كتّاب

الأربعاء,21 أكتوبر, 2015
مصر بحاجة لخارطة طريق جديدة

الشاهد_ثمة رسالة مهمة وعاجلة نستخلصها مما تم من انتخابات تشريعية فى مصر، خلاصتها أننا بتنا فى حاجة إلى خارطة طريق جديدة.
طبقا للتصريحات الرسمية فى مصر فإن انتخابات مجلس النواب تعد الاستحقاق الأخير لخارطة الطريق التى أعلنها «الفريق» عبدالفتاح السيسى فى الثالث من يوليو عام 2013. إذ تضمنت عشر نقاط رسمت الإجراءات الواجب اتباعها فى ترتيب أوضاع السلطة فى مصر بعد عزل الدكتور محمد مرسى من الرئاسة وتكليف رئيس المحكمة الدستورية العليا بإدارة البلاد لحين الانتهاء من تعديل الدستور وإجراء انتخابات رئاسية جديدة.
الشق الوحيد الذى لم ينفذ من الخطة والمسكوت عليه سياسيا وإعلاميا هو ذلك الذى يتعلق بتشكيل لجنة عليا للمصالحة الوطنية. ذلك أن اللجنة لم تشكل والمصالحة لم تتم. بالتالى فإن الانقسام ظل قائما ومعه الاحتقان، ليس ذلك فحسب ولكن دائرة الانقسام اتسعت كثيرا، ذلك ان الاشتباك فى عام 2013 كان بين السلطة الجديدة والإخوان وحلفائهم. لكنه تطور بعد ذلك وتجاوز تلك الحدود. إذ إن الممارسات اللاحقة كشفت عن اشتباكات أخرى أبرزها ما كان مع ثورة 25 يناير التى عرضت للتجريح والهجوم الذى أزعم أنه أعمق فى دلالته وأخطر من الاشتباك مع الإخوان رغم ما اتسم به الأخير من قسوة وحدة. إلى جانب ذلك حدثت اشتباكات أخرى مع منظمات المجتمع المدنى الحقوقية بوجه أخص، ومع مجموعة 6 أبريل، والاشتراكيين الثوريين، إضافة إلى الفئات التى عارضت قانون التظاهر ورفضت المحاكمات العسكرية. كما شمل بعض عناصر النخبة التى كانت جزءا من تحالف 30 يونيو الذى انقلب على الإخوان.
رغم أن الأضواء سلطت طول الوقت على الصراع مع الإخوان، إلا أن اتساع الدائرة جراء الممارسات التى تمت والقوانين التى صدرت نقلت الاشتباك إلى مستوى آخر، بحيث أصبح فى جانب كبير منه مع تطلعات ثورة 25 يناير ومع الكيانات والنشطاء الذين أعلنوا انحيازهم إلى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
حين أصبح المجتمع طرفا فى الاشتباك. فإن مسألة المصالحة الوطنية أصبحت أكثر تعقيدا وصعوبة. ذلك أنها بطبيعتها تتطلب إرادة سياسية مستعدة لإجراء مراجعات جوهرية للسياسات والقوانين التى أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه. ولأن طبيعة التركيبة الراهنة للسلطة ليست مهيأة لذلك، لم يكن هناك مفر من تأجيل ملف المصالحة حتى إشعار آخر. وكان ذلك فى حقيقته تأجيلات للسياسة لصالح استمرار المسار الأمنى.
لم يكن سارا ولا مطمئنا ان يقدم خبر الانتخابات التشريعية تحت عنوان «مصر تنتخب برلمانا بلا معارضة». وهو العنوان الذى أبرزته صحيفة «الحياة» اللندنية على صفحتها الأولى يوم السبت الماضى 17/10. فى الخبر تفاصيل تؤيد العنوان، تحدثت عن القوائم الثلاث أو الأربع التى شاركت فى السياق، منطلقة من موقف الموالاة والتنافس على تأييد الرئيس، فى المقدمة منها القائمة الأكثر ارتباطا بالمؤسسة الأمنية، التى تولى ترتيبها ضابط سابق فى المخابرات العامة، وضمت خليطا من العسكريين والأمنيين السابقين، إضافة إلى محسوبين على نظام مبارك على حد تعبير مراسل الجريدة بالقاهرة.
رغم أن ذلك التقدير يعد استباقا طالما أن النتائج النهائية لم تعلن، إلا أنه يظل ترجيحا أيده أغلب المحللين والخبراء. إذ لم يعد سرا أن المعارضة بكافة أشكالها أصبحت موضعا للاتهام والتجريح وسببا قويا للاقصاء، حتى جرى ضمها إلى حروب الجيل الرابع. ولا ينسى فى هذا الصدد أن مؤسس حزب المصريين الأحرار، المهندس نجيب ساويرس قال فى اجتماع لحزبه فى 30 سبتمبر الماضى ان مصر لا تتحمل معارضة سياسية فى ظروفها الراهنة، لانها تعرقل عمل الرئيس وتعرض البلاد لهزات لا تحتملها. صحيح أن مرشحى القوائم 120 شخصا يمثلون 20٪ فقط من أعضاء مجلس النواب، وأن نواب المقاعد الفردية (447) يشكلون أغلبية الأعضاء، إلا أننا لن نجانب الصواب إذا قلنا إن «ماكينة» المجلس ــ إذا جاز التعبير ــ سيتولاها خلال السنوات الخمس المقبلة نواب القوائم الذين لهم أجندتهم التى لم تكن الأجهزة الأمنية بعيدة عنها.
إذا صح ذلك التحليل فهو يعيد إلى أذهاننا برلمان 2010 الذى جرى تصميمه على نحو أعطى الحزب الوطنى أغلبية كاسحة، بحيث خلا من المعارضة غالبا لكى يمهد الطريق لتوريث السلطة فى عهد مبارك. صحيح أن الأساليب اختلفت «فطبخة» 2010 تمت بالتزوير الفاضح، أما الطبخة الراهنة فقد خلت من التزوير، وتكفل حُسن الترتيب والتدبير باللازم.
فى ظل ما جرى من ترتيب وتدبير بدا منطقيا أن تغيب المنافسة السياسية بين المرشحين، فى حين تبقى المنافسات العائلية والقبلية والجهوية. وإزاء انفراط عقد تحالف 30 يونيو واختفاء رموزه السياسية على الأقل، فقد ساد اقتناع بأنه برلمان اللون الواحد القادم من خارج السياسة، وان دوره سيظل محصورا فى الموافقة والتأييد. من ثم سيكون معبرا عن السلطة وليس معبرا عن المجتمع. وربما كان ذلك أحد الأسباب التى أدت إلى ضعف الإقبال على التصويت، رغم الجهد الإعلامى الكبير الذى بذل لحث الناس ودفعهم إلى المشاركة، وتوظيف المشاعر الدينية لأجل ذلك. وهو ما دعا عضو مجمع البحوث الإسلامية ومدير جامعة الأزهر الأسبق إلى القول بأن المؤتمرات التى تعقدها قائمة المؤسسة الأمنية تحفها الملائكة بل إن عضوا آخر فى مجمع البحوث أفتى بأن دعاة مقاطعة التصويت مفسدون فى الأرض. وإن المشاركة واجب شرعى كوجوب الصلاة، التى هى من أركان الإسلام ومن تركها عامدا يخرج من الملة ويعد كافرا.
ما حدث (فى اليوم الأول للانتخابات من تراجع) للجنيه فى مواجهة الدولار، ولصناديق الاقتراع فى مواجهة الناخبين، يستحق «المانشيت» الذى خرجت به بعض الصحف فى 26 يناير 2011 (انذار) ــ والمشكلة أن حسنى مبارك وقتذاك لم يقرأ المانشيت جيدا. كان ذلك تعليق الدكتور حازم حسنى أستاذ العلوم السياسية المرموق. الذى أورده فى تغريدة بثها مساء الأحد 18/10. والرجل معروف عنه رفضه للإخوان ومعارضته لهم، ولذلك يتعذر تصنيفه فى معسكر «الضد». لكنه ضمن نخبة الصف الوطنى الذين شاركوا فى ثورة 25 يناير وأيدوا غضبة 30 يونيو. وما ذكره الرجل بمثابة قطرة فى بحر التعليقات التى كانت مواقع التواصل الاجتماعى ساحتها الوحيدة، لأن وسائل الإعلام المعتمدة دفنت رءوسها فى الرمال وواصلت دورها التعبوى بأشكال مختلفة. وجدنا ذلك فى عناوين جريدة الجمهورية النى صدرت أمس (20/10) التى ذكرت أن مصر تبهر العالم من جديد ــ الشعب يتحدى الأرهاب. وجدنا.. ذلك أيضا فى أصوات بعض مقدمى البرامج التليفزيونية الذين لجأ أحدهم إلى تخويف الناس قائلا إن استمرار المقاطعة سوف يسفر عن انتخاب مجلس لنواب قندهار (فى إشارة إلى أن ذلك سيخلى الساحة للسلفيين) ومنهم من لجأ إلى تحذيرهم وتقريعهم قائلا إنكم إذا لم تسارعوا إلى التصويت فليس لكم ان تطالبوا الحكومة بشىء على الإطلاق. أما أغرب تلك التعليقات فكان قول أحد الإعلاميين إن الناس لم يقبلوا على التصويت خوفا على الرئيس السيسى من انتخاب برلمان يقيد حركته ويحد من سلطاته.
فى مقابل ذلك قال أحد الظرفاء إنه توقع من رئيس لجنة الانتخابات أن يعلن عبر التليفزيون عن شكره للمصوِّتين ويذكر اسماءهم واحدا واحدا. وقال آخر انه تطوع بدعوة المصِوِّتين إلى العشاء فى مطعم للفول المدمس ووعد بأن يحجز لهم طاولة خاصة فى مكان منعزل. وقال ثالث إنه تابع إحدى القنوات الكوميدية فوجدها ثقيلة الظل، لكنه حين تابع قنوات متابعة الانتخابات فإنه لم يتوقف عن الضحك. ونقل رابع حوارا بين اثنين قال فيه أحدهما إنه قرر أن يذهب فى اليوم التالى إلى لجنة التصويت للانتخابات، وحين سئل عن السبب كان رده أنه يشعر بالضيق ويريد أن يجلس وحيدا بعض الوقت…إلخ.
أصحاب هذه التعليقات الأخيرة لا علاقة لهم بالإخوان. فأسماؤهم معروفة ومواقفهم معلنة على صفحات الفيس بوك. ولأننى أعرف أغلبهم فبوسعى أن أقول إنهم وطنيون غيرون على بلدهم ومستقبله، وعند الحد الأدنى فهم أكثر وطنية وأشد إخلاصا من المهللين الذين يدفنون رءوسهم فى الرمال ويشغلهم إرضاء السلطة بأكثر مما يشغلهم مصير الوطن.
لا نريد تشاؤما ولا إحباطا أو يأسا. وسوف ننجو من كل ذلك إذا فتحنا أعيننا على الحقيقة وصارحنا أنفسنا بمفرداتها. إذ حين يمنح المجتمع المدنى فى تونس جائزة نوبل لنجاحه فى إحداث التوافق الوطنى الذى أجلناه، وحين يتزامن إجراء الانتخابات المصرية مع حملتين داخليتين إحداهما لوقف الاختفاء القسرى والثانية للتنديد بالإهمال الطبى فى السجون، فينبغى أن يدعونا ذلك إلى المقارنة والمراجعة. ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بالمكاشفة والمصارحة قبل فوات الأوان.
إن ما تأجل ليس فقط وعد المصالحة والتوافق الوطنى، لكن الذى تأجل فى الحقيقة كان حلم الدولة المدنية والديمقراطية، لا نبالغ إذا قلنا بأن خارطة الطريق التى أعلنت فى الثالث من يوليو 2013 كانت لترتيب الانتقال من حكم الإخوان إلى الوضع المستجد الذى توافقت عليه القوات المسلحة مع بعض الرموز الوطنية المصرية. ومنذ ذلك الحين وحتى إجراء أول انتخابات برلمانية فى ظل الدستور الجديد فى التاسع عشر من شهر أكتوبر الحالى، قطعنا شوطا أصبنا فيه وأخطأنا وتلقينا دروسا وتعلمنا. وجاءت الانتخابات لتعلن لنا ان المجتمع أو قطاعات عريضة منه ليس راضيا عن مجمل الأداء الذى تم فى ظل خارطة 2013. وهو تحليل إذا صح فهو يدعونا إلى محاولة التوافق على خارطة طريق جديدة بأسلوب مختلف وعناوين مغايرة، ذلك أننا لا ينبغى أن نتوقع نتائج ايجابية مغايرة إذا اتبعنا نفس الأساليب التى استخدمت منذ عام 2013 وحتى الآن.
إن صوت المجتمع بحاجة لأن يسمع والنخبة المعبرة عنه وحدها المؤهلة لوضع خارطة الطريق الجديدة. ومع كل الاحترام للنخبة التى أدارت الفترة من يوليو 2013 وحتى أواخر أكتوبر 2015، أى طوال 27 شهرا، فينبغى أن نعتبر أن ضعف التصويت فى الانتخابات بمثابة شهادة على تراجع رصيدها من الثقة، ودعوة إلى تفكير جديد وخارطة جديدة. تضعها عقول ورموز جديدة.
ليس هذا أوان التعبير عن المشاعر المريضة المتمثلة فى البغض والشماتة. لكنها لحظة التعلق بالأمل والسعى إلى المراجعة والتصويب وشحذ الهمة لتحقيق الأحلام المؤجلة ــ وذلك منطلق ينبغى أن نتوافق عليه قبل أن ننتقل للإجابة عبر السؤالين: من؟ وكيف؟.

فهمي هويدي