الرئيسية الأولى

الأحد,22 مايو, 2016
محفوظ نحناح وراشد الغنوشي ومدى التشابه بين التجربتين

الشاهد_ تزامن انعقاد المؤتمر العاشر لحركة النهضة التونسية مع حديث الكثيرين خاصة لدينا في الجزائر عن مدى تشابه تجربة الشيخ راشد الغنوشي الحالية مع تجربة الشيخ محفوظ نحناح، فجزم البعض بتشابه التجربتين، في حين أكد البعض الآخر اختلافهما لاختلاف ظروفهما، بحيث تجد هذا الطرف الثاني بقدر ما يسجل إعجابه بتجربة الثاني وتبريره له ولها،

بقدر ما يسجل اعتراضه على تجربة الأول ورميها بكل نقيصة بل والتشكيك في بعض الأحيان حتى في نوايا صاحبها، رغم أن بدايات الرجلين واحدة تقريبا في معارضتهما الراديكالية للنظام الاستبدادي وسجن كل منهما وتعرضه للتعذيب جراء ذلك، ومن المفارقات أن الشيخ راشد كان من القلائل الذين زاروا الشيخ نحناح في سجنه في الأصنام(الشلف حاليا) في نهاية السبعينات،

لكن مرحلة الانفتاح السياسي في الجزائر رغم نقائصه كانت الأسبق منها في تونس بثلاث عقود تقريبا، لذلك سبقت تجربة الشيخ نحناح في واقعية التعاطي السياسي مع المشهد والظروف، تجربة رفيقه راشد الغنوشي بسنين، والتي عارض بعض مخرجاتها ومواقفها حينها،

ولم يتفهم بعض اجتهادات صديقه الشيخ نحناح في ذلك الوقت، وإنساق مع خيارات غيره من الإسلاميين الجزائريين ممثلين في الجبهة الإسلامية للإنقاذ القائم على منهج المغالبة، رغم أنه انتقد تجربتهم أيضا بعد ذلك لكن بعد ما بدأت الصورة تتوضح وبدأ يتلمس آثار هذا المنهج السلبية على التجربة والمشروع والوطن، و تدور الأيام وتحدث الثورة في تونس وتصبح النهضة مكون أساسي للمشهد السياسي في تونس بعد الثورة، واصطدم الشيخ راشد بكم هائل من التحديات وواجهته الكثير من العراقيل منها الذاتي الداخلي ومنها الخارجي، فسارع للتكيف مع الواقع الجديد في جزء كبير منه مضطرا وفي الجزء القليل مختارا، وهو ما بدأ من خلال التراكم في مدة أربع سنوات في صناعة تجربة جديدة له ولحركة النهضة تختلف عن تجربتها ومواقفها السابقة خلال تاريخها منذ تأسيسها، أما مدى تشابه تجربته الحالية مع تجربة الشيخ نحناح من عدمه فإن المعطيات المتوفرة تؤكد أن التجربتين ليس متشابهتين فقط بل متطابقتين تقريبا في الكثير من مكوناتهما وأهدافهما ومصطلحاتهما ومواقفهما وطرق تعاملهما مع الآخر السياسي نظاما كان أو أحزابا أو خصوما سياسيين وأيديولوجيين، رغم اختلاف بعض الظروف والحيثيات في كليهما:

1 ـ لابد من أن نستحضر في المقارنة بين تجربتي الرجلين أن تجربة الشيخ الغنوشي بمواصفاتها وطبيعتها الحالية في بدايتها وتجربة الشيخ نحناح في نهايتهما أو بمعنى أصح أن الإطار والعمر الزمني للتجربتين يختلف، والمقارنة الصحيحة هي أن تقارن التجربة الحالية للشيخ راشد بالبدايات الأولى لتجربة الحركة في عهد الشيخ نحناح.

 

2 ـ للذين ينكرون تشابه التجربتين هم في الأصل يقارنون مآلات تجربة الشيخ نحناح وبعض نتائجها السلبية خاصة بعد وفاته إلى اليوم وما تعرضت له حركته من هزات وإنقاسمات وصراعات، خاصة أنه توفي قبل أن تكتمل التجربة بالشكل الذي كان يأمله ويريدها به، وبين تجربة الشيخ الغنوشي وهي في بدايتها، وللموضوعية المفروض أن يقارنوا بين التجربتين وكليهما في بدايتهما دون أن ينظروا لبعض نتائج الأولى أو ينتظروا على الأقل لعقد من الزمن (10 سنوات) من عمر تجربة الغنوشي لتبدأ تظهر نتائجها ومآلاتها بشكليها السلبي والإيجابي ثم يقارنوا بينهما بشكل عام ومتكامل.

 

3 ـ لو نقرأ الأهداف التي أعلنها ويعلنها الشيخ راشد الغنوشي كمبررات لخياراته السياسية الحالية، والأهداف التي أعلنها الشيخ نحناح كمبررات لخياراته السياسية حينها لوجدناها متطابقة تقريبا حتى في المصطلحات المستعملة مثل:(التوافق والتعايش وقبول الآخر والحفاظ على الدولة وغيرها من المصطلحات).

4 ـ بعض المتحفظين على تجربة الشيخ نحناح رحمه الله يبررون ذلك بحجم التنازلات التي قدمها الشيخ للنظام السياسي حينها والتي لا تتناسب حسبهم والنتائج المحققة، ولو استعملنا الميزان نفسه على التجربة الحالية للشيخ الغنوشي بموضوعية وبعيدا عن العاطفة لوجدنا حجم التنازلات الذي قدمه ويقدمه وللمبررات نفسها التي قدمها الشيخ نحناح في البداية أكبر،

فحركة النهضة تملك الأغلبية في البرلمان ولا ترأسه ولا ترأس الحكومة وتمثيلها فيها ضعيف للغاية (وزير وكاتب دولة أو كاتبين) وفي تخصصات هامشية بعيدة كل البعد عن الوزارات السيادية والحساسة،

ورئيس الدولة من المنظومة القديمة والعبارات التي يخاطبه بها الشيخ الغنوشي لم يستعملها ويصل إليها الشيخ نحناح في حياته كلها مع رؤساء الجزائر من بن بله إلى بوتفليقة، رغم علاقاته الوثيقة ببعضهم خاصة الرئيس بوتفليقة، إضافة إلى التصالح مع الدولة العميقة ورموزها بحيث يتصدر محمد الغرياني مثلا آخر أمين عام للتجمع الدستوري المحل ومعه بعض الشخصيات المحسوبة على النظام القديم المقاعد الأولى لمؤتمر النهضة وهم الذين قامت عليهم الثورة أصلا،

والذين لاموا الشيخ نحناح على استعداء بعض الأطراف المعارضة في الجهة المقابلة بسبب خياراته السياسية مع النظام السياسي خاصة من الإسلاميين(الجبهة الإسلامية للإنقاذ تحديدا)،

فإن الشيخ راشد فعل الأمر نفسه تقريبا إن لم يكن أشد، بحيث تسبب تقارب النهضة مع مكونات الدولة العميقة والنظام القديم من الدساترة والبورقيبيين من الابتعاد أو استعداء الكثير من شركاء الثورة ورموزها مثل المرزوقي مثلا والكثير من الشباب الثوري بعضهم ممن كانوا في النهضة ذاتها وهكذا، وكذلك اضطرار الشيخ راشد من البداية إلى اللجوء إلى فصل الدعوي عن الحزبي أو السياسي (رغم أنني مع الخطوة لكنه في عرف الإسلاميين يحمل تنازل مكلف) وهي الخطوة التي لم يلجأ أو يضطر إليها الشيخ نحناح إلى غاية وفاته.

5 ـ موقف الطرف الآخر(النظام السياسي ومؤسساته والدولة العميقة) من موقف وخيار وتجربة كل من الرجلين رغم تشابهما إلى حد الآن على الأقل كان مختلفا، ففي تجربة الشيخ نحناح رغم الاحتفاء بالخيار والتجربة في البداية من طرف النظام السياسي ورموزه ـ وإن كان لم يتعد ذلك الكلام ـ لكن في الحقيقة والممارسة لم تتقبل الأطراف الفاعلة فيه الحركة بشكل طبيعي كشريك في الجسم العام للنظام،

وحرصت هذه الأطراف على إبقاء الحركة في الهوامش والأطراف، وبقاء الفيتو قائما على وصولها إلى الكثير من المواقع والمناصب التي بقيت محرمة عليها وعلى رجالها وعلى كل من يحمل توجهها الأيديولوجي رغم كل خطاب الطمأنة الذي قام به الشيخ نحناح والأدوار المهمة التي قام بها والحركة ككل لصالح الجزائر باعتراف الكثير من رموز النظام أنفسهم،

في حين فإن مواقف نفس الطرف بمكوناته ومؤسساته المختلفة في تونس من خيارات حركة النهضة والغنوشي إلى حد الآن في عمومها مرحب ومتقبل ومزكي، ولا أدل على ذلك حضور الرئيس السبسي لمؤتمر النهضة وكلمته المعبرة عن كل ذلك خلاله، مع أننا نقر أن الحكم عن هذه القضية تحديدا مازال سابقا لأوانه، فقد يتغير الموقف بين عشية وضحاها بتغير الظروف والمعطيات، لأن الأمر على ما يبدو تتحكم فيه أوضاع تونس العامة الصعبة على كل المستويات وحالة الضعف والتشظي التي تعانيها كل مكونات الساحة السياسية والحزبية في تونس باستثناء النهضة الطرف الذي ما يزال الأقوى والأكثر تماسكا إلى حد الآن.

وفي العموم هذه جملة ملاحظات حول المقارنة بين تجربتي الرجلين(نحناح والغنوشي)، ومع كل الذي أوردته في هذا المقال فإنني أعلن صراحة بأنني من المعجبين بالتجربتين وفكر الرجلين، وأرى أنهما يحملان نفسا تجديديا داخل منظومة الحركة الإسلامية العربية تحديدا، التي مازالت مكبلة بالكثير من الجمود والتقليدية والروتين القاتل، مع الإقرار أن تجربة الشيخ نحناح ـ للأسف الشديد ـ لم تكتمل وانتهت في خطوطها الكبرى والإستراتجية مع وفاته بشكل مفاجئ، والتجربة في رأيي مازالت في بدايتها، ودخلت الحركة من بعده في الكثير من الأزمات والمآزق لعل أخطرها حالة الانقسام والتشظي لأسباب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها هنا، وهو ما لانتمناه لحركة النهضة ولتجربتها خاصة في ظل وجود المؤسس بروحه التجديدية وفكره المستنير والمستوعب وعطائه المتجدد، وإن كان عليه وعلى إخوانه وأبنائه في النهضة أن يستحضروا تجربة الحركة في الجزائر ومآلاتها خاصة بعد وفاة مؤسسها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله.

جمال الزواري