أهم الأخبار العالمية : عربي و دولي

الجمعة,5 يونيو, 2015
مصر: خدعة جديدة لقضاء الإنقلاب

الشاهد_لم يقض الرئيس المصري المخلوع، حسني مبارك، أو “الفرعون”، كما يلقّبه ملايين المصريين، يوماً واحداً في أي من السجون المصرية عقب الثورة في 2011، بل كانت إقامته في أقصى درجات الرفاهية طوال فترة محاكمته ما بين المجمع الطبي العالمي ومستشفى المعادي العسكري.

وكان يتنقّل أثناء المحاكمات في طائرات وتأمينات بلغت كلفتها ملايين الدولارات خلال الأربع سنوات ونصف السنة الماضية، مما جعل أحد محامي الدفاع عن أسر شهداء الثورة للقول “ليتني كنت قاتلاً، حتى أُعامَل مثله”.

مسار محاكمة مبارك، طوال السنوات الماضية، دفع أيضاً أحد كبار فقهاء القضاء في مصر للتقليل من أهمية الحكم الصادر، أمس الخميس، من قبل محكمة النقض التي قضت بإعادة محاكمة مبارك، بعدما قررت قبول طعن النيابة العامة على قرار محكمة الجنايات بعدم جواز نظر الدعوى المقامة ضد الرئيس المخلوع، محمد حسني مبارك، في قضية قتل المتظاهرين في 2011. وحددت المحكمة جلسة الخامس من نوفمبر، لإعادة محاكمته أمام محكمة النقض.

ورأى فقيه قانوني أن “الحكم الصادر عن محكمة النقض في جلسة أمس، الخميس، لم يكن إلا خدعة جديدة للشعب المصري، إذ تكمن حقيقة الأمر في أنّ مبارك أصبح على بعد خطوات ليس من البراءة فحسب، والتي باتت محسومة، بل نحو تجميل وتبييض سمعته، بل ولتصبح صورته بعد 5 سنوات من المحاكمات، شملت مراحل الإدانة ثم البراءة ثم الطعن على البراءة ثم الحكم النهائي بالبراءة، ليكون في النهاية بريئاً من كافة اتهامات الفساد وقتل المتظاهرين”.

وأضاف “في الحقيقة، إنّ ما حدث، هو أيضاً بمثابة محاولة مكشوفة لغسل سمعة القضاء، التي وصلت إلى مستوى الحضيض محلياً ودولياً”.

ويتابع المصدر:”مَنْ أكّد على براءة المتهم الأصلي في جريمة قتل المتظاهرين، يدرك تماماً أنّ لديه في هذه البراءة السند القانوني، والدليل على براءة مبارك من تهمة الاشتراك في الجريمة”. ويشير الفقيه القانوني إلى أنّ “ما حدث اليوم، يؤكد أن القضاء المصري لم يعد بخير، لأنّ خطوط التماس والالتقاء كثرت وتعددت وتشعّبت بين ما هو سياسي، وما هو قانوني”.

ويكشف أحد أعضاء هيئة الدفاع عن المدّعين بالحق المدني، عمّا وصفه، بـ”سيناريوهات محاكمة مبارك”، مشيراً إلى أن “جميعها تشير إلى البراءة بل وتحسمها”. ويشرح: “في السيناريو الأوّل، فإن محكمة النقض (الدائرة التي أصدرت حكمها اليوم)، ستقوم في البداية بنظر الشق القانوني الخاص بجزئية (عدم جواز نظر الدعوى الجنائية)، والاستماع إلى دفاع المتهم في هذا الخصوص. فإذا أخذت المحكمة برأي الدفاع واستقرت في عقيدتها تلك الدفوع المقدمة، فإنها ستقضي بالبراءة بنفس الجلسة على الأرجح من دون الحاجة إلى جلسات إضافية.”

ويتابع القانوني:”أما إذا وجدت المحكمة خلاف ذلك، فإنها ستسير في استكمال المحاكمة من جديد حتى تصدر حكمها، الذي سيكون بشكل حاسم البراءة أيضاً، إذ إن الوضع القانوني للمتهمين الأساسيين، أي مرتكبي الجرائم الفعليين، هو أنهم حصلوا على أحكام بالبراءة، وأيّدتها محكمة النقض التي تنظر المحاكمة.”

ويكمل المحامي: “استقر في عقيدة المحكمة براءة المتهمين، وقضت برفض الطعن وأيّدت أحكام البراءة. ومن ثم فإن الجزئية القانونية، فيما يخص عدم جواز نظر الدعوى الجنائية، ما هي إلا تصحيح قانوني، لتصدر المحكمة بعده حكماً بالبراءة، وفقاً لما استقر في عقيدتها منذ البداية. وفي كلتا الحالتين سيكون حكم المحكمة نهائياً وباتّاً لا طعن فيه.”

من جهته، يؤكّد عضو هيئة الدفاع عن أسر الشهداء ومصابي الثورة، المحامي ياسر سيد أحمد، أنّ “جميع المتهمين حصلوا على البراءة، باستثناء مبارك في جزئية (الاشتراك في الجريمة)، وليس الاشتراك المباشر، وذلك لكون القاضي الذي أصدر الحكم المطعون فيه، حكم بعدم جواز نظر الدعوى”.

ويضيف أحمد:”أتوّقع براءة مبارك في إعادة المحاكمة. فالطعن عن جزئية الاشتراك بالجريمة، والمشترك الأصلي حصل على براءة نهائية من وزير الداخلية الأسبق، حبيب العادلي، وحتى مساعدوه. كما أنّ براءة مبارك مؤجلة فقط، لكنّها ستكون حتمية”. ويكمل:”فالمحاكمة انتهت اليوم بعد أن استهزؤوا بنا في المحاكمات الهزلية”.

وفي سياق متصل، يقول رئيس مؤسسة الشرق الأوسط للحقوق والحريات، المحامي هاني الصادق، ساخراً من حكم اليوم، “لم يبق من المحاكمة، سوى أن يخرج نجومها لتحية المشاهدين، بعد إعادة النظام ذاته، والذي بدأ مع تظاهرات 30 2013، وهو مستمر حتى الآن”. ويتابع: “فإعادة النظام لم يبق لها سوى ظهور مبارك بشخصه ليحيي جمهوره بالعودة”.

ويضيف الصادق أن “تأخير المشهد الأخير من مسرحية المحاكمة، ما هو إلا لمحاولة خداع الخارج من جانب، بأنّ محاكمته ونظامه لا يزالان قائمين. ومن جانب آخر، مرور ذكرى عام على تنصيب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ومحاولة امتصاص حالة الغضب والغليان في الشارع، من الممارسات القمعية، التي باتت أسوأ من عهد مبارك ذاته، ومرور تلك الفترة التي تشهد حشداً ودعوات للتظاهر”.

من جهته، يذهب باحث في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، نحو رؤية أخرى للحكم الصادر بحق مبارك، قائلاً إن “تسييس الأحكام القضائية، أصبح عليه من الشواهد والأدلة، ما يكفي لجعله أمراً يصل إلى البديهيات، التي يشير إليها واقعنا. ومن هنا، يمكن تفسير وفهم الحكم. فهو من جهة، يحاول الخداع بوجود قطيعة سياسية بين نظامي مبارك، الذي ثار عليه الشعب المصري في 25 2011، ونجحوا في إجباره على التنحي. ومن جهة أخرى، فهو يمهّد لتقديم الرئيس المخلوع في ثوب الأبطال، الذين تحملوا الافتراءات وصمدوا، وتعرضوا للسجن، ثم بعد خمس سنوات تقريباً، اتضح أنهم أبرياء”.

وعن تأثير ذلك على المشهد الحالي، يشير الباحث إلى أنّ “المصريين لم تعد تنطلي عليهم مناورات من هذا النوع. هم مشغولون بمشاهد أكثر بؤساً في الأحوال المعيشية والأمنية، والسياسية. أما المراهنة على أنّ الإحباط سيؤدي بهم إلى حالة من الاستسلام، فهي وهم كبير، يمكن أن نستيقظ منه جميعاً على صدمات مروعة على كل المستويات”.