمد منها النظريات بالمنهج الاستقرائي. فالمضمون العلمي فيها هو حقائق حاصلة يصوغها الفيلسوف للتدليل على نسقه ولا يكتشفها به. فالمنهجية الفلسفية منهجية تمثيل وتعليل بعدي رغم ادعاء أصحابها الطابع القبلي، لذا سرعان ما ينقلب النسق الفلسفي عند الفلاسفة إلى عائق يحول دونهم ومواصلة الإبداع العلمي في مجالهم. فالفكر الفلسفي هو فكر (ما بعدي) دائما لفكر عصره النظري الأرقى، سواء كان الموضوع نظريا وطبيعيا أو عمليا وإنسانيا. إذ هو لا يمكن أن يسهم بالنقد واقتراح البدائل لما لم يتقدم عليه في الوجود الحاصل أو الممكن([3]).

 

 

ومعنى هذا أن الفلسفة هي عملية مساءلة متجددة لثمرات العلوم الطبيعية والإنسانية عن دلالاتها المرتبطة بتساؤلات الانسان الكبرى حول طبيعة الحياة، غايتها، معنى الحقيقة، طبيعة العلم الإنساني. وهي بهذا المفهوم تعتبر شرطا في الدين الطبيعي الذي هو استعداد لفهم الدين المنزل. الدين الطبيعي يعني تدين الانسان بمقتضى فطرته قبل وصول الدين إليه من خلال مساءلته المستمرة لما حوله من الأشياء عن الدلالة التي تحملها عن وجود الكون والانسان.

أي أن المشتغل بالفلسفة لابد أن يكون عالما في تخصص من التخصصات الطبيعية أو الإنسانية حتى يكون قادرا على التفلسف = أي التساؤل حول معنى الظاهرات، بل ويعتبر هذا الشرط علامة للتمييز بين التفلسف الحقيقي والتفلسف الزائف. ومن هنا يستنكر المرزوقي قائلا: كيف لمن هو ليس عالما في أيبعد من أبعاد الظاهرات الإجتماعية (كالاقتصاد والاجتماع..) أن يتفلسف في مصائر الأمم ؟ فإذا كانت الفلسفة لا ترد إلى هذه الفنون العلمية الإنسانية فهي كذلك ممتنعة من دونها لكونها شرط إدراكها المتجاوز تماما كما هو الشأن بالنسبة للتفلسف في الطبيعة الذي لا غنى له عن العلوم الطبيعية.

 

 

إن التفلسف هو مراجعة للوصف العلمي لموضوع معين إما لذاته أو باعتباره أساسا لتعميم نموذجه التفسيري بالمقارنة بين الواقع منه ومثاله الأعلى بمقتضى حده([4]). لذا فكل من لم يتخلص من الحجب اللفظية يبقى حبيس التبسيطات المدرسية فلا يشرع في التفلسف مهما اتسع اطلاعه، بل لعل اتساع الإطلاع في هذه الحالة يصبح أكبر العوائق لظن صاحبه أنه بديل من حدة النفاذ وعمق الفهم[5]. فعلى سبيل المثال نجد أن ابن خلدون لم يعتبر الفلسفة العملية الموروثة عن اليونان علما نهائيا بل عدّها مجرد محاولات فلسفية لا صلة لأغلب تهويماتها بما يحدث فعلا في الوجود الاجتماعي. لكن فلاسفتنا من الفارابي لابن رشد تصوروا مضمون محاورتي الشرائع والجمهورية علما عمليا مطلقا بدلا من النظر في إعادة صياغته لإثرائه بالأحداث الجديدة التي لم يكن بوسع أفلاطون أن يعلمها… أراد الفلاسفة أن يغيرّوا الحقيقة لتصبح مطابقة لما يتصورونه علما مطلقا. لم يفهم منظّرونا بعد أن الكلي العملي ليس أمرا حاصلا دفعة واحدة بل هو في صيرورة دائمة يزداد خلالها ثراء بالمضمونات الجديدة التي تطرأ عليه فتطور شبكاته النظرية تطويرا يجعلها قادرة على الإمساك بالأحداث الجديدة وتفسيرها بتصور ما يمكن أن يكون قوانينها([6]).

 

 

ويرى المرزوقي بأن جل القول الفلسفي العربي ما يزال أقرب إلى القول الإنشائي الفوقي ومن ثم إلى القول العقدي البعيد شديد البعد عن القول العلمي لكونه لم يصبح ذا أثر يحدده الجدل الدائم بين الممارسة النظرية والممارسة العملية، باستثناء ما تم في مجال العلوم الإنسانية والأدبية لكونه قد حصل بصورة جعلت الممارسة النظرية تتطور بطبعها إلى أن تضع نفسها موضع السؤال الفلسفي فتصبح ذات قول ما بعد ذاتي لها:

 

 

(1) الأولى: هي صفة الانفصال المعرفي بين القول الفلسفي وموضوعه من الممارسات النظرية والعملية. ففي الحالتين استعير القول الفلسفي وكأنه قول تام لكونه لم ينشأ نشأة ذاتية خلال ممارسة النظر والعمل. إذا فجله ليس قولا بصدد التحقيق من خلال جدله مع مضمون مستمد من الممارسات الفكرية التي يكون القول الفلسفي (مابعدا) لها إذا استثنينا ما حصل في بعض العلوم التي يسلم الجميع أنها من إبداع العرب والمسلمين عقلية كانت أو نقلية.

 

 

(2) الثانية: هي صفة الانفصال الوجودي بين القول الفلسفي وشروطه التاريخية. ففي الحالتين لم يكن ما يجري في المجتمع الموضوع الحقيقي للمارسة النظرية وذا صلة وبما بعدها النظري émoticône smile الفلسفة) بل الموضوعات الحقيقية التي يتعلق بها النظر تعامل وكأنها أمر بائد ينبغي التخلص منه، لتعويضه بما يماشي الفكر الفلسفي من الوقائع والمؤسسات والسنن المستوردة. فيصبح الفكر ذا موقف تسلطي لا يعلم الواقع ليعمل فيه على علم بل يغصب الواقع بما يتصوره واقعا حقيقيا يطلب استبداله به نافيا المعطى الفعلي ليعوضه بمعطى عقدي دافعه الأساسي ليس الحاجة الفعلية بل مجرد المحاكاة والتحديث السطحي.

 

 

فالاستيراد الميت يصيب الأمم اللواقح بالعقم لكونه يحول دونها والمعاناة التي يتدرج الفكر من زاده الخاص إلى الإسهام في تحقيق الزاد الإنساني العام تدرجا مسهما في إبداع هذا الزاد، إذ دون ذلك لا تكون الكونية والكلية بين البشر إلا الاشتراك في الحيوانية طبيعة والعبودية للسائد تاريخا([7]). بل إن استثناء العلوم الفلسفية بمنطق سد الذرائع هو العلة الرئيسية في تخلف الأمة الإسلامية ليس في مجال علوم الدنيا وحدها بل وكذلك علوم الدين([8]).

 

 

ويمكن التأكيد على نفس المعنى من زاوية أخرى إذا نظرنا إلى الأفكار والمؤسسات على أنهما منتج ثقافي يعبر عن رؤية لروح موضوعي يحتاج تبنيها إلى تحليل وتأويل ومن ثم فكل استصحاب حال هو بقصد أو بغير قصد استقالة روحية من الواجب الفكري والخلقي عندما يحصل من دون أن يتقدم عليه بحث فلسفي معمق([9]).

 

 

وحتى اليوم لم يسهم الفكر الفلسفي إسهاما جديا في حضارتنا الإسلامية، وذلك لعلتين هما([10]):

 

 

§ العلة الأولى هي بناء المسلمين عمارة قيام حضارتهم المادية ونظامهم السياسي على إلغاء جل مقومات نظرية الإسلام في القيام المادي والسياسي خلال تبنيهم الاضطراري الأنظمة التي كانت موجودة في عصر ثورته.

§ وأما العلة الثانية فهي بناؤهم جل مقومات نظرية الإسلام في القيام الرمزي والتربوي خلال تبنيهم الاضطراري الأنظمة بنفس المنطق فواصلوا نظام الاستبلاد التربوي.

 

ولذا فإن سر توقف فعل التفلسف عندنا هو:

(1) عدم وجود الإبداع العلمي والنظري والمتصل لما بعدهما الطبيعي وبما بعدهما التاريخي.

 

 

(2) أن التجاوز الذي سعى إليه الفكر النقدي الذي نبع من المدارس الدينية فإنه لم يكن من أجل التجاوز المبدع بل كان فقط من أجل الدفاع العقدي عن المذاهب الدينية فلم يتجاوز مرحلة الجدل السلبي إلى مرحلة إعادة البناء المبدع لما بعد طبيعة وما بعد تاريخ جديدين.ولا يغرنك ما تم من علوم رياضية وطبيعية في الحضارة العربية. فهذه كانت بمعزل عن الفلسفة بما هي نظريات حاصلة لا بما هي فعل تنظير يكون واحدا في جميع العصور إذا كان القصد به الفعالية العقلية الباحثة في شروط الإدراك العقلي الهادف إلى التفسير النسبي للظاهرات المدروسة بدليل الأمرين التاليين:

§ أن العلوم الرياضية والطبيعية كانت من الممارسات الضرورية للحياة الاجتماعية والاقتصادية.

 

 

§ الفلاسفة بالمعنى التقليدي للكلمة لم يكونوا ممن أسهم في هذه العلوم بل لو أن العلماء اتبعوهم فاستمعوا إلى ما كانوا يخرفون به لاستحال عليهم أن يتقدموا في العلوم، إذ كان كل سعي جديد لتجاوز العلوم اليونانية يعد عند الفلاسفة معارضة للعقل والعقلانية، فلا وجه للمقارنة بين علم ابن رشد المزعوم مثلا وعلم ابن قرة الحفيد أو البيروني.

 

 

من أجل مواصلة التفلسف

واستنادا على هذا نقول أن الفكر الفلسفي يستند إلي مقومين هما:

§ المقوم الأول هو موسوعة العلوم التابعة عادة للشكل المعروف بالفلسفة والمصطبغ بخصائصه.

 

 

§ وأما المقوم الثاني فهو الموقف الوجودي الذي يؤسس عليه الفلاسفة هذه الموسوعة وما يترتب على هذا الأساس فيها. ولذا فإن منبع التميز الفلسفي عند أمة من الأمم هو تصور ها للهوية عامة، وهويتها خاصة.ومن هنا كانت معرفة الذات منطلقا للاستقلال الحضاري والقيمي. وقد يظن البعض أن الاستقلال ومعرفة الذات يتنافى مع التتلمذ على الغير في مجال إبداعه وسبقه، وهذا غير صحيح، فالتتلمذ ظاهرة طبيعية وهو ظاهرة صحية إذا تم بحسب قوانين التتلمذ الذكي،لكنه يصبح غباء إذا أصبح مجرد محاكاة وقد تربو هذه الخاصية إذا تحولت العلاقة إلى رفض التعلم باسم التحرر من التتلمذ أو باسم فشل التتلمذ، لا مانع من أن نستأنف التعلم الجدي من الغرب([11]).ذلك أننا لم نشرع بعد في التعلم الجدي،ويكفي دليلا على عدم شروعنا في التعلم الجدي:

 

(1) عدم ترجمة أهم الأعمال الفكرية التي تورث التاريخ الإنساني، أو رداءة من ترجم منها.

 

(2) عدم الشروع في التعريب السوي للعلوم الطبيعية والإنسانية.

 

(3) الوضعية التي تدرس بها الفلسفة في جامعاتنا العربية، فهي إما اجترارا للتغني بماض فلسفي وحصر البحث فيما أثر في الغرب. أو مجرد تدريس ميت لتاريخ الفلسفة الغربية متناسيا أن تدريس الفلسفة يكون فاقدا لكل معنى إذا لم يكن ذا صلة حية بالممارستين المولدتين له أعني الممارسة الموضوع،و الأقوال النظرية التي تؤسس للممارسة في هذا الموضوع([12]).

 

(4) أن البحث النظري عامة والبحث النظري في مسائل النظر خاصة، يعده أصحاب الرأي النفعي السائد مجرد سباحة في الأوهام، وهذا الموقف علته غلبة الفكر الفقهي والسوقي (نسبة إلى ذهنية السوق التجارية) على النخب العربية في التقاليد الوسيطة التي لا ترى فائدة في التـأمل الفكري المجرد الذي تعده ابتعادا عن الواقع لظنّها إياه مقصورا على المدارك المباشرة. ومن هنا العزوف عن العلوم الأدوات والعلوم المجردة التي لا يتبين نفعها المباشر.

 

(5) وكذلك أنصاف المثقفين الذين قصروا المعرفة على ملخصات الصحف الأجنبية ذات المنحى الجمهوري التقريبي وظنوها علما وفلسفة يغنيان عن معرفة الأصول اليونانية والعربية والغربية الحديثة والمعاصرة. لذلك بات التوجه إلى القارئ العربي بخطاب جدي – فلسفي نظريا أو دينيا عمليا – شبه مستحيل لكأنه سرعان ما يعزف عنه بمجرد غياب الكلام العام الذي عوده عليه فقهاء الوضع وأنصاف مثقفي الحاضر([13]).

 

بدر محمد باسعد



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.