كتّاب - وطني و عربي و سياسي

السبت,4 يوليو, 2015
مصر … ما أشبه اليوم بالبارحة

الشاهد_قبل حوالى خمسين عاماً، أصدرت محكمة مصرية حكماً بالإعدام على سيد قطب، أحد أبرز منظري الإخوان المسلمين، وأكثرهم تأثيراً في الحركات التكفيرية والجهادية في العالم العربي.

وعلى الرغم من مناشدات كثيرة تلقاها حينها الرئيس الراحل، جمال عبد الناصر، لثنيه عن تنفيذ الحكم، إلا أن ذلك لم يُجدِ نفعاً وأُعدم صاحب (معالم في الطريق).

وشكل إعدامه نقطة تحول في السياق السياسي والثقافي العربي المعاصر، حيث ساهم ذلك، بشكل كبير، في نزوع قطاع كبير من الإسلام السياسي نحو تبني العنف ورفض الاختلاف وزرع جذور الإرهاب.

اليوم، ومع صدور أحكام بالإعدام على الرئيس المعزول محمد مرسي، وقيادات إخوانية أخرى بارزة، يبدو كأن التاريخ يعيد نفسه؛ إعادة تحيل على إفلاس مُدوّ للوعي والفكر والممارسة، وعلى عدم التحلي بالحد الأدنى من النباهة والنضج في التعاطي مع وقائع التاريخ، باستعادتها وقراءتها وفهمها في أفق استخلاص بعض العبر منها.

وفضلاً عن أن هذه الأحكام تعبر عن انسداد الأفق السياسي للنظام المصري، وفشله في إضفاء الشرعية على الانقلاب الذي نفذه قبل حوالى سنتين، فهي تعبر، أيضاً، عن الأزمة البنيوية العميقة التي تعيشها العسكرتاريا المصرية منذ عقود. أولاً، بإخفاقها المتواصل في استيعاب المتغيرات العميقة التي طالت مختلف أنماط الوعي والتفكير والسلوك. وثانياً، في عجزها عن الاستفادة من أخطائها التاريخية الكبرى.

سيكون انتحاراً سياسياً من عبد الفتاح السيسي إن أصر على تنفيذ هذه الأحكام، فإعدام مرسي سيحوله إلى أسطورة حية بالنسبة للإسلام السياسي في المنطقة العربية. سيعيد ذلك، إن حدث، السيناريو نفسه؛ حركة الإخوان المسلمين باعتبارها التنظيم/الضحية دائماً، في مواجهة طغمة عسكرية مستبدة ومستأسدة بأجهزتها الأمنية، وسطوتها القمعية.

وبالطبع، لا بد من الأخذ بالاعتبار اختلاف السياقات والأدوار التي تصنع الفارق في دلالتها وتأثيرها، فمرسي هنا ليس مجرد خصم فكري وسياسي شرس، كما كان أمر سيد قطب، إنه رئيس شرعي منتخب بطريقة ديموقراطية، أفرزته صناديق الاقتراع التي طالما اتُهمت الحركات الإسلامية بعدم الإيمان بشرعيتها.

يكتسي الأمر صعوبةً أكثر بالنسبة للسيسي، إذا هو فكر بإعدام غريمه، فالقاعدة الاجتماعية المعارضة لانقلاب الثالث من جويلية 2013 ما فتئت تتسع أكثر، والسخط الشعبي بسبب فشله في تحقيق وعود أطلقها منذ وصوله إلى السلطة، يتنامى بشكل ملحوظ. كما أن الحملة الممنهجة ضد كل ما له علاقة بثورة يناير، تؤجج يوماً بعد يوم غضب قطاعات واسعة داخل القوى الثورية والمدنية التي كانت وراء إطلاق شرارة الثورة، قبل أربعة أعوام.

وإذا كانت هذه القوى تعيش حالة ارتباك سياسي واضحة، فإن اطمئنان سلطة الانقلاب لهذا الأمر يبدو مغامرة غير محسوبة، في ظل حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي الراهنة، واحتمال تشكل اصطفافات جديدة في الشارع المصري.

على ضوء ذلك كله، قد لا نبالغ إذا قلنا إن سلطة الانقلاب في مصر تعيش حالة تخبط، فيما يتعلق بصراعها مع الإخوان، فهي، من جهة، تعي جيداً التبعات التي يمكن أن تترتب على إعدام الرئيس المعزول وغيره من كوادر التنظيم؛ إعدام قد يدفع مصر، بما تمثله من ثقل في المنطقة، إلى نقطة اللاعودة التي تؤدي إلى انفجار الوضع.

كما تدرك هذه السلطة أن مثل هذا الإعدام قد يتحول، بين عشية وضحاها، إلى مذبحة تتداولها وسائل الإعلام المختلفة، مع ما يواكب ذلك من أعباء أمنية وسياسية وإعلامية ثقيلة، لا يبدو أنها مستعدة لتحملها.

غير أنه من جهة أخرى، يمكن أن تضيق أمامها دائرة الخيارات وتقدم على هكذا انتحار بالمجازفة بإعدام مرسي ومن معه، خصوصاً في ظل أنباء عن تصدعات تعرفها المؤسسة العسكرية، وحالة الارتباك التي تعيشها هذه السلطة، في تعاطيها مع بعض الجهات المؤثرة في صنع القرار في الغرب، والتي باتت تنظر إلى السيسي على أنه ورقة محروقة، بسبب فشله في إنجاز “تسوية معينة” مع الإخوان، تُجنب البلاد والمنطقة خطر الانزلاق نحو المجهول.

غير أن محللين يستبعدون لجوء السلطات المصرية إلى إعدام قيادات الإخوان، فإصدار هذه الأحكام لا يعدو كونه رسالة من السيسي إلى القوى الإقليمية والدولية، مفادها أن أي ترتيبات قادمة لا يمكن أن تتجاوز نظامه الانقلابي، خصوصاً في ظل الفوضى والخراب اللذيْن يعصفان بالمنطقة، حيث تتزايد الأطماع الإيرانية، وتتصاعد قوة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية وليبيا، وتتجه الأوضاع في اليمن إلى مزيد من التردي.

ما يعني أن الغاية من إصدارها ابتزاز هذه القوى في أفق الحصول على شرعية خارجية، تخفف من حدة المأزق الذي تواجهه سلطة الانقلاب، بفعل إخفاقها في إسكات الأصوات المعارضة، ثم أيضاً بفعل التحول الذي طرأ على موقف بعض هذه القوى، خصوصاً الولايات المتحدة والسعودية، والتي باتت ربما أكثر اقتناعاً بضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة في مصر، يجنب الأخيرة انفجاراً لا يمكن التنبؤ بتداعياته على المنطقة.

لعل من أعطاب الفعل السياسي في عالمنا العربي عدم الاستفادة من الدروس والعبر التي تقدمها الوقائع التاريخية المتعاقبة. وإذا كان التاريخ، في بعض السياقات، قد لا يعيد نفسه بالضرورة، ففي السياق العربي غالباً ما يعيدها. لكن، بصيغة قد لا تظهر فيها الفوارق بين المأساوي والهزلي.

محمد أحمد بنّيس