كتّاب

الإثنين,2 مايو, 2016
مصالحة أو مراكنة : اصلاح جذري أم استصحاب للفساد ؟

12065507_10205329376262473_1473281544539723352_n

الحبيب بوعجيلة

أستطيع أن أُسلم بأن “الجملة السياسية” عند بعض المعترضين على قانون المصالحة أو مبادرة العفو الشامل تبدو جملة مخاتلة لدى بعض المناورين أو غامضة لدى بعض الاصلاحيين الحقيقيين .

مزايدون بالمحاسبة

يبدو بعض المزايدين الجدد من دعاة “المحاسبة” مجرد دعاة لاستعادة الاحتراب و أجواء الاقصاء التي اشتغلوا عليها مع الفاسدين في أجواء سنوات حكم الترويكا .

تنكشف سريعا مقاصد هؤلاء المزايدين بالمحاسبة حين يحصرونها في المطالبة باستعمال القضاء لمعاقبة خصومهم الايديولوجيين ممن استفادوا اكثر منهم من ريع المشهد “التوافقي” بعد انتخابات 2014 كما تظهر نواياهم من محاسبة لا تعني لهم أكثر من التشويش على “حلفائهم” القدامى في جبهة “الانقاذ”(من الفاسدين حقا) ممن تحالفوا في الحكم مع خصمهم المشترك “النهضة ” ليجد المزايدون حاليا بمحاسبة الفاسدين انفسهم على قارعة طريق كانوا “قطعوه” سابقا من أجل هؤلاء الفاسدين اصلا .

الصادقون بلا قوة و اقناع

في مقابل ذلك لا يبدو المتمسكون فعلا بمبادئ الدستور في المحاسبة و العدالة الانتقالية قادرين على صياغة الجملة السياسية المقنعة و المدركة لسياقات مشهد سياسي و ميزان قوى متحول بعد انتخابات كان المزاج الشعبي فيها أميل الى خيار الاستقرار و الامن و التهدئة و الاصلاح المتدرج بعيدا عن الضرائب الموجعة للمواجهات مع “منظومة قديمة” احسنت استثمار الفزاعات الايديولوجية و احتراب النخبة و مؤامرات الارهاب الاسود و استثمرت جيدا في اعلام الدعاية السوداء و حسن استغلال ارتباك بل و “حمق” أحزاب الترويكا في ممارسة الحكم عبر خطابات أظهرها قائلوها في لبوس الاجتثاث “الثوري” المخيف أو تمشيات مسؤولين ترويكيين تقلبوا بين “الثورية الرعناء” أو التمسح و الارتهان للفاسدين .

من ناحية أخرى يبدو المصير الدراماتيكي لحزبي الترويكا (المؤتمر و التكتل) و القوى الديمقراطية الاجتماعية (التيار و الجمهوري و التحالف) بعد انتخابات 2014 موحيا بأن خطاب “المحاسبة الجذرية” يبدو بلا انصار في تونس و بلا داعمين في اقليم يدفع الى التسويات أكثر مما يميل الى “تصفية حساب التركة القديمة” .

لكن تلعثم الجملة السياسية لجماعة “المحاسبة” لا يعني ان دعاة “المصالحة” يقدمون خطابا مقنعا يفتح لافق حقيقي في استقرار تكون قاعدته تصفية حساب نهائي مع ممارسة الفساد و عقلية الاستبداد و ندم عليها و اقتناع مؤصل بحدوث ثورة أكدت استحالة الاستمرار أو العودة الى “نظام في الحكم” ثبتت حدوده خيارات و اشخاصا و مناويل في التنمية و ادارة شؤون مجتمع تعددي متنوع .

القديم المُصالح …ما شروط تصديقه ؟؟؟؟

في مناسبات ظهوره التلفزي الأخيرة وقفتُ عند جمل مفاتيح مهمة نطقها آخر الأمناء العامين للتجمع المنحل محمد الغرياني .

الرجل الخمسيني القادم الى “التجمع النوفمبري” أواخر ثمانينات القرن الماضي من سياق تيارات تلمذية و طلابية “معارضة” قال ان على الدساترة أن يسلموا بحدوث أمر جلل بعد 14جانفي 2011 مؤكدا على ان “المراجعات” ليست مطلوبة من الاسلاميين فقط بل ان كل التيارات بمن فيها التيار الدستوري و اليساري مطالبة بتحيين فكرها و ممارستها على ساعة “الديمقراطية” و الزمن الجديد للتداول الانتخابي على السلطة باعتبارهما معطى جديدا.

و في آخر ظهور له نطق “الغرياني” برسالة مثقلة بالمعاني مفادها ان القيادات الدستورية لم يشتغلوا في السنوات الخمسة الماضية في “الانقلاب” على مسار الثورة بما يُفهم منه تبرؤا أو نقدا “ذاتيا” لمن استعمل “الماكينة التجمعية” في معارك الانقلاب على الشرعية و استهداف مخرجات انتخابات 2011 في اطار ما سُمي بجبهة الانقاذ التي يدرك الجميع أن غالبية جمهورها و هياكل التعبئة فيها قد جمعت بين كبار المتضررين من الثورة مثل رجال النظام السابق من أصحاب المال المشبوه و كبار مسؤولي ادارة عميقة خائفة من “التطهير” وجموع “المناضلين ” الميدانيين للتجمع المنحل بالرغم أن المتصدرين للنطق باسم “الانقاذ” وقتها كانوا من أحزاب اليسار و القوى الديمقراطية و المثقفين من خصوم النهضة الحزب الاكبر في الترويكا الحاكمة وقتها .

تصريحات الغرياني الموحية بثقافة “مراجعات” و “نقد ذاتي” ليست الوحيدة فقد عبر عن مثل هذه المعاني وزير الخارجية الأسبق للرئيس المخلوع و زعيم حزب المبادرة كمال مرجان كما سبقت الرجلين شخصيات “دستورية” في “نداء تونس” دافعت على تشريك النهضة في الحكم و لم تبرر ذلك بنتائج الانتخابات كما يفعل بعض رفاقهم في النداء بل بمحاولة تاصيل “فكري” لهذا “التشارك” بالدفع نحو فكرة “المصالحة التاريخية” التي يدعو اليها نشطاء منتدى العائلة الدستورية ممن لا يرون مانعا كما يقولون في فتح الملفات و انصاف الحقيقة و الاعتراف بأخطاء النظام السابق منذ فجر الاستقلال الى عشية الثورة .

لكن سؤالا عميقا يطرح نفسه أمام نعومة هذه التصريحات “الدستورية” هو الى أي مدى يمكن اعتبارها فعلا “خطا سائدا” في أوساط رجالات “المنظومة القديمة” التي عادت في الحقيقة عبر منطق “الغلبة” و “الاكراه” و احداث البلبلة و الاضطراب و التهديد بالفوضى و استعمال مؤسسات الدولة العارفين بمفاتيحها للضغط و المناورة و شق الطبقة السياسية التي أنصفتها الثورة ؟

و أكثر من هذا السؤال هل تُثبت الوقائع و ممارسات حكم النداء و مقربيه حاليا استعدادا حقيقيا للقطع حقا مع ميولات الهيمنة و التغول و الفردانية و استعادة ثقافة الفساد و الاستبداد المتأصلة في الشخصية الدستوتجمعية ؟

هل نصدق الدساترة باستعداد للشراكة في ادارة البلاد بمجرد تلطيف ميولاتهم الاستبدادية بزبائنية جديدة و محاصصة مع النهضة و استرضاء للغاضبين من خصومها تحت الطاولة دون انصات حقيقي لطبقة سياسية حديدة منتصرة حقا للانتقال الديمقراطي الحقيقي و التعددية الفعلية و للاستحقاقات الضرورية لثورة الحرية و الكرامة و أهدافها الاجتماعية و الاقتصادية و حتى الثقافية و دون استعداد للاستجابة لمطالبها في تحرير ثروات البلاد و تحصين استقلالية القرار الوطني ؟

ان تامل وضع مؤسسات الحكم و الاعلام مع “المنظومة العائدة” يكشف تواصل منح الحضوة و السيطرة فيهما لأنصار “القديم” أو للموتورين ثقافيا و ايديولوجيا حتى يستمروا في استهداف الثورة و الاصلاح الجذري و تجريم القوى الجديدة التي انصفتها الثورة .

ان كيفيات تسامح بل و شراكة “العائدين” مع رموز الاستبداد و الفساد المحروقة مقابل مواصلة خطاب تجريم ضحاياهم و هرسلتهم و التهوين من ممارسات الفساد و الرشوة بل و تواصل ممارسة السياسة بالاعتماد عليهما يجعل خطاب “المصالحة” الذي يدعو له رئيس الدولة و حزبه و مساندوه “الدساترة” مجرد املاء لشروط “المنتصرين” بعد انتخابات 2014 التي شاب شفافيتها كثير من “الغبش” و خطابات تزييف الوعي و سطوة المال المشبوه و “السفك الغامض ” للدماء .

ان غياب رؤية متكاملة تجمع “المصالحة ” بالاعتراف المتبادل و الاقرار بالخطأ و فداحة منظومة قديمة استنقذت أغراضها و تقوم على مشروع اصلاح حقيقي يحترم الدستور و قانون العدالة الانتقالية ..هذا الغياب يجعل خطابات “المراجعات” و الاستعداد للتطور عند “الدساترة” مجرد خطاب نظري ظاهره “السماحة” و باطنه المؤامرة و المناورة .

النهضة …مُصالحة المكره …لا تدوم

تصر حركة النهضة من جهتها و بلسان رئيسها غالبا على الترويج لفكرة المصالحة و العفو العام بخطاب أخلاقي قوامه حديث عام على “المصلحة الوطنية” و “قيم التسامح” دون اشارة واضحة للاكراهات الحقيقية و مقتضيات الواقع السياسي و دون حجج مقنعة بمقدار التوازن بين “الغُنم” و “الغُرم” في هذه “المقايضة التاريخية” مع “القديم” و دون توضيح لما ستحفظه هذه التسوية من مبادئ الدستور و مطالب الثورة في تفكيك منظومة الفساد و الاستبداد و دون “طمأنة” للمعارضين لهذه التسوية بما ستضمنه العملية من مستقبل آمن للبلاد دون ضيم أو افلات من العقاب و دون عودة لممارسات الفساد الاقتصادي و السياسي و ممارسات الانفراد بتقرير مصير البلاد ثقافيا و فكريا و تربويا بما يعيدنا الى مربعات التوجس و المواجهات .

هذا الغموض في خطابات جماعة “المصالحات” يعمق أزمة مشروع يبدو على العموم “يتيما” لا يرعاه في الحقيقة اكثر من شيخين لا يكفي التأكيد على حكنتيها للترويج للقانون ما لم تتوضح ملامحه في رؤية متكاملة تطمئن المتوجسين و “تقطع الطريق” عن خصومه “المتآمرين” و تكف عن توصيف خصومه الصادقين بتهم “الثورجية” و “رغبات الانتقام” و “قلة الحكمة” .

 

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.