أهم المقالات في الشاهد - فن

الثلاثاء,28 يوليو, 2015
مترجم: شروخ فی عرش الفرعون، هل يفقد السيسي دعم حلفائه؟

الشاهد_“قد یتم القبض عليّ في أيّ وقت، الشرطة السرية تتتبعني ليل نهار” تقول أمل، 40 عامًا. إنها متوترة، متوترة للغاية، تغير موضوع الحديث كل بضع دقائق. زميلها، أيمن، 35 عامًا، يجلس بجوارها. يتساءل هل سيُسمح له بمغادرة البلاد غدًا من أجل رحلة عمل؟

أمل وأيمن أعضاء في المكتب السياسي لحركة شباب 6 إبريل المحظورة حاليًا، وهي حركة تضم مجموعة من النشطاء ساعدوا في تنظيم ثورة 2011 ضد الديكتاتور حسني مبارك. بعد الثورة كان ينظر إليهم باعتبارهم أبطالًا. منح البرلمان الأوروبي جائزة ساخاروف لحرية الفكر لأسماء محفوظ، إحدى عضوات الحركة.

بعد أربع سنوات، حُكم على أحمد ماهر، الأمين العام للحركة بالسجن 3 سنوات بتهمة مخالفة قانون التظاهر. لتبریر حبسه، لم تعد الدولة ولا الإعلام يعتبران النشطاء أبطالًا، بل يظهرونهم كعملاء فاسدين لجهات أجنبية يقومون بزعزعة استقرار الدولة. كنتيجة لهذا، يؤمن العديد من المصريين أن ثورة 2011 لم تكن سوى مؤامرة غربية.

النظام المصري يبدو في حالة من الرعب، لكن لا أحد يفهم لماذا بالضبط.

جماعة الإخوان المسلمين كانت الهدف الأول لحملة القمع التي تلت إسقاط مرسي، ثم تم إعلانها كجماعة إرهابية في ديسمبر 2013. فجأة أصبح الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين مساويًا للانتماء إلى منظمة إرهابية، وهو سبب كافٍ للاعتقال. منظمة هيومان رايست ووتش تقول إنه في الفترة من يوليو 2013 وحتى مايو 2014 تم اعتقال الآلاف وقتلُ المئات من قبل الحكومة. كانت تلك الموجة الأولى فقط من القمع.

الموجة الثانية

أمل وأيمن يواجهان الآن الموجة الثانية من الاعتقالات. “كنا ننظم يومًا للعصيان المدني بتاريخ 11 يونيو، عندما بدأت الشرطة في اعتقال الناس وحتى خطف الطلاب من بيوتهم وجامعاتهم”، يشرح أيمن. اختفاء الناس ليس ظاهرة جديدة في مصر، لكن خلال الأشهر القليلة الماضية يحدث الأمر بمعدل غير مسبوق. الجماعة الحقوقية المصرية “الحرية للشجعان” سجلت 163 حالة لأشخاص اختطفوا من قبل الأمن منذ أبريل 2015. البعض ببساطة اختفوا، أما البعض الآخر فقد تم إطلاق سراحهم بعد استجوابهم وضربهم من قبل الشرطة.

سبب هذه الاختفاءات والاعتقالات المفاجئة ليس واضحًا. النظام المصري يبدو في حالة من الرعب، لكن لا أحد يفهم لماذا بالضبط؛ فعبد الفتاح السيسي يبدو غير قابل للمساس. تم انتخابه كرئيس بنسبة 96.1% من الأصوات في يونيو 2014؛ في يناير، تم اعتماد الدستور الجديد بنسبة 98.1% في استفتاء شعبي. كما أن مشروعي السيسي الكبيرين يبدو أنهما يسيران بشكل جيد، قناة السويس ستكون جاهزة يوم السادس من أغسطس، كما أنه حظي بتوقيع عقود قيمتها 36 مليار دولار في المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ الذي انعقد في أبريل الماضي.

دوليًّا، اكتسب الرئيس السيسي دعم دول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا وروسيا. خوفًا من جماعات متطرفة مثل الدولة الإسلامية والجماعات التابعة لها في ليبيا ومصر، يدعم قادة العالم أجندة مصر لمكافحة الإرهاب، فبينما تنهار دول مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا، فإن مصر تبدو مستقرة على الأقل. معظم المصريين يتفقون مع هذا التحليل.

هذا هو السبب الذي جعل الكثيرين يتفاجؤون عندما ظهرت أخبار الحملة الأمنية القاسية في الجرائد الرسمية الكبرى في أبريل. يعلم كل مصري أن مقالات كهذه لا يمكن لها أن تظهر دون موافقة مالك الجريدة وواحد من الأجهزة الأمنية الثلاث للدولة. بعد أسبوعين فقط، جريد الوطن المقربة للحكومة خصصت صفحتها الأولى لمقال بعنوان “الجهات السبع الأقوى من السيسي”، هذه الجهات تشمل الفساد والأشخاص ذوي النفوذ ورجال الأعمال ووزارة الداخلية والإعلام والاقتصاد غير الرسمي ومواقع التواصل الاجتماعي. هذه النسخة من الجريدة تم إزالتها من الأسواق.

الإحباط المتنامي

هذه المقالة في جريدة الوطن هي مثال للإحباط المتزايد. “أدفع الآن ضعف الضرائب التي كنت أدفعها العام الماضي، لكنني لا أحصل على أي شيء إضافي في المقابل.” يشتكي سلطان، 41 عامًا، مقاول محلي في منظمة دولية غير حكومية. ألفريد، 38 عامًا، مهندس، قرر أن يغادر مصر بسبب ارتفاع معدلات التضخم. “مستوى معيشتي يضعف كل شهر، لم أعد قادرًا على دفع الفواتير”، يقول متنهدًا، معظم الناس يرفضون إعطائي أسماءهم الكاملة.

ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 30% عن العام الماضي. ألفريد ليس وحده في قرار الهجرة. أظهر استطلاع رأي أجرى مؤخرًا أن أكثر من ربع المصريين الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عامًا يريدون ترك البلاد بسبب انخفاض الأجور أو انعدام فرص العمل. 30% من المصريين هم بين 15 و 29 عامًا، العديد منهم يتطلعون للهجرة.

ينتشر الإحباط إلى جميع قطاعات الشعب المصري. جريدة البورصة المالية نشرت مقالًا بعنوان: “لماذا تتحرك الحكومة بسرعة سلحفاة؟” الرئيس السيسي يتفق علنًا مع هذا النقد ويشكو من عدم قابلية الحكومة للإصلاح. تتردد شائعات أنه سيستبدل ما يقارب نصف الحكومة في تعديل وزاري آخر.

منذ توليه السلطة في يوليو 2013، أعطى السيسي أربعة وعود، إصلاحات اقتصادية وإصلاحا دينيا وانتخابات ديمقراطية وانتصارا في المعركة ضد الإرهاب. بالنسبة لوعده الأول يبدو أن الأمور تسير بشكل معقول بشكل أو بآخر؛ السيسي أصدر قوانين ضرائب واستثمار جديدة، وجذب مليارات الدولارات من الاستثمارات. الشركات العالمية تشعر بتفاؤل حذر بشأن مستقبل الاقتصاد الكلي للبلاد وقررت البقاء في مصر.

مع ذلك، هناك العديد من النكسات. الإعلان عن عاصمة جديدة في قمة شرم الشيخ اتضح أنه ليس أكثر من مجرد فكرة متحمسة. خطط أخرى أيضًا لم تتحقق. المشكلة الأكبر هي أن السياحة –أهم مصدر للدخل في مصر- قد تضررت بشدة.

وعد السيسي الثاني، إصلاح الإسلام، اتضح أنه خطأ سياسي. في خطوة تهدف إلى مواجهة الإخوان المسلمين، طلب السيسي من جامعة الأزهر، المؤسسة المرموقة للإسلام السني، أن تعيد إصلاح الإسلام. قناة تلفزيونية قبلت التحدي ونظمت نقاشًا مباشرًا بين أكاديميين من الأزهر ومفكر شهير، إسلام البحيري.

فجأة، وجد المصريون أنفسهم وجهًا لوجه مع نقاش صعب يطرح على العلن عن القرآن ودور الدين في المجتمع. الأزهر اتهم البحيري بالكفر. سبب كافٍ لجعل المقدم التلفزيوني الشهير إبراهيم عيسى ينتقد السيسي بقسوة.

في الـ 31 من مايو، حُكم على البحيري بالسجن 5 سنوات بتهمة ازدراء الأديان، لكن أبواب النقاش بقيت مفتوحة ولا أحد سيكون قادرًا على إغلاقها من جديد قريبًا.

الوعد الرابع الذي قطعه السيسي على نفسه يبدو أنه الأكثر إيلامًا له، فالسيسي ليس حتى قريبًا من تحقيق نصر في معركته ضد الإرهاب.

في اليوم الذي أطاح فيه السيسي بالرئيس مرسي، قرأ إعلانًا بخارطة طريق للإصلاح. تحدث عن انتخابات رئاسية، وتحضير للانتخابات البرلمانية. بعد مرور عامين، ليس هناك حتى قانون لنتظيم انتخابات البرلمان. أحد أسباب فشل الخطة هو عدم قدرة السيسي على توحيد الأحزاب السياسية في ائتلاف واحد كبير لخوض الانتخابات.

لا يبدو أن معظم المصريين يشعرون بالقلق لهذا التأخر الانتخابي، لكن اللاعبين الأساسيين على الساحة يشعرون به. في مصر، الأحزاب السياسية يتم إدراتها من قبل كبار رجال الأعمال الذين يدفعون لنشاطات الحزب. رجال الأعمال هؤلاء بدؤوا يشعرون بالإحباط. جزء آخر من الأثرياء –ومعظمهم يدين بالولاء لنظام مبارك- يريدون مقاعدهم البرلمانية، مصدرهم للحصول على الاحترام والعلاقات الاجتماعية.

النخبة الاقتصادية هي واحدة من ركائر المجتمع المصري. إنها جزء مما يسمي “الدولة العميقة”، شبكة تضم وزارة الداخلية وحتى الفنادق الفاخرة على البحر الأحمر.

هذه الشبكة ليست فقط محبطة بسبب تأجيل الانتخابات، بل إن معظم رجال الأعمال يشعرون بخيبة أمل إزاء حقيقة أن نصيبهم من الكعكة يبدو أصغر كثيرًا مما كان متوقعًا. العديد من العقود التجارية الجديدة تذهب إلى المؤسسات العسكرية، مما يوسع الدور الذي يلعبه الجيش في الاقتصادي المصري، وهو الدور الهائل بالفعل. كبار رجال الأعمال هؤلاء دعموا السيسي وحملته الرئاسية، وها هم يحصلون على لا شيء في المقابل.

جزء كبير من الانتقادات المفاجئة للسيسي في الإعلام يأتي نتيجة للمعركة بين الجيش والدولة العميقة. هذه الشبكة القديمة تعرف كيف تدمر نظامًا، والسيسي يعرف هذا، مما يجعله في وضع حرج.

الوعد الرابع الذي قطعه السيسي على نفسه يبدو أنه الأكثر إيلامًا له، فالسيسي ليس حتى قريبًا من تحقيق نصر في معركته ضد الإرهاب. المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان ذكر في تقريره أن 1800 مدني و 700 من أفراد الأمن قتلوا في الفترة ما بين يونيو 2013 وديسمبر 2014.

معدلات الإشغال بلغت 400% لأقسام الشرطة و 160% للسجون، والوضع لا يزداد إلا سوءًا. شهدت الأشهر الثلاث الأولى من عام 2015 هجمات إرهابية بعدد تلك التي شهدتها البلاد في عام 2014 بالكامل. حاول انتحاري تفجير سيارة مفخخة في معبد الكرنك بالأقصر، بينما أدى انفجار سيارة مفخخة أخرى إلى مقتل النائب العام.

على الرغم من الانتشار العسكري الهائل، فإن الجيش لا يزال غير قادر على السيطرة على شبه جزيرة سيناء. جماعات مرتبطة بالدولة الإسلامية والقبائل البدوية المسلحة تحول سيناء إلى أفغانستان مصر. قتل 5 جنود على الأقل عندما هاجم إرهابيون الحواجز العسكرية في سيناء في وقت سابق هذا الأسبوع.

المزيد من العنف

المزيد من شباب جماعة الإخوان المسلمين يضجرون من التزام قادتهم بالسلمية، ما يضاعف من احتمالات تفاقم الوضع. أصدقاء هؤلاء الشباب محبوسون أو حتى يواجهون أحكامًا بالإعدام. بينما هم خائفون على حياتهم في مصر، فإن قيادات الإخوان المسلمين يعيشون في لندن وإسطنبول والدوحة. بعض الشباب غادروا ساخطين إلى سوريا للانضمام إلى قوات الدولة الإسلامية. آخرون يبنتظرون تغييرًا في الإستراتيجية وقد وضعوا آمالهم على الملك الجديد للمملكة العربية السعودية.

خلافًا للملك السابق، فإن الملك سلمان يؤمن أن مصر لا تستطيع بالعنف والقمع أن تربح الحرب ضد من يقدر عددهم بـ 2 مليون شخص من الإخوان المسلمين. هو يعتبر إيران وليس الإخوان المسلمون كالخطر الوجودي الأكبر، ويريد أن يبني تحالفًا سنيًا واسع المدى. الدعم المالي من السعودية ودول الخليج الأخرى حفظ مصر من الانهيار منذ 2013.

لكن إلى أي مدى ستظل السعودية صابرة على المعارك الأيديولوجية للسيسي؟

لدى السيسي حق في أن يكون متوترًا. هو يعلم أن استقرار مصر هش للغاية. والحل الذي يراه هو المزيد من القمع. باسم الحرب على الإرهاب يبحث الغرب عن وسيلة أخرى. مرة أخرى، مصر تشبه غرفة ممتلئة بالغاز، نحن لا نعلم بعد متى سينتهي الهواء منها. عندما يحدث هذا، فإن شرارة واحدة ستكون كافية لجعل كل شيء ينفجر مرة أخرى.


KOERT DEBEUF