وطني و عربي و سياسي

الثلاثاء,23 فبراير, 2016
مجلس نواب الشعب : من الحزب الواحد إلى التعددية الحقيقية

الشاهد_لم يكن المشهد السياسي التونسي لعقود من الزمن شبيها بالذي نراه اليوم، فقد تعود الشعب التونسي على الحزب الواحد والرأي الواحد والرئيس الواحد … واليوم وعلى عكس ما كان يتوقعه الجميع أصبحت تونس مثالا للتعددية الحزبية وهو ما يبرز جليا في مجلس نواب الشعب الذي بات مسرحا واقعيا تلعب فيه ادوار البطولة مختلف التيارات اليمينية واليسارية في تونس.

 

وبالعودة إلى هذه الأحزاب تكون حركة النهضة او ما يعرف سابقا بالاتجاه الإسلامي هي الاقدم من حيث التأسيس أما بالنسبة لبقية مكونات المجلس فهم في الغالب وليدو الثورة ولم تتجاوز أعمارهم خمس سنوات.

 

الأحزاب الأولى في مجلس نواب الشعب

تعتبر الأحزاب اليمينية هي الاولى في مجلس نواب الشعب إذ تحتل حركة النهضة المرتبة الأولى بتسعة وستين مقعدا تليها حركة نداء تونس بخمسة وستين مقعد بعد استقالة 21 نائبا من كتلتها وانضمامهم إلى كتلة الحرة.

 

الأولى التي سنتحدث عنها هي حركة النهضة أو ما كان يعرف بالاتجاه الاسلامي فقد تقدمت في 6 جوان 1981 بطلب تأشيرة من نظام بورقيبة مما أدى إلى كشف أوراقها وقبض بورقيبة تقريبا على كل القياديين فيها بمن فيهم الرئيس المؤسس راشد الغنوشي وبعد أن أمضوا 4 سنوات في السجن أطلق سراحهم، لكن أعيدت محاكمتهم لاحقا عندما تولى بن علي الحكم سنة 1987 فتراوحت الأحكام بين الإعدام والمؤبد وعشرات السنين من السجن لكل قيادييها الذين لم يتمكنوا من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي وحرموا من أبسط مقومات العيش ولم يتمتعوا بحقوقهم المدنية الا بسقوط نظام بن علي.

 

حركة النهضة كانت العدو الاشد لنظام بن علي فكانت أكثر من عانى الويلات بسجن 30 ألف مناضل صلبها واستشهاد العشرات تحت سياط تعذيب الجلادين عدا الأثار التي مازال يعاني منها قياديوها إلى حد الآن من أمراض مزمنة… وتسبب النظام في تهجير خيرة الشباب إلى الخارج والعيش هناك في ظل الأنظمة الديمقراطية التي وافقت على منحهم اللجوء السياسي نظرا للظروف السياسية في ذلك الزمن.

 

 

وتعتبر اليوم حركة النهضة من ركائز الحكم في تونس خاصة لما امتازت به من سلاسة في التعامل مع مختلف مكونات المشهد السياسي وتخليها عن الحكم رغم كونها منتخبة من قبل الشعب في انتخابات شهد العالم على نزاهتها وشفافيتها مما أكسبها مصداقية كبرى لدى الرأي العام المحلي والدولي.

 

وتأتي في المرتبة الثانية حركة نداء تونس كما ورد الحديث سابقا، التي تأسست في 16 جوان 2016 من طرف الباجي قائد السبسي الذي ترأس الحكومة مباشرة إثر سقوط نظام بن علي، وكان قد تعهد بعدم عودته إلى النشاط السياسي بعد تسليم الحكم إلى الحكومة الشرعية المنتخبة من طرف نواب الشعب لكنه عاد بمشروع سياسي تمثل في حركة نداء تونس، قائلا إنه جاء بهذا المشروع من اجل إنقاذ تونس مما يمكن أن تقع فيه من طمس للهوية التونسية في ظل حكم حركة النهضة، على حد ما صرح به حينها.

 

وبقي الباجي قائد السبسي رئيسا للحزب إلى حين انتخابه رئيسا للجمهورية سنة 2014 فاستقال من منصبه لأن الدستور يفرض عليه ذلك وتولى محمد الناصر نائبه رئاسة الحزب إلى حدود هذه اللحظة.

 

لكن المثير للانتباه أن هذه الحركة شهدت خلال السنة المنقضية والتي تلتها وبعد استقالة رئيسها المؤسس سلسلة ازمات كبيرة ساهمت في زعزعة صورتها لدى الرأي العام بسبب ما تمت ملاحظته من تكالب القياديين فيها على المناصب العليا صلب الحزب، ومؤخرا انشق الأمين العام لها محسن مرزوق عن الحزب ساعيا إلى تأسيس حزب جديد كما استقالت مجموعة من النواب الممثلين لها في مجلس نواب الشعب وكونوا كتلة أطلقوا عليها كتلة الحرة انضم إليها 26 نائبا من نداء تونس، كما استقال نواب اخرون ولم يعلنوا انضمامهم إلى أي كتلة من الكتل الموجودة في المجلس.

 

 

الأحزاب اليسارية الممثلة في المجلس

تعتبر الجبهة الشعبية مزيجا من الأحزاب التي تأسست في فترات متراوحة خلال سنوات الثمانينات، فقد تم تأسيس حزب العمال الشيوعي التونسي في 3 جانفي 1986 من طرف حركة العامل التونسي في ظروف سياسية متأزمة للغاية عندما كان بورقيبة في اخر ايامه وكان بن علي يستعد للانقضاض على الحكم.

 

منع حزب العمال من الترخيص لدى إعلان تأسيسه في أواسط الثمانينات، لكنه استمر في نشاطه السياسي والنقابي المناهض للحكومة والمطالب بمزيد من الحريات النقابية والسياسية، ومزيد من تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

 

تعرض هذا الحزب إلى ما تعرضت له سائر الأحزاب الأخرى من مضايقات من طرف نظامي بورقيبة وبن علي فدخل بعض أعضائه إلى السجن بالإضافة إلى أنه كان لا يفتؤ يعبر عن معاداته لكل من يختلف معه إيديولوجيا وكانت حركة الاتجاه الاسلامي في ذلك الزمن هي منافسه حتى لا نقول عدوه، ورغم ذلك خاض حزب العمال تجربة مشتركة مع هذه الحركة سنة 2005 عندما قاموا بإصدار بيان 18 أكتوبر وطالبوا وقتها بإطلاق سراح المساجين السياسيين وإعلان العفو التشريعي العام لان النظام في تلك المرحلة كان يخوض معركة ضد كل من يدعو إلى الحرية والديمقراطية، وتفاءل الكثيرون بقرب سقوطه لان كل علامات ضعفه كانت بارزة.

 

العنصر الثاني الأكثر بروزا في الجبهة الشعبية هو حزب الوطنيين الديمقراطيين الذي يعد من التيارات اليسارية القديمة في تونس فقد ظهر الوطنيون الديمقراطيون في 1975 في الجامعة التونسية كرد على طرح منظمة الشعلة الماوية التي اختلف معها في مسالة بناء الحزب الشيوعي التونسي إلى جانب مسائل أخرى اهمها قراءة طبيعة المجتمع والموقف من النظام السياسي القائم.

 

انقسم الوطنيون الديمقراطيون إلى عدة تنظيمات مثل الوطنيين الديمقراطيين بالجامعة والوطنيين الديمقراطيين الوطد والشيوعيين الوطنيين الديمقراطيين… وأسسوا نواتات تنظيمية في الجامعة والاتحاد العام التونسي للشغل والمنظمات الحقوقية وكانوا من دعاة إسقاط نظام بن علي.

 

ويعتبر هذان الحزبان المكونان الرئيسيان للجبهة الشعبية التي تمثل بدورها جزءا من البرلمان التونسي ممثلة بخمسة عشر مقعدا، فقد أكدت منذ اول يوم لها في المجلس أنها ستكون ضمن المعارضة ولن تدخل في حكومة تشارك فيها النهضة في خطاب إقصائي يعود بنا إلى السنوات الأولى من وجود هذين المكونين ضمن المعارضة التي كانت موجودة في عهد بورقيبة وبن علي.

 

هكذا أصبح التونسيون يعيشون في ظل التعددية الحزبية التي إن أفصحت عن شيء فقد أفصحت عن الحرية التي أنعمت بها ثورة الكرامة والحرية على الأجواء التونسية فأصبح يوم الرابع عشر من جانفي من كل سنة يوما ينزل فيه التونسيون من كل حدب وصوب للاحتفال بذكرى الثورة رغم أنها مازالت تتعلم المسير في ظل الأوضاع المحلية والإقليمية العسيرة.