مقالات مختارة

الثلاثاء,29 سبتمبر, 2015
متى هبط آدم إلى الأرض

الشاهد_كنت أقول لصديقتى ذات مرة : أنا أخاف الموت جدا ولا أعتقد أن هذا جبن، أنا لا أخاف مواجهة الناس ولا الفشل ولا الظلام ولا البدء من جديد فى أى تجربة، لا تخفينى فكرة صعود قمة جبل أو ركوب الطائرة فى ذاتها، لكن يخفينى امكانية أن يحدث خطأ يؤدى إلى النقطة التى لا رجوع فيها! الموت!

حيث لا يمكننى أن أكفر عن ذنبى ولا أستغفر ولا أطلب من الله فرصة أخرى، كل هذا أنا أعيش على رجاء أننى غدا سأصبح أفضل، تشعر وكأنك غير مستعد للموت أبدا والوقوف بين يدي الله وإقرارك أنك شعرت بالنعمة، وأنك وجهت حياتك له كما يجب.

عقلك ينسحب فى غياهب الدنيا أياما عديدة ثم تفيق بضربة فى المرض أو الرزق أو فقد حبيب لديك أو حتى مجرد كآبة فى قلبك٬ ولا تجد مخرج من هذا اليأس إلا نور الله عز وجل، اللحظة التى تدرك فيها معنى كلمة (الله) فعلا. وكم هى قريبة وصادقة وليس هناك أمل غيرها.

كنت أقرأ سورة الأنبياء فوجدت فى الآيات تتكرر كلمة (ونوحا إذ نادى)، (وأيوب إذ نادى ربه)، (وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى فى الظلمات)، (وزكريا إذ نادى ربه).

كلمة النداء هذه تشعر أنها تهتف من القلب، ليس نداء عاليا ولا صراخا، بل هو كلام هامس يخرج من القلب بأخلص كلمة يشعرها الإنسان فى ضعفه وعجزه (يارب)، وفى كل مرة الله عز وجل يقول (فاستجبنا له)، سيدنا نوح (فاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ)، سيدنا أيوب (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)، سيدنا يونس (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ).

لاحظ هنا أن ربنا أعقب بالمؤمنين كى ندرك أنها خاصة بكل من آمن من أعماق قلبه أن الله موجود وأنه سيجيبه، سيدنا زكريا (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ)، فى كل آية، لم يخذل ربنا أحدا.

لكنى أخاف لأنى لا أعلم إلى متى ستستمر مهلة الله لى كى أكف عن الغفلة وتكرار الذنب مائة مرة، فكنت أحدث صديقتى عن ذلك فقالت لى: (أنا أثق ان الله لن يميتنى على شر، ليس لأننى صالحة ولكنى أحاول أن أكون كذلك)!

ناقشتها : (لكن سيدنا عمرو بن الخطاب لم يقل ذلك، بل كان دائما يبكى ويخاف من ذنبه)، فقالت : هناك فارق بين أن ترضى عن نفسك وأن ترضى عن الله، لو وصلت لمرحلة أنك راض عن صلاتك وصيامك ومالك الحلال، وترى أن هذا سيقودك إلى الحياة الموفقة والجنة فهذا خطأ٬ لأنك هنا لم تنتبه لاسم الله (الهادى) الذى أنعم عليك وهداك إلى عبادته. والصحابة على الرغم من عبادتهم لم يقعوا فى هذا الخطأ فكانوا يرون أنفسهم دائما مقصرين فى حمدهم للرحمن.

أحيانا يفكر المرء بهذه الطريقة، حسنا يارب لقد أطعت أمى وصليت وأدفع صدقة منتظمة، أنا فى انتظار أن تهبنى زوجة أحبها وترقية موفقة فى العمل، لم يدع الله برحمته وفضله إنما بعمله .. السؤال هل يمثل ذلك العمل شيء عند الله؟

هل يصعد إليه العمل فيقدره ثم بعد ذلك يقرر أن ينعم على المرء بقدر ما أجتهد؟

أنا لا أرى الصورة كذلك، بل أتصورها أن هناك خالق منعم جالس فوق العرش، وهب مخلوقاته التكوين والحياة ويرزق الكل سواء شكروا أم كفروا، يريد أن يرى عباده يعترفون باحتياجهم له، لذلك كان الحديث (لو أنكم لا تخطئون لآتى الله بقوم يخطئون فيغفر لهم).

قال لى أحدهم فى تفسير ذلك ـ وهو معنى أول مرة أفهمه ـ إن المعصية تعنى الضعف، والاستغفار يعنى اعتراف الإنسان بضعفه أمام خالقه، ليس الضعف الجسدى فقط، بل أمام الشهوة والغضب واليأس، وهذا هو الفارق ما بين معصية آدم وإبليس، الاثنان خالفوا الأمر، ولكن هذا خالفه عن كبر فخرج من رحمة الله وهذا خالفه عن ضعف فغفر الله له.

هناك محاضرة جميلة للغاية لعالم رياضيات اسمه د.(جيفرى لانج) يتحدث فيها عن فهمه لقصة الخلق من خلال القرآن، كان يقرأ آيات سورة البقرة :

(قلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين)، كان يفسر إنه لم يجد الله مهددا متوعدا أو خائفا من تمرد الإنسان، وليس كما جاء فى بعض الكتب أنه وضع ملك حارس أمام الشجرة كى يحميها من آدم، بل إن الله حتى لم يحدد فى الآيات شجرة بعينها، تفاح مثلا أو ليمون بالذات، تشعر وكأنه أختار أى شجرة.

وكأن الأمر فقط اختبار بسيط للإنسان كى يعلمه أن يطيع ربه .. أنظر لتلك الآيات (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه).

يقول د.جيفرى إننى سألت صديق عربى ما معنى كلمة (أزلهما)، قال slip ، تزحلق أو فقدان تركيز لحظي، لم أجد ربا ساخطا ولا عواصف عاتية ولا ثورة انقلب لها الكون، لم يجعل الله عز وجل المرأة تتألم فى حملها وتعانى من عادة شهرية طوال عمرها عقابا لها، لم يذكر تلك الأمور تكفيرا لذنبها، بل هى صفات فيها كأى مخلوق ضعيف يستشعر الحاجة للرحمة، حتى إنك حينما تتأمل الآيات ستجد أن فكرة خروج آدم من الجنة لم تكن انتقاما أصلا.

بداية الآيات قوله تعالى (وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة)، إذا الإنسان فى جميع الأحوال كان سيهبط إلى الأرض كى يكون وكيلا لله فى الأرض، ومرحلة الجنة كانت تمهيدية له كى يستعد للهبوط، حينما أصبح الإنسان قادرا على الاختيار بين الخير والشر.

وأيضا حينما تعلم عاقبة الطاعة وهو استمرار النعيم وعاقبة العصيان وهو التعب والمعاناة، وحينما تعلم أن رحمة الله ستحيطه طوال الوقت (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم)، حينها هبط آدم إلى الأرض.

إننى أحب أن استغفر الله واسأله (برحمته التى وسعت كل شىء)، حينها يصغر الذنب بشدة وأشعر أننى أنادى الله بأمل كبير.

كل خوفى من الموت والذنب والمستقبل يذوب فى رحمته التى خلقت السماء والأرض والحياة، لا أنسى تلك اللحظة التى ركبت فيها طائرة وكنت خائفة جدا لدرجة أن بكيت وبحثت عن أى يد أتمسك بها، وأنا وحدي وسط السماء، فكرت فى الله وقلت: لو أننى آمنت الآن بشدة فى رحمته فهل هذا سيجعلنى لا أشعر بالخوف ولا تسيطر علىً خيالات الانفجار والسقوط؟

أغمضت عينى وشعرت بطمأنينة كأنها خدر، وحينما أفقت نظرت من النافذة فرأيت السحاب ممتدا فوقه خيوط الفجر، شعرت وكأن الله يرد علي، لم يكن دعاء القلب وهم، ولم يتركنى الله أستغيث دونما حتى علامة، بل أنزل الطائرة وأنار ظلمات الليل، ربما من الغرور أن أقول إنه فعل ذلك من أجلي، لكن من يدرى حكمة الله الواسعة ومداها؟

أدعوكم لسماع تلك المحاضرة حتى آخر كلمة فيها، هى عبارة عن تساؤلات وأحجية تراود كل قلب منا، لكن إدراك تلك الإجابات وربطها ببعضها أنار فى عقلى الكثير وجعلنى أدرك علاقتى بالله بشكل جديد تماما.