تحاليل سياسية

الأربعاء,19 أكتوبر, 2016
معاناة تونس مع “حزب الرئيس” متواصلة…من “الحزب الدولة” إلى “الحزب المنهك للدولة”

فتحت ثورة الحرية و الكرامة في تونس المجال السياسي على مصراعيه للتنافس و التدافع الذي يفترض أن يكون دعامة رئيسية في إرساء التعددية و تثبيت الديمقراطيّة و كان الدستور التونسي الجديد و إنجاز ثلاث إنتخابات نزيهة و شفافة و حرة إلى جانب حرية التنظم و التعبير أبرز المكاسب التي يفترض أن تكون ثمرة لتضحيات كبيرة و لدماء شهداء سقطوا في مقارعة الدكتاتورية.

بسبب موت السياسة طيلة عقود من الزمن أقبلت النخب التونسية على فكرة التنظم بنهم كبير بعد الثورة فتكونات العشرات من الأحزاب و المئات من الجمعيات و المنظمات و هذا أمر محمود بل مطلوب للقطع مع الشخص الواحد و الحزب و التأسيس لإدارة الإختلاف غير أن المشهد العام في البلاد لا يزال يعاني إشكاليات كبيرة بسبب إهتراء النخب و ترذيل السياسة و السياسي بأشكال و طرق مختلفة و كذلك بسبب تأزّم المشهد الحزبي و المدني.

يطول الحديث في أزمة المشهد السياسي في تونس خاصة و أن للموضوع مداخل و أشكال و صور مختلفة و لكن إحداها و أهمها ما تشهده بعض الأحزاب السياسية الكبيرة من أزمات متراكمة و متفاقمة غيّبت بشكل كبير المصلحة الوطنيّة و أغرقت المشهد و أنهكت الدولة و الخشية الكبيرة اليوم أن تكون لهذه الأزمات إنعكسات أخرى أخطرها تفكّك مجتمع صنع نموذجا بلحمته و بقدرة جزء واسع من نخبه على إدارة الإختلاف بالحوار.

إحدى متلازمات المشهد الحزبي في تونس المثيرة للإهتمام “أزمة حزب الرئيس” و إنتعكاسات السلبية على البلاد و على مشهد الحكم و هو ما يبدو أنه أمر بات منتظرا بعد أن كان قد حدث سابقا في حزب المؤتمر من أجل الجمهورية مع دخول المنصف المرزوقي إلى قصر قرطاج و هاهو يتكرّر اليوم مع حركة نداء تونس.

لم يمض على دخول المنصف المرزوقي قصر قرطاج أسابيع قليلة بعد إنتخابات 23 أكتوبر 2011 حتّى إنفجر حزبه المؤتمر من أجل الجمهوريّة و تحوّل إلى ثلاث أحزاب بثلاث رؤوس مختلفة و قد عرف الحزب هجرة عدد من قياداته من مشهد الحكم و السلطة إلى مشهد المعارضة ما أضعف الحزب و أربك الإئتلاف الحاكم حينها.

نفس ما حصل مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية يحصل اليوم مع حركة نداء تونس التي ما إن وصل مؤسس الحزب الباجي قائد السبسي إلى قصر قرطاج حتى عرفت أزمة عاصفة أدّت إلى إنقسام الحزب و كتلته البرلمانيّة و هاهو ما تبقّى من الحزب و الحزب المتكون من المنشقين عنه يعيشون أزمات عاصفة متجددة لنفس الأسباب تقريبا داخلهما.

متلازمة “حزب الرئيس” تحوّلت في الواقع من “التصفيق” و “التقرّب” و “التسلّق” و التماهي مع الدولة كما كان يحدث مع التجمع المنحل إلى “الإنفجار” و التأزم” و “الصراعات” بعد الثورة و قد تكون هذه الصورة إحدى الصور القاتلة للسياسة مجددا و هي بدون شكّ مرذّلة للسياسة و السياسيين و لكن الخوف الأكبر من أن تتحوّل إلى كارثة على الدولة خاصة في ظل مناخات التوتر الإجتماعي و الأزمة الإقتصادية الحالية.