مقالات مختارة

الخميس,30 يوليو, 2015
مشروع إسرائيل المنسي لتفتيت العالم العربي

الشاهد_القلق على المصير العربي في محله تماما، لكننا نخطئ كثيرا إذا حصرنا التحديات في النفوذ الإيراني ومخاطر الإرهاب، وتجاهلنا دور إسرائيل في مخطط التفتيت الذي تنفذه منذ نصف قرن.

(١)

هذا القلق أصبح يشكل قاسما مشتركا بين أغلب تعليقات وتحليلات الكتاب العرب في الآونة الأخيرة، من حديث عن الحدود التي يعاد رسمها بالدم، إلى تحذير من أن المستقبل في المنطقة يراد له أن يصنع بأيدي غير العرب، مرورا بمحاولة رصد الأسباب الكامنة وراء تعدد الهزائم العربية ودور الدولة والقبيلة في ذلك.

وليس ذلك مستغربا، لأن مختلف الشواهد تدل على أن ثمة خرائط جديدة ترسم للمنطقة في ضوء الانهيارات التي حدثت لبعض الأنظمة والتصدعات التي عانت منها أنظمة أخرى، والتوترات التي أطلت برأسها في فضاءات أنظمة ثالثة.

وحين تم الاتفاق بين واشنطن ومعها الدول الكبرى وبين طهران فإن الجميع أدركوا أن أوان الدخول في حقبة جديدة قد حل، وأن الحديث عن المستقبل ومخاوفه لم يعد ثرثرة مثقفين أو توجسات سياسيين، لكنه صار ضرورة ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد، لأن قطار التغيير انطلق وبات من العسير وقف اندفاعه.

“حين تم الاتفاق بين واشنطن ومعها الدول الكبرى وبين طهران فإن الجميع أدركوا أن أوان الدخول في حقبة جديدة قد حل، وأن الحديث عن المستقبل ومخاوفه لم يعد ثرثرة مثقفين أو توجسات سياسيين، ولكنه صار ضرورة ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد”

استوقفتني في هذا الصدد مقالة لوزير خارجية مصر الأسبق السفير نبيل فهمي نشرتها جريدة الأهرام في ٢٢/٧ تحت عنوان “الشرق الأوسط الجديد والاتفاق النووي الإيراني والعرب”، إذ استهلها بالإشارة إلى اتصال أجراه معه في عام ٢٠٠٤ (حين كان سفيرا لمصر في واشنطن) مستشار الأمن القومي الأميركي، واقترح عليه أن تشارك مصر في اجتماع قمة حول إنشاء شرق أوسط جديد يشمل الدول العربية ويمتد حتى باكستان وأفغانستان (وهو ما اعتذر عنه آنذاك).

وفى ربيع عام ٢٠١٥ حدثه مسؤول إيراني مقرب من أصحاب القرار عن أنهم في طهران لهم نظرة أخرى للشرق الأوسط الجديد مختلفة عما يرونه في مصر، فليس صحيحا في رأيهم أن المنطقة جوهرها عربي، لأن مرجعية المواطن العادي لم تعد القومية العربية، فضلا عن أن العالم العربي منقسم على نفسه، والثقل السياسي والأمني والاقتصادي فيه ليس بين أيدٍ عربية.

وحين وضع الأمران جنبا إلى جنب خلص إلى أن التفكيرين الأميركي والإيراني ينطلقان من رؤية لمستقبل المنطقة بأيدٍ غير عربية، ثم تساءل عما إذا كانت تلك مؤامرة كبرى أم مجرد توافق مصالح بين أيدٍ غير عربية؟ وهو يجيب عن السؤال فإنه طرح أفكارا عدة محورها كيف يستعيد العالم العربي زمام المبادرة كي يصبح فاعلا وليس مفعولا به.

(٢)

ملاحظتي الأساسية على مقالة السفير نبيل فهمي أنها وقفت عند استعراض الموقفين الأميركي والإيراني لكنها لم تشر إلى التفكير الإسرائيلي الأخطر في الموضوع، ذلك أن الأميركيين والإيرانيين إذا كانوا قد طرحوا أفكارا عن بعد، وكانت لهم تطلعات تتعلق بنفوذ كل منهما فإن مشروع الإسرائيليين الموجودين في قلب المنطقة تم اختبار أفكاره، ونفذ بعضها على أرض الواقع، والبعض الآخر جارٍ تنفيذه في صمت وبعيدا عن الأعين.

من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن المنطقة العربية لا تشكل وحدة ثقافية وحضارية واحدة كما يعتقد العرب، إنما هي خليط متنوع من الثقافات والتعدد اللغوي والديني والإثني، وقد اعتادت إسرائيل تصوير المنطقة على أنها فسيفساء تضم بين ظهرانيها شبكة معقدة من أشكال التعدد ما بين عرب وفرس وأتراك وأرمن وإسرائيليين وأكراد وبهائيين ودروز ويهود وبروتستانت وكاثوليك وأرثوذكس وعلويين وصابئة وشيعة وسنة وموارنة وشركس وآشوريين.. إلخ.

بالتالي، فإن المنطقة ما هي إلا مجموعة من الأقليات التي لا يوجد تاريخ يجمعها، ومن ثم يصبح التاريخ الحقيقي هو تاريخ كل أقلية على حدة، والغاية من ذلك التحليل تتمثل في تحقيق هدفين، الأول رفض مفهوم القومية العربية ومقاومة فكرة الوحدة العربية، ذلك أن التصور الإسرائيلي يعتبر أن القومية العربية فكرة يحيط بها الغموض إن لم تكن غير ذات موضوع على الإطلاق.

وقد برز في هذا المجال اتجاهان، أحدهما يتحدث عن “خرافة” الوحدة العربية، وأصحاب هذا الرأي يتحدثون عن أمة واحدة لكنهم يتصرفون كدول متنافرة، ورغم أن ما يجمع بين هذه البلاد هو اللغة والدين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم أمة واحدة فثمة شعوب تتحدث اللغة الإنجليزية أو الإسبانية دون أن يجعل ذلك منها أمة واحدة.

الاتجاه الثاني يعترف بوجود القومية العربية بمعنى وجود مجموعة روابط ثقافية وعاطفية وتاريخية بين العرب، لكن أصحاب ذلك الاتجاه يفصلون بين الاعتراف بتلك الروابط وبين السعي لتحقيق الوحدة العربية التي يعتبرون أنها مستحيلة.

الهدف الثاني من الترويج لفكرة تعدد الأقليات والهويات في العالم العربي هو تبرير شرعية الوجود الإسرائيلي، ذلك أن المنطقة وفق ذلك التصور تضم خليطا من القوميات والشعوب واللغات، وتصور قيام وحدة بينها هو ضرب من الوهم والخيال، والنتيجة المنطقية المترتبة على ذلك تعني أن يكون لكل قومية في المنطقة كيانها الخاص، وبذلك تكتسب إسرائيل شرعيتها باعتبارها إحدى الدول القومية التي تعيش على أرضها.

“في حين نرى تركيزا شديدا على طموحات الإيرانيين ومخططات داعش الإرهابية نلمس تجاهلا وسكوتا عن مساعي الإسرائيليين الذين أصبحوا يعتبرون أنفسهم جزءا من معسكر الحرب ضد الإرهاب، بينما يمارسون في فلسطين كل ما يمكن تخيله من مظاهر الإرهاب والقمع”

هذا التوجه في التفكير الإسرائيلي دفعها إلى تبني إستراتيجية تشجيع مناطق الأقليات في المنطقة، وطرحها بين حين وآخر فكرة إقامة دويلات درزية أو مارونية على حدود إسرائيل لتكون بمثابة مناطق أمن تكسب إسرائيل الاطمئنان وتشكل حاجزا ماديا ومعنويا يفصل بينها وبين الدول العربية، وهو ما من شأنه أن يشجع الأقليات الأخرى على أن تسير على ذلك الدرب، ويحفز الأكراد في العراق و”الأفريكان” في جنوب السودان وموريتانيا على الاستقلال.

كتابات أبا إبيان السياسي الصهيوني ووزير خارجية إسرائيل التي نشرت تحت عنوان “صوت إسرائيل” تعد أفضل تعبير عن الفكرة، ذلك أنه اعترض على الافتراض القائل إن الشرق الأوسط يمثل وحدة ثقافية، وإن على إسرائيل أن تتكامل مع تلك الوحدة.

وذكر أن العرب عاشوا دائما في فرقة عن بعضهم، وأن فترات الوحدة القسرية كانت تتم بقوة السلاح، من ثم فإن التجزئة السياسية لم يحدثها الاستعمار، وأن الروابط الثقافية والذات التي جمعتها البلاد العربية لا يمكن أن تضع الأساس للوحدة السياسية والتنظيمية.

الفقرات السابقة كلها ليست لي، ولكنها اقتباس مطول منقول حرفيا عن كتاب صادر في تل أبيب عام ٢٠٠٣ عن مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا، وكتاب العميد المتقاعد موشيه فرجي، وعنوانه “إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان”.

(٣)

هذه الأفكار تم اختبارها في ثلاث تجارب في ما هو معلن حتى الآن على الأقل، هي:

– أقامت إسرائيل علاقات وثيقة مع قيادات الموارنة في لبنان، مستثمرة في ذلك علاقات التوتر التاريخية بينهم وبين المسلمين السنة، وثمة دراسات متعددة أرخت لتلك العلاقة الإسرائيلية واللبنانية، منها دراسات الأستاذ صقر أبو فخر عن الدور الذي قام به الإكليروس الماروني في التواصل مع الإسرائيليين، وكتاب كريستين شولز عن الدبلوماسية الإسرائيلية السرية في لبنان.

وفى كتاب ألان مينارج عن أسرار حرب لبنان نص رسالة بعث بها رئيس حزب الوطنيين الأحرار كميل شمعون إلى رئيس وزراء إسرائيل مناحيم بيغن، شكا فيها من أن الفرنسيين حين أقاموا لبنان الكبير ضموا إلى الموارنة الأراضي المأهولة بالمسلمين “وكان هؤلاء سببا في جميع العلل والشرور”، ودعاه إلى تجنب الإسرائيليين أراضي مأهولة بالمسلمين حتى لا يعانوا مما عانت منه لبنان.

الشاهد أن تواصل الإسرائيليين مع بعض شرائح الموارنة دفع الأخيرين إلى إقامة دولة لبنان الحر وحكومتها في عام ١٩٧٩، وشكل هؤلاء ما سمي جيش لبنان الجنوبي الذي قاده سعد حداد ومن بعده أنطوان لحد، وكان للأحزاب المارونية الثلاثة التي شكلت الجبهة اللبنانية دورها في الترحيب بالاجتياح الإسرائيلي في لبنان عام ١٩٨٢، إلا أن مشروع دولة الموارنة فشل وانهار بعد انسحاب الإسرائيليين من لبنان.

– التجربة الإسرائيلية الثانية كانت مع المتمردين في جنوب السودان، وقد فصل كتاب العميد موشيه فرجي في تتبع تلك العلاقة التي بدأ الإسرائيليون في نسجها في عام ١٩٥٨، واستهدفت دعم التمرد الجنوبي وإضعاف السودان للضغط على مصر واختزان القارة الأفريقية، وشمل ذلك الدعم كل المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية، حيث وفرت إسرائيل الخبرات والسلاح والأموال وكل ما احتاجته حركة التمرد لتحدي حكومة الخرطوم وتثبيت أقدامها على الأرض، الأمر الذي انتهى بانفصال الجنوب وإعلان استقلاله في عام ٢٠١١.

– التجربة الثالثة مع الأكراد في شمال العراق، ذلك أن زعماء الأكراد في نضالهم ضد نظام صدام حسين وضد شاه إيران قبل الثورة كانوا يتلمسون الدعم من أي مصدر، الأمر الذي سارعت إسرائيل إلى تلبيته فقدمت لأكراد العراق الكثير من المساعدات التي لم تعلن تفاصيلها، لكنها انتهت بأن أصبح لإسرائيل حضور استخباراتي قوي في شمال العراق.

“مخططات التفتيت التي تُرسم تراهن على الشروخ والتشققات الحاصلة في كل قطر عربي، ولذلك فإن الوعي بتلك المخططات ينبغي أن يستصحب اهتماما بحصانات الداخل، لأن مخططات التفتيت لا يتحقق لها النجاح إلا في حال هشاشة المجتمعات وقابليتها للتفتيت”

وهذا الموقع له أهميته الإستراتيجية المهمة لأنه أتاح للإسرائيليين إمكانية الاقتراب مما يحدث في العراق وسوريا وإيران وتركيا، ولم يعد سرا أن كردستان قطعت شوطا بعيدا في سعيها للاستقلال الذي أصبح الآن مطلبا معلنا من جانب المثقفين والسياسيين والأكراد، وبالتالي لم يعد السؤال المطروح الآن هو هل يعلنون استقلالهم أم لا، ولكنه متى يتم ذلك.

(٤)

نبالغ كثيرا إذا قلنا إن إسرائيل فعلت من جانبها كل ذلك، لأن الأصح والأصوب أنها ساهمت في صنعه مستفيدة من ظروف داخلية مواتية في كل بلد، وهو ما يدعونا إلى القول إن عملية تفتيت العالم العربي والإفادة من تنوع كياناته وتعدد الأقليات فيه تنطلق من إستراتيجية إسرائيلية واضحة المعالم منذ خمسينيات القرن الماضي.

وللأسف فإن الدور الإسرائيلي في الخرائط الجديدة التي ترسم للمنطقة لم يأخذ حقه من الانتباه والدراسة، ذلك أننا نرى تركيزا شديدا على طموحات الإيرانيين ومخططات جماعة داعش (تنظيم الدولة) الإرهابية، كما نلمس تجاهلا وسكوتا على مساعي الإسرائيليين الذين أصبحوا يعتبرون أنفسهم جزءا من معسكر الحرب ضد الإرهاب (قدموا إلى الأردن ١٦ طائرة مروحية لهذا الغرض) في حين يمارسون في فلسطين كل ما يمكن تخيله من مظاهر الإرهاب والقمع.

لست أدعو إلى تجاهل الدور الإيراني ولا الكف عن مقاومة الإرهابيين، لكنني أتمنى الانتباه إلى ثلاثة أمور، الأول توفير رؤية عربية واضحة للتحديات التي توجه الأمة من حيث أولوياتها وطبيعتها، الثاني أن تظل على وعي كافٍ بالمخططات الإسرائيلية التي ما زالت تسعى إلى تفكيك العالم العربي وتفتيته.

أما الأمر الثالث والأهم فهو أن مخططات التفتيت التي تُرسم تراهن على الشروخ والتشققات الحاصلة في كل قطر عربي، ولذلك فإن الوعي بتلك المخططات ينبغي أن يستصحب اهتماما بحصانات الداخل، لأن مخططات التفتيت لا يتحقق لها النجاح إلا في حال هشاشة المجتمعات وقابليتها للتفتيت.

فهمي هويدي