أخبــار محلية

الجمعة,9 سبتمبر, 2016
مدينة الروحية … “روح” شهداء و بقايا ذاكرة

الشاهد_ربما لايعرف الكثيرون مدينة الروحية، حتى إنه إذا أردت البحث عنها في ويكيبيديا فلن تجد الكثير فهي فقط مدينة صغيرة تابعة لولاية سليانة الواقعة في الشمال الغربي لتونس وتمثل مجرد نقطة صغيرة في خريطتها، بل إن أغلب التونسيين سمعوا اسمها لأول مرة في حياتهم عندما كانت مسرحا داميا لأول عملية ارهابية تشهدها البلاد في 18 ماي 2011 في عملية تبادل لإطلاق نار تم اثرها هلاك اثنين من الارهابيين واستشهاد ضابط سام من الجيش الوطني.

أذكر حينها كيف تداولت وسائل الإعلام العربية والعالمية اسم “الروحية”، فترددت بكثرة في التقارير الاخبارية ونشرات الأنباء وسيطرت على البلاتوهات التلفزية والإذاعية لتعود بعد سويعات قليلة من الحادثة لطي النسيان…كيف لا ونحن شعب معروف بضعف الذاكرة وسرعة النسيان.

 

 

لكن السياسي والمؤرخ التونسي أحمد ابن الضياف ذكر الروحية في كتابه “إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان”، وقال إنه سنة 1864 ثار علي بن غذاهم والتف حوله قبائل الفراشيش وماجر والهمامة والمثاليث والجلاص وأولاد سعيد وأولاد ونيفة، لكن تمكن الباي بقيادة الجنرال زروق من اخماد نار الثورة، خصوصا بعدما طلب علي بن غذاهم العفو من الباي مقابل أن يسميه خليفة على قبائله ويعطي أخاه عبد النبي هنشير الروحية.

هي المدينة الوحيدة التي تضم اثنين من أكبر القبائل وهم أولاد عيار وماجر، وتتميز أيضا كونها مفترق لخمس ولايات تحدها مكثر من ولاية سليانة و القصور من ولاية الكاف ومدن تالة والعيون وجدليان من ولاية القصرين وجلمة من سيدي بوزيد وكذلك مدينة العلا التابعة للقيروان.

عندما تدخل مدينة الروحية التي تبعد 60 كم عن مركز الولاية لايجلب انتباهك أي شيء… فقط ستلاحظ طيبة أهلها وكرم ضيافتهم…لا بنايات فاخرة ولا نزل فخمة ولا مناطق ترفيهية واسعة فتفهم حينها أنك في حضرة منطقة بسيطة، نائية ومهمشة أنهكها الفاسدون، لكنك سترى حتما شساعة سهولها والتي تحيطها من جميع الجهات سلسلة من الجبال الشاهقة تضفي جمالية بسيطة على المدينة خاصة عندما في فصل تساقط الثلوج على قممها .

تتوسط المدينة ساعة عالية غالبا ماتجدها معطبة لاتعمل، وكأنها تحاكي حال المدينة المتوقف في سنوات التسعين، يقابلها على اليمين محطة النقل الريفي والسيارات الشعبية المخصصة لنقل أهالي المناطق الريفية القادمين من الأرياف المنسية مثل “الجميلات، الحبابسة، بوعجيلة، الشبالة…” لقضاء حاجاتهم.

على يسار الساعة، تجد مبنى المعتمدية القديم يعج يوميا بأهالي المدينة والأرياف القريبة منها كما هو الحال بالنسبة لمركز البريد الوحيد في المنطقة التي يعاني مرتادوه يوميا من الاكتظاظ وبطئ الخدمات وردائتها.

غير بعيد عن مركز المعتمدية تجد السوق الأسبوعية التي يقال أن الحبيب بورقيبة قام بتدشينها سنة 1977 ، كما تجد المعهد الثانوي بالروحية ودار الشباب التي تم بناءها في وقت ليس ببعيد مثلها مثل معهد حي الأنس 2 وهو ثاني معهد في رصيد المدينة.

عندما تأخذ طريقك باتجاه “المساحلة” وهي منطقة ريفية معروفة بانتاجها للتفاح ستجد في اخر المدينة مدرستين اعداديتين تفصلهما كيلمترات قليلة، يستقبلون الاف التلاميذ بين إناث وذكور سنويا للدراسة والسكن، فهؤلاء التلاميذ لايستطيعون العودة إلى منازلهم يوميا بحكم بعدها الشديد عن مركز المدينة، فأغلبهم قادمين من الحبابسة والجميلات وللوصول للروحية عليهم تجاوز اثنين من أضخم الأودية وهم “واد بوعجيلة وواد ببوش” ويصعب تجاوزهم عند فيضانهم بسبب الغياب التام “للقناطر” وأبسط مكونات السلامة المرورية.

بمكن للقادمين من هذه المناطق أن يبفوا عالقين على الجانبين حتى لمدة أسبوع في ظل غياب تام للسلط الجهوية ، فمختلف المعتمدين المكلفين للسهر على راحة المواطنين تجدهم عادة غب ولاء تام للسلطة الحاكمة ومشاكل المواطنين هي اخر اهتماماتهم، وغالبا ماتجدهم مهتمين بمشاريعهم الخاصة والتي تتطور وتكبر يوما بعد يوم وتلاحظ ثرائهم الفاحش في ظرف وجيز.

 

يدخل تلاميذ المبيتات أول الأسبوع ولايسمح لهم بالمغادرة أو الخروج إلا يوم السبت لقضاء يوم الأحد في منازلهم فيعج يومها وسط المدينة بالاف التلاميذ، وسترى منظرا مؤلما لايعرفه أبناء المدن المرفهة ولا أبناء السياسيين، فلا لتستغرب إن رأيت سيارات شعبية تحمل أكثر من 40 تلميذا فوق بعضهم في خرق واضح للقانون ودون سلامة أمام تجاهل تام من قبل رجال الأمن وشرطة المرور.

أولادها وكل من تربى على أرضها وتشبع بالعلم من مدارسها ومعاهدها يدرك جيدا أن هذه المدينة الصغيرة أوسع من أي رقعة جغرافية على وجه هذه الأرض، كيف لا وهي الأم الحاضنة وأول مكان فتحوا فيه أعينهم، جميلة بسكانها وهائة بأحلام شبابها الذي أنهكته المحاباة والرشوة والفساد.

مدينة الروحية، لايعرف وجهتها أغلب المسؤولين ولا السياسيين، لايأتيها السياح ولاالزوار لاتمتلك موارد ولاثروات طبيعية ولاترى أثرا للمشاريع ولاتلحظ التنمية فيها، لكنها غنية بأهلها الحالمين بمدينة جميلة لاتطالها أنفاس الشياطين.