مقالات مختارة

الجمعة,14 أغسطس, 2015
مذبحة رابعة .. حتى لا تنام الذاكرة

الشاهد_14\8\2013 .. وبينما تسدل الشمس ستائرها على اليوم الدامي, وتبدو الخطوات ثقيلة أثناء خروجنا من ميدان رابعة العدوية تحت قهر السلاح, والدماء المسفوحة في طرقاتها .. كان كل مشهد قد استقرّ في الذاكرة تمامًا .. بدءًا من فجر اليوم ذاته, وحتى تلك اللحظة التي ودعنا فيها الميدان تائهين.

أول شهيد مضرح في دمائه, بكاء الصغير لا نعرف أين أمه, استشهاد حبيبة, أحمد ضياء, أسماء .. جثامين تملأ ساحات الميدان وأخرى قالوا لنا سنحرقها.

كل تفاصيل اليوم, أرتال الشرطة التي حاوطتنا, أمطار الرصاص التي حاصرتنا, الدماء التي خنقتنا, والأرواح التي فارقتنا, كل شيء بدا كصفحة مطبوعة أمام عيني, لا أرى غيرها .. خرجنا ولا نعرف أي الطرق نسلك ولا أي الكلمات تسعف .. دمع حار وصمت ثقيل.

لحظتها, ظننت أن عيون البلاد لن تنام ليلتها, غضبًا وحزنا, وأن الشوارع ستعلن تمردها .. وأن “هبّة” ما ستحدث .. ما حدث كان مهولًا بما يكفي ليفيق الغائب .. لكنه بمجرد خروجنا من محيط الميدان وجدت كل شيء ساكنا, المدينة تغرق في يومياتها العادية, لا شيء غير بعض الشغب الذي سببه هؤلاء المنسيون في رابعة .. أرى العيون خلف الشبابيك تشاهد خروجنا الأليم ولا شيء ! وكأننا أبطال مشهد سينمائي, وجودنا خيال, خيال لا أكثر!

نحمل الذكرى وهذا كاف, كنا شهود وهذا واف .. وثقتُ في ذاكرتي, ذاكرتنا, في أننا لن ننسى, وكيف يغيب عن العقل يوم لم يعد ما بعده مثل ما كان قبله ..

لم نحفظ أسماء الشهداء, كثرٌ همْ, لكن الوجوه حاضرة, نخبر العالم بهم, بحقهم في الذكر والخلود, بدفاعهم عن قيم الحرية والعدالة والكرامة, فإن هم قتلوا في صمت, فلتكن ذكراهم صخب يقلق الدنيا .. هكذا ظننت .. أن الذاكرة وحدها تسعفنا, وترد حق المقتولين غدرًا ومن بقى منهم.

مضى عام المذبحة الأول, وانقضى الثاني, ولازالت عيون البلاد غافلة عن المنسيين في رابعة, لم تخنا الذاكرة لكننا أهملناها, وتركنا وجه الملحمة الإنساني يغيب في شرك الأيديولوجية ومراهنات السياسة وصخب الأرقام بما لا يليق بجلالها وأحقيتها بالوجود في متن الذاكرة الإنسانية.

عامان مضوا, ولم نقل كل الكلمات, ولم نقص الحكايا, حكايا الإنسان والقيمة بالمقام الأول, وانحسرت الذاكرة, انشغالًا بما لحق وإرهاقًا وربما هروبا!

وانحصر حديث الرابع عشر من أغسطس في ثنائية “النفي والإثبات” .. نفي استحقاق القتل دفعًا لتهمة الإرهاب, وإثبات جدل عددي كم ماتوا .. هل سيفرق كثيرا مع عالم لم يعرف حكايتك إن كان مات منك مائة أو مائتين؟ هل سينتبه لك إن لم تخاطبه بلغة إنسانية صادقة دون تكلف مظلومية أو ادعاء تجلد؟ أصلًا, ماذا يتبقى من التاريخ في أذهان العامة سوى قصص التضحية والبطولة الإنسانية.

عامان مضوا, ولم نصنع سرديتنا, حكاية تتناقلها الأجيال وإن غابت عن كتاب التاريخ الرسمي, فلتتغير ملامح ساحة الميدان عمدًا, وليتغير اسمه قصدًا, وحدها ذاكرة الشاهدين المتجددة بالحكاية في قصة, رواية, أبيات شعر أو جدارية مرسومة تحفظ حق هؤلاء في الذكر والخلود إن أردنا ألا يطويهم ويطوينا النسيان.

زهراء بسام



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.