الرئيسية الأولى

الأحد,7 أغسطس, 2016
«معركة حلب الكبرى»..كيف تفك حصارًا في ستة أيام فقط؟

الشاهد_ حتى الأسبوع الأخير من شهر جويلية الماضي، كانت الصورة الميدانية مختلفة عما هي عليه الآن 180 درجة، مشهد بدأ بنفاد صبر روسي، وقرار بالقيام بعملية شاملة، أطلقت عليها موسكو «عملية حلب الإنسانية»، توغلت فيها حتى مشارف شرق حلب، المنطقة الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية المسلحة، والتي يقطنها أكثر من 300 ألف سوري، وقامت بتوفير غطائَي طيران، واستخبارات للقوات السورية، و«ميليشيات» حزب الله، والحرس الثوري الإيراني، ومن ثم نجحت هذه الحشود في قطع طرق الإمدادات بالكامل، وصولًا إلى إغلاق طريق «الكاستيلو»، ما يمكننا اعتباره أحد شرايين حياة مئات الآلاف هناك، باعتباره منفذًا رئيسًا لدخول المساعدات الإنسانية والإغاثية والمدنيين.

بعد ذلك، وفي الأسبوع الثالث من نفس الشهر، سيطرت قوات نظام بشار الأسد على منطقة «الليرمون»، المنطقة شديدة الحيوية لإطلاق المعارضة السورية لصواريخها، على مناطق النظام غرب المدينة، وليحرم المعارضة مما يشبه «منطقة صناعية كاملة»، شكلت عصب اقتصاد نصف حلب تقريبًا، ومثلت سلة غذاء السوريين المحاصرين هناك.

وفي الوقت الذي اعتادت فيه حلب بشكل ما على تواجد حصار عسكري، ممتد منذ ثلاث سنوات، من قِبل قوات نظام الأسد، إلا أن المعارضة كانت تحتفظ بمدى مكاني لا يتغير تقريبًا، يسمح لعشرات الآلاف من العائلات السورية بالحياة بالحد الأدنى من الاحتياجات الآدمية، إلى أن أتت عملية موسكو «الإنسانية»، لتشكل خطرًا داهمًا على سكان المدينة.

بعد إغلاق «الكاستيلو» وقطع طرق الإمدادات، والسيطرة السريعة على «الليرمون»، بدا وكأن المعارضة السورية، بفصائلها المقاتلة، أصبحت بين مطرقة قوات الأسد وحلفائه، وسندان الغضب الشعبي المتوقع، أو على الأقل خسائر الأرواح نتيجة المجاعة الشاملة الموشكة على الحدوث، ثم زادت موسكو الضغط على الداخل، وأعلن وزير الدفاع، «سيرجي شويجو»، إنشاء أربعة «ممرات آمنة»، ثلاثة منها لمن يريد الخروج من المدنيين السوريين، من داخل حلب إلى خارجها، ورابع لمسلحي المعارضة في الشمال والشرق، عبر طريق الكاستيلو، «لمن أراد أن يستسلم منهم، ويحصل على خروج آمن».

وبينما لم يكتف نظام الأسد بإعلان وزير دفاع موسكو، فأرسل رسائل شخصية للهواتف المحمولة لسكان المناطق الشرقية، تحثهم على ترك منازلهم، وحلب بالكامل، وبدء النزوح، وألقى طيرانه الحربي منشورات تحث على نفس الأمر، بينما يحدث ذلك، كانت المعارضة المسلحة، ممثلة في «جيش الفتح» وحركة «فتح حلب»، يعدان لتغيير الدفة بالكامل.

متى كانت البداية؟

في 31 نهاية شهر جويلية  الماضي، خرج علينا «أبو يوسف المهاجر»، الناطق العسكري باسم حركة «أحرار الشام»، إحدى الفصائل المكونة لجيش الفتح، في تسجيل مصور؛ معلنًا بدء العمليات في نفس اليوم، وقال أبو يوسف إن إعداد الخطة بدأ منذ عشرين يومًا، أي في العاشر من نفس الشهر تقريبًا، ثم انتهت غرفتا العمليات: للجيش، وحركة فتح من الإعداد، ليبدأ التنفيذ بُعيد عصر ذلك اليوم، مضيفًا أن خط المعركة يمتد حوالي عشرين كيلومترًا، ويمتد من ساتر السابقية، جنوب المدينة، وحتى مدرسة الحكمة، إحدى أهم معاقل ميليشيات نظام الأسد.

مع بداية المعركة، بدأ العمل الأهلي ليؤكد أن أهل حلب على قلب المعارضة ضد النظام، كما بدا من خلال الحملة التي شارك فيها الكثيرون منهم لمساعدة المعارضة، عن طريق إشعال آلاف الإطارات المطاطية في الشوارع، لخلق سحابة سوداء تغطي على الطيران الحربي السوري والروسي، فلا يستطيعان استهداف قوات المعارضة على الأرض، حملةٌ بلغت شعبيتها أن كان عمادها الأساسي «الأطفال الحلبيون».

وبينما يشعل الأطفال مع قوات المعارضة الإطارات المطاطية، في شوارع حلب وريفها، وعلى الجانب الآخر أعلن الدفاع المدني حالة الطوارئ بالمدينة، وريفها الغربي تحديدًا، وطالب الحلبيين بعدم التجمع في الشوارع، لمنع استهدافهم بصواريخ الغارات الجوية وبراميلها المتفجرة، وحذر أيضًا في بيانه مما أسماه «خدعة الممرات الآمنة»، موثقًا مقتل سوري أثناء محاولته عبور ممر آمن من الممرات الروسية، وموثقًا أيضًا مقتل 160 مدني سوري أثناء محاولتهم عبور الكاستيلو في وقت سابق.

المعارضة تتقدم ببراعة

بدأت العمليات كما حدد أبو يوسف المهاجر تمامًا، لنرى في نفس يوم بداية العمليات باستهداف مدرسة الحكمة، وهذه المرة لم تدخل المعارضة في قتال مباشر بداية، وإنما أرسلت مقاتلين قادا سيارتين مفخختين، وفجرا نفسيهما في مبنى المدرسة؛ ليوقعا عشرات القتلى من قوات وميليشيات النظام بانفجارين ضخمين، كما أفادت وسائل الإعلام المحسوبة على المعارضة السورية، ثم تم أسر 12 من قوات النظام، بينما فر عشرات آخرون من المبنى، كما وضح في تسجيل آخر لتمشيط المدرسة، وتم تسجيل العملية بجودة عالية، ونشرته جبهة «فتح الشام»، إحدى مكونات جيش الفتح على قناتها على موقع «يوتيوب».

بعد ذلك، وفي يوم الاثنين الأول من الشهر الحالي، أوت 2016، أعلنت المعارضة عن سيطرتها على المزيد من المناطق غرب المدينة المحاصرة، حيث قال جيش الفتح إنه سيطر على حي «1070 شقة» غرب حلب، وأخرج منه 60 عائلة محاصرة بعيدًا عن جبهة القتال، في إطار سعيها لقطع الطريق الدولي بين حلب والعاصمة «دمشق»، أحد أهم طرق إمداد قوات نظام الأسد باحتياجاتها «اللوجستية».

حتى صباح ذلك اليوم زادت خسائر قوات الأسد بشكل ملحوظ، خمس دبابات مدمرة في «الراموسة والحويز والراشدين»، وتحييد قاعدة صواريخ «كورنيت» في الأكاديمية العسكرية، إحدى أهم قواعد نظام الأسد في حلب، وثلاث دبابات اغتنمتها المعارضة من عملية مدرسة الحكمة، وبضعة أسلحة خفيفة أخرى، ثم نجحت في ساعات الاثنين الأخيرة من السيطرة على قرية «العامرية، وسواتر السابقية، وتلال مؤتة، وأحد، والجمعيات»، ثم سقطت «تلة المحروقات» في قبضة المعارضة في اليوم التالي مباشرة، الثلاثاء 2 أوت، في إطار نجاح نسبي دفع نظام الأسد لسحب نسبة لا بأس بها من قواته، من ريفي «حمص الشمالي، وحماة الشمالي»، ودفعهما لخطوط المواجهة المشتعلة في حلب.

صورة توضيحية للمناطق التي سيطرت عليها المعارضة (باللون الأخضر) حتى صباح اليوم، مقابل مناطق النظام (باللون الأحمر)، وبينهما مناطق الاشتباكات الكثيفة (باللون الأزرق)

لم تبخل روسيا بتقديم غطاء جوي مكثف وعنيف، استغلالًا لنقطة ضعف المعارضة الكبرى، بعدم وجود طيران أو مضادات طائرات، ولدعم قوات نظام الأسد، ومحاولة وقف تقهقرها الآني، إلا أن يوم الاثنين لم يمر بسهولة على موسكو، وحمل أخبارًا سعيدة لقوات المعارضة، حيث سقطت مروحية عسكرية من طراز MI-8 السوفيتية، وعلى متنها 5 أفراد من القوات المسلحة الروسية، قضوا نحبهم جميعًا لتكون الخسارة البشرية الأكبر لروسيا منذ تورطها في الصراع السوري.

وبالرغم من تعاون سكان حلب مع المعارضة، وحملات إشعال الإطارات المكثفة، إلا أن ذلك لم يصمد بالطبع بشكل كبير أمام الغارات الجوية، التي بدا، وكأنها تستهدف الجميع بشكل عشوائي، فوقع عشرات القتلى من السكان المدنيين منذ بدء «المعركة الكبرى»، معظمهم نساء وأطفال، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

قصفٌ لا ينتهي

في الوقت الذي تقدمت فيه المعارضة على جبهات عدة، في الأربعة أيام الأولى من شهرنا الحالي، فإن قوات نظام الأسد لم تفقد شراستها في مناطقها الأساسية، بينما انسحبت ميليشياتها بسرعة شديدة، وبلا مقاومة من بعض المناطق الأخرى، كمشروع الألف شقة مثلًا، بحسب مؤيدين للنظام استنكروا ما حدث، وتركت الميليشيات مهمة استعادة المناطق المحاصرة بشكل أولي للطيران الروسي، الذي كثف قصفه على جميع المواقع التي استعادتها المعارضة؛ لتحقيق هدف رئيس، وهو: منع المعارضة من تحصين هذه المناطق، وبالتالي خفض نسبة استعادتها من قبل قوات النظام لأدنى مستوياتها، إلا أن موسكو لم تنجح في ذلك.

وفي الوقت الذي ادعت فيه موسكو توفيرها لـ «ممرات آمنة»، وأن المروحية التي أسقطتها المعارضة كانت في «مهمة إنسانية»، بحسب تصريحات رسمية، فإنها خالفت كل منطق في هذه التصريحات، لتقصف مخيمات النازحين قرب مدينة «الأتارب»، في ريف حلب الغربي، يوم الخميس الماضي، وتقتل طفلة وتصيب العشرات، والأهم أن موسكو لم تستخدم صواريخًا فراغية أو عادية هذه المرة، وإنما استخدمت قنابل عنقودية «أسلحة محرمة دوليًا».

وبحسب مصادر متعددة، يقتل الطيران الروسي يوميًا عشرات المدنيين في حلب فقط، بدون حصر بقية ضربات الطيران في سوريا، سواء كان روسيًا/ أو طيران التحالف الدولي، فقتلت موسكو أكثر من 40 مدنيًا في حلب، يوم الأربعاء الماضي، وقتلت أكثر من 60 آخرين في الـ 24 ساعة الماضية، وشنت مئات الغارات على أغلب مناطق حلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة، ومعها الطيران السوري بالبراميل المتفجرة، فيما بدا، وكأنه أكبر استهلاك شهدته موسكو لطيرانها منذ فترة طويلة نسبيًا.

بالرغم من ذلك، فإن المعارضة السورية أعلنت احتفاظها بجميع المواقع المستعادة حتى حينها، بالرغم مما أثير في الأيام الماضية عن استعادة النظام لبعض تلك المواقع، بعد فقدانه السيطرة عليها، كتلة المحروقات مثلًا، والعامرية، ليبقى الوضع النهائي وقتها كما أعلن جيش الفتح، وتبقى المرحلة الثالثة من المعركة، والأهم، وهي تكثيف الضغط على كلية المدفعية في الراموسة، معقل النظام الأهم في جنوب حلب.

بعد تكثيف الضغط، فعلها جيش الفتح بالفعل، حسبما نشرت «الجزيرة» اليوم صباحًا، وبمعاونة بقية الفصائل أعلن سيطرته على كليتي المدفعية، والتسليح، بالإضافة إلى كتيبة التعيينات في الجنوب؛ ليصبح ذلك التقدم الأهم على الإطلاق منذ بداية المعارك، ولا يتبقى بذلك إلا المعهد الفني الجوي، ضمن منطقة كلية المدفعية كاملة.

على الجانب الآخر، نفى نظام الأسد سقوط كليتي المدفعية والتسليح، وأعلن أنه أحبط هجومًا شاملًا عليهما، وقتل مئات من مسلحي المعارضة، إلا أنه لم يقدم دليلًا واحدًا على ذلك، مقابل تصوير فيديو للهجوم الانتحاري الممهد لاقتحام كلية المدفعية، والذي قال عنه قادة في المعارضة، إنه أوقع عشرات القتلى من قوات النظام، تمامًا كهجومي مدرسة الحكمة.

بعد ظهيرة اليوم، السادس من أوت بساعة واحدة، أعلنت غرفة عمليات جيش الفتح بدء اقتحام المعهد الفني الجوي، المعروف أيضًا بالكلية الفنية، معقل النظام السوري الفرعي، ضمن معسكرات سيف الدولة، والأهم في جنوب حلب، معركة خاضتها المعارضة تحت اسم «إبراهيم اليوسف»، نسبة إلى الضابط السني «إبراهيم اليوسف»، الذي قام بتصفية أكثر من مائتي ضابط علوي في الثمانينات من القرن الماضي، لتبدو روايات جيش الفتح الأقرب للصواب، في ظل عدم تقديم النظام ما يثبت صحة ما يعلنه.

ثم كان النصر

بعد نصف يوم قتالي حافل، بدأ في الصباح بهجوم شامل من فيالق المعارضة المسلحة، سقطت معسكرات سيف الدولة بالكامل، وهي الاسم الأصوب لما يتعارف على تسميته بـ «كلية المدفعية»، مساحة السبعة كيلومترات الأهم للنظام في جنوب المحافظة، منطقة تضم كلية المدفعية، وكلية التسليح، والمدرسة الفنية الجوية، والمعهد الملاحي الجوي، ومستودع التعيينات، واشتهرت بتسمية كلية المدفعية كونها الكلية الرئيسة فيها.

تطل المعسكرات على طريقي «حلب – الرقة» و«حلب – حماة»، وتمتد على مساحة سبعة كيلومترات مربعة، ويمكن منها السيطرة على مجال القصف الأرضي في جميع اتجاهات المحافظة تقريبًا، وصولًا إلى مسافة 40 كيلومترًا كاملة، ومنطقة رمي مباشر، حتى قلعة حلب، ومطار النيرب العسكري، مطار النظام الرئيس هناك، والذي شاع في الأيام الماضية قصفه من قبل طائرات النظام نفسها؛ لوجود نزاع داخلي بين ميليشيات الأسد.

بسقوط كلية المدفعية «معسكرات سيف الدولة»، يكون النظام قد فقد مكمن قوته المركزية، ليس في حلب وحدها، وإنما في الشمال السوري بالكامل، مراحل ثلاث حتى الوصول إلى هذه اللحظة، وعشرات القتلى من المدنيين، ومئات من قوات النظام، بينما لم يعرف تعداد قتلى المعارضة على وجه الدقة.

بعد سقوط المعسكرات لم يتبق الكثير، وبالفعل التقى مقاتلو المعارضة من داخل المدينة بمقاتلي المعارضة الآتين من جنوب حلب، لينفك الحصار بالكلية، كما أعلنت جبهة فتح الشام، ولتصبح الراموسة بالكامل تحت سيطرة المعارضة، بينما لم يتبق للنظام، إلا طريق الكاستيلو كخط إمداد وحيد لقواته في المدينة.

صمت واشنطن

في الوقت الذي استنفرت فيه موسكو قوتها في حلب، في الأيام الستة الماضية، ولم تنجح في منع سقوط قوات الأسد، بدت واشنطن صامتة، أو على أقصى تقدير «معترضة»، كما قال الرئيس الأمريكي «باراك أوباما» أول أمس الخميس، عندما شبه ما يحدث من حصار لحلب بـ «حصار المدن إبان القرون الوسطى»، متهمًا سوريا وحلفاءها بتجويع المدنيين والمشاركة في أعمال قتالية ضدهم.

وانتقدت صحيفة «الفايننشال تايمز»، في افتتاحيتها يوم الخميس الماضي، ما وصفته بالصمت الأمريكي «المثير للصدمة»، وعدم فاعليتها أمام ما يحدث من جرائم حرب في حلب، على حد وصفها، واعتبرت افتقار قادة واشنطن وأوروبا للمبادرة «نوعًا من الرضوخ».

واعتبرت الفايننشال حينها سقوط المناطق الشرقية في قبضة النظام، وهزيمة فصائل المعارضة السورية المسلحة، أنه حدث، بمثابة بدء سلسلة نهاية الثورة السورية الملحمية، وأن أقوى معاقل المعارضة لابد وأن يظل في قبضتها، وأن محاولة المشاهدة من بعيد والتخلي الأوروبي الأمريكي عن التدخل هو «محض وهم» لا أكثر.

بعيدًا عن السياسة وألاعيبها، والتصريحات الرسمية التي لا تعبر غالبًا عما يجري على أرض الواقع، فإن محاولة فك الحصار هذه المرة، أو بالأحرى الهجوم الشامل على قوات النظام، هو الأكثر جدية وخطورة منذ بدء الثورة السورية، من حيث التخطيط، والتقدم على الأرض، وعدم تأثر قوات المعارضة بشكل ضخم بهجمات الطيران بالغة الكثافة، مقارنة مع ما سبق، بالإضافة إلى التنسيق نادر الحدوث بين الآلاف من المقاتلين، فيما بدا وكأنها معركة حياة أو موت، للمعارضة والنظام على سواء، معركة ستغير وجهة الصراع الدامي المستمر منذ سنوات كليًا.

ساسة بوست