الرئيسية الأولى - كتّاب

الإثنين,28 ديسمبر, 2015
مصالحة تاريخية بين النهضة والدولة ..

لقد نجحت الأنظمة المتعاقبة على تونس في التحريش بين الدولة وحركة الاتجاه الإسلامي ثم النهضة لاحقا ، وتصدت لأي محاولة صلح او تقارب بين مختلف الاجهزة التي اثثت الدولة وبين النهضة ، كما استعمل النظام بحقبتيه أدوات الدولة للبطش بالحزب الإسلامي الناشئ وازدرائه وتشويهه وبالغ في ذلك رغبة منه في تأجيج حقد النهضة على الدولة لتبدو وكأنها المسؤول الأول والوحيد على قمعها والتنكيل بأنصارها ، كما حاولت هذه الأنظمة عبر العديد من المحطات فتح قنوات حوار تكتيكي مع الحركة لإيهامها ان مشكلتها مع الدولة وليست مع النظام ، وكانت مكينة الأنظمة تعمل بكل طاقاتها لتقديم المشكل في صورة ازمة مزمنة بين النهضة والدولة وان الأنظمة ورموزها وقياداتها ليست الا اوعية تشرف على تنفيذ رغبة الدولة في كسر وقمع بل وتغييب حركة النهضة ، لذلك طالما استمعنا الى رموز النظام السابق بما فيهم بن علي يؤكدون ان لا مشكل لهم مع عمر او زيد من الناس وإنما مشكلة هؤلاء مع القانون ، وعليهم الإلتزام والخضوع التام له ، وتثبيتا لهذا التمشي سبق لعبد العزيز بن ضياء أن أكد انه لا مشكلة لديهم مع هؤلاء “النهضة” وانما مشكلتهم مع القانون، بينما كان القانون في الرفوف وكانت الاحكام تصدر بالهواتف والتعذيب تدور رحاه بأمزجة بن علي والقلال وبقية المكون .

نجحت الأنظمة السابقة في اقناع الدولة واجهزتها ونسيجها بخطورة النهضة ونفَذ صناع القرار الى المؤسسات المختلفة ووسوسوا لها بالأسوء وقاموا ببرمجتها على أساس الاستنفار والتحفز والريبة والعداء تجاه هذا المكون المحافظ الصاعد الى الواجهة بنسق متواتر وقوي ، وبدا وكأن المؤسسات هضمت البرمجة وشرعت في التحسس من الجرم الحزبي الجديد واقتنعت أو أُقنعت بأن هذا الغول الوافد من المساجد والمعاهد والقرى والأرياف والأحياء الشعبية والمدن ، لا يستهدف النظام ولا يبحث عن مزاحمة رموزه على الريادة والقيادة ، وإنما يستعد لالتهام الدولة ، فتحولت النهضة من خصم سياسي لرموز الحزب الحاكم الى خصم للدولة ومؤسساتها ومن يؤثثها بمختلف تفاصيل السلم الوظيفي ، ابتداء من الحارس والبواب انتهاء بالوزير ، بعد أن اختار لهم النظام عدوهم بإستعمال الترهيب والوعيد ، وحتى يبقى على حالة التشنج بين النهضة والدولة حرس النظام على إبعاد شبح الفصل بين المؤسسات واستقلال القضاء وحرية الصحافة وعلوية القانون ..، لأنه يعلم أن التمكين من مثل هذه العناوين تعني حتما انتحاره البطيئ وارتخاء قبضته ومن ثم انتهاء حقبة الشمولية الطويلة والدامية .

منذ عودة رموز النهضة من الخارج والتئام شمل الحركة المنهكة ، كان واضحا أن النهضة على علم بوجود كمية من الاسفين تم دقها عبر عقود بينها وبين الدولة ، لكنها لم تكن تعلم بأن الاسفين الذي دق تجاوز الاعداد الفردية والزوجية وتعدى الغرامات والكيلوات ليصل الى الاطنان ، هناك شرعت الحركة في الإشراف على أكبر عملية مصالحة أقدم عليها حزب تونسي في التاريخ المعاصر تجاه الدولة ومؤسساتها ، في الإبان اتضح للحركة ورموزها أن الوضع معقد بشكل كبير ، وذلك نتيجة التداخل الكارثي بين الإدارة ومكونات النظام السابق ، ووجدت قيادات النهضة نفسها أمام مفارقة عجيبة متمثلة في مؤسسات جرمها دولة وروحها منظومة سابقة ، تداخل لا تنفع معه العمليات القيصرية البسيطة والتقليدية ، ما دفع بالنهضة الى تقديم تنازلات مؤلمة لصالح المنظومة وإعطاء تطمينات قوية وجدية للحرس الذي يحول بينها وبين الصلح مع الدولة ، وساعد النهضة في ترجمت تطميناتها الى الواقع ، تلك السياسة التي انتهجتها عقب الثورة وبُعيد 23 اكتوبر حين أقنعت قواعدها المثخنة بجدوى الصفح ونفّرتها من الإنتقام والملاحقات الحادة لغرض التشفي والقصاص ، ثم ساعدها تعاطي رموزها الذين قادوا حكومة الترويكا مع خصوم الامس وتوسعهم في الصفح الى درجات أغضبت قطاعا واسعا من شباب الثورة وأثارت العديد من المناضلين الشرفاء ، وكان العريض على رأس العناصر التي قادت الصلح مع الدولة حين تولى حقيبة الداخلية .

قسمت النهضة صلحها مع الدولة على جرعات وبشكل متصاعد ، فدخلت الى السلطة بقوة خلال اكتوبر 2011، ثم خرجت منها تماما لصالح حكومة المهدي جمعة ، لتمر عقب انتخابات 2014 الى السرعة القصوى ، أين شرعت في تطمين الوافدين الجدد أو العائدين إلى دوالب الدولة ، وبعد أن أخلت بهدوء المؤسسات التي دخلتها بثقلها عقب إنتخابات المجلس الوطني التأسيسي ، قبلت بعودة طفيفة ورمزية رغبة في بناء جسور الثقة بينها وبين الدولة والمنظومة المتمترسة بداخل الدولة ، إلتحمت الحركة بقوة مع الدولة ثم تراجعت تماما ثم عاودت الإلتحام بشكل خفيف ، فتكون بذلك قد تفاعلت مع الدولة بمختلف الأشكال ، أقدمت على تجربة الحكم لتؤكد أنه بإمكانها إدارة شؤون البلاد، وأخلت مواضعها لغيرها لتثبّت ثقافة التداول ، ثم عادت الى الدولة من نافذة صغيرة لتؤكد على قناعة الشراكة.

يبدو أن الحركة التي عركتها التجارب والمحن نجحت اخيرا في إقناع جماعات النفوذ المتخندقة في رحم المؤسسات بعدم تفجير أحزمتنها الناسفة ومن ثم نسف الدولة ، ولعل المنظومة الإنتحارية النابتة في مفاصل الدولة تيقنت أن رأسها غير مطلوب وأن أمامها فرصة اخرى جدية وصادقة للإسهام في بناء تونس الغد دون أن تتعرض الى التصفية ولا إلى العقاب ، وربما تكون هذه الجماعات بصدد إلقاء أحزمتها و إرخاء قبضتها عن المؤسسات المرهونة والتخلي عن معادلة الكل أو الدمار ، والإقتناع بالشراكة والتعايش والتسليم بإنتهاء زمن الحزب الواحد والدولة الشمولية والزعيم الملهم .

نصرالدين السويلمي

الشاهداخبار تونس اليوم



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.