أهم الأخبار العالمية : عربي و دولي

السبت,25 يوليو, 2015
مترجم: الاستراتيجية الصينية الكبرى والمخاوف الأمريكية من الصعود الصيني

الشاهد_هيئات دولية جديدة بقيادة صينية وتخبط أمريكي

تقدمت 57 دولة الشهر الماضي ليصبحوا أعضاء مؤسسين بالكيان الصيني الجديد: “البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية” (AIIB) بمقره في العاصمة الصينية بكين.

والذي صُمم ظاهريًا ليساعد في تمويل المشاريع التي تلبي احتياجات الدول الآسيوية من البنية التحتية، وقد ترك إنشاء البنك الجديد (AIIB) واشنطن حائرة ومتخبطة حول كيفية الرد.

فالبعض في الولايات المتحدة يشيد بالصين على تحملها مسؤولية دولية أكبر واستخدامها القوة الناعمة في المساعدة على نمو آسيا.

والبعض الآخر يعارض هذه الخطوة بحجة أنها تُقوض قيادة الولايات المتحدة للنظام الاقتصادي، وتستخدم المساعدات كوسيلة لدعم الخطة الاستراتيجية الصينية الكبرى.

وضع فيليب لبيسكي شرحًا مفصلًا لهذا الأمر في مقال بمجلة Foreign Affairs تحت عنوان “من يخاف من AIIB؟ “. ويقول في المقال أن قلق المسؤولين بالولايات المتحدة من أن يقوض البنك الجديد من دور جهات الإقراض الدولية ومواصفاتهم القياسية المُتبعة، هو قلق في غير محله.

ويضيف أن الصين حاليًا دولة منسجمة مع النظام العالمي بشدة، لدرجة قد لا يتخيلها الكثيرون، خاصة عندما يتعلق الأمر بالهيئات الدولية. وعلاوة على ذلك، فمساعدات التنمية “منطقة سياسية عالية التنافسية ومقسمة بين الجميع”، والجهات المانحة – كما يقول – من المستبعد أن تخصص أي موارد لمؤسسة تسعى لتحقيق أهدافها الخاصة، ولا تخضع للمساءلة أمام المساهمين بها.

بالإضافة لقدرة الصين على تقليل تأثير وشروط وكالات المعونة القائمة في أي حدث، وذلك عن طريق المساعدات المباشرة، والعلاقات الثنائية مع الدولة صاحبة الشأن، والأنشطة الخارجية للشركات المملوكة للدولة، بشكل أكثر سرعة وأكفأ من الاعتماد على بنك AIIB.” ويستنتج لبيسكي من ذلك: أن واشنطن يجب أن تساعد بنك AIIB، بل وتنضم إليه لتستطيع تشكيل سياساته وطريقة عمله من الداخل.

وتناول لبيسكي بشكل رائع السؤال حول مشاركة الولايات المتحدة في بنكAIIB وتأثيره على المواصفات القياسية للجهات الدولية المانحة للقروض.

ولكن يرى الخبراء الاستراتيجيون الأمنيون ذلك التساؤل كجزء تكتيكي صغير مقارنةً بالتساؤلات الاستراتيجية الأكبر والأشد تأثيرًا. عمل الصين خارج نطاق تأثير حق الفيتو للولايات المتحدة قادر على إتاحة الفرصة لها لإعادة ترتيب النظام العالمي من جانب واحد.

وسيضمن بنك AIIB فوائد متنوعة للصين وسيمدد نفوذها السياسي والاقتصادي في كل أرجاء آسيا، وسيدعم مجهوداتها في جعل عملتها اليوان عملة احتياط دولية.

وستحصل الشركات الصينية على وضع مميز بسبب خبرتها الكبيرة في مجال البنية التحتية، وستستفيد أكثر من غيرها من منافع رأس مال بنك AIIB المقدر بحوالي 100 مليار دولار.

ويقلق العاملون في المجال الأمني من أن قيام بنك التنمية متعدد الأطراف بتوفير رأس المال الكافي لحاملة الطائرات القادمة، من الممكن أن يساعد في المقابل على منح الحاملة حقوق الرسو في الموانئ الأجنبية، أو يستخدم في تمويل شبكات أنابيب النفط والغاز الكافية لوقاية الحاملة من خطر حظر الوقود عنها.

النظرة الصفرية للصراع الأمريكي الصيني

قد تبدو نظرة الصراع الصفري للمسألة ميكافيللية لا داعي لها، فهل يجب أن تقابل الولايات المتحدة أي تقدم صيني بالعداء، وتعتبر أنه يأتي على حسابها؟ تعتمد إجابة هذا السؤال ومعرفة كيف يجب أن تنظر واشنطن للبنك، على أهداف الصين منه وعلاقته بخطتها الاستراتيجية الكبرى.

ما هي الاستراتيجية الصينية الكبرى؟

إذا قمت بسؤال عشرة باحثين صينيين عن ماهية الخطة الاستراتيجية الكبرى للصين، فستحصل على 10 إجابات مختلفة.

بصورة رسمية، فلا وجود لشيء بهذا الاسم. لكن يمكن للمراقبين أن يستشفوا الأولويات المكونة لتلك الاستراتيجية، والتي تُشكل سويًا عناصر تلك الخطة الاستراتيجية.

واليوم، يمكن القول إن الأولوية القصوى التي ينهمك فيها الحزب الشيوعي الصيني هي محاولة التخفيف من نقاط الضعف والسعي لتحقيق الاستقرار والنمو.

حل النمو الاقتصادي السريع كمحرك أساسي للنظام الصيني بدلًا من الأيدولوجيا منذ فترة طويلة. حدث هذا عندما احتاجت الصين للنمو أكثر من أي وقت مضى لتقليل التصدع في نظامها والناتج عن: الفساد المستشري، وصراع النخبة، والاضطرابات السياسية والاجتماعية، والتدهور البيئي، والتحديات السكانية الهائلة. وتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني إلى أدنى مستوياته منذ ربع قرن.

خارجيًا، الصين لديها نقطة ضعف كبيرة بخصوص واردات الطاقة التي تعمل على استمرارية الاقتصاد الصيني، والتي يجب أن تسافر معظمها لآلاف الأميال في البحار المفتوحة وتحت حراسة البحرية الأمريكية وخلال مضيق ملقة البحري الصغير. لكن هذه النقطة غير مسموح بها في الاستراتيجية الصينية الكبرى وخاصة في أوقات الحروب.

ويمكن القول بأن من أهداف الاستراتيجية الصينية الرئيسية: توفير مصادر مختلفة ومتنوعة من الطاقة، والتي يمكن الدفاع عنها. بالإضافة للنمو الاقتصادي السريع المدعوم بإمدادات من خلال الصادرات المتزايدة للسوق الآسيوي.

كيف ستسيطر الصين على آسيا

لدى بنك AIIB القدرة على دفع كلا الهدفين للتقدم. لكنه ورغم ذلك، لا يمثل إلا إصبعًا واحدًا في اليد الصينية التي تعمل على السيطرة على كل آسيا بشكل أكثر إحكامًا أكثر من أي وقت مضى.

استثمارات “سلسلة اللؤلؤ” الصينية في مرافق الموانئ على طول المحيط الهندي تمثل إصبعًا آخر في اليد الصينية. ففي فبراير الماضي، استحوذت شركة “لؤلؤة التاج” المملوكة للدولة الصينية على الميناء الباكستاني “جوادر”. بينما تُمثل شبكة أنابيب النفط والغاز الطبيعي الجديدة من ميانمار/بورما إلى كازاخستان أحد الأصابع الأخرى في تلك اليد، بالإضافة إلى خطوط السكة الحديد الجديدة التجارية والصناعية من غرب الصين حتى أوروبا. فقد قام قطار البضائع الصيني العام الماضي بأطول رحلة قطارات متصلة في التاريخ، لمدة 21 يومًا وحوالي 8,000 ميل من مقاطعة زي يانج الصينية وحتى إسبانيا ذهابًا وعودة.

وفي نفس الوقت الذي تناقش فيه روسيا والصين تفاصيل تعاقد على أكبر خط أنابيب غاز على الإطلاق بقيمة 40 مليار دولار. وأخيرًا، فبكين لازالت متحفظة على الإعلان عن تفاصيل مبادرة الطرق الجديدة “حزام واحد، طريق واحد” وهي رؤية مُحدثة لطرق حرير جديد. وهي رؤية طموحة لربط آسيا كلها بمحور يتصل بالصين.

صعود القوميين الصينيين

هناك مبرر قوي خلف كل خطوة من خطوات المبادرات الصينية الاقتصادية. وكل مبادرة على حدة بمعزل عن السياق العام لا ينبغي أن تثير أي إنذار على وجود ما يقلق. لكن وبدون شك فتلك المبادرات تُقوي وضع الصين الاستراتيجي، وهو الأمر الذي يثير القلق أكثر إذا ما تم ربطه مع السياسة الخارجية الصينية. فهو يصعد مع ارتفاع مد القومية التي يستخدمها القادة الصينيون كأداة، لكنها قد تنفجر وتخرج عن سيطرتهم. ويظهر القادة الصينيون – مؤقتًا على الأقل – معتنقين لفكرة الاستقرار والنمو، لكن هناك طموح نيو ليبرالي أكثر ينمو في الظل.

يرى القوميون الصينيون المتطرفون أن القوات الأمريكية قد حجّمت دور الصين بكفاءة من خلال تكتيك “سلسلة الجزيرة الأولى” لتحجيم الصين بداية من كوريا الجنوبية وحتى إندونيسيا. كما يعتقدون أن الولايات المتحدة تشجع سرًا التوتر بين الصين وجيرانها في محاولة منها لاحتواء الصعود الصيني. ومؤيدو تلك الجماعات لهم موقف شديد العدائية تجاه تواجد قوات الولايات المتحدة في المنطقة، ويتبعون تكتيكات مثل التحرش بقوارب المراقبة التابعة للولايات المتحدة في منطقة النفوذ الاقتصادي الصيني الحصرية EEZ.

يميل القوميون الصينيون لفكرة معاقبة جيرانهم مثل اليابان وفيتنام والفلبين وحتى الهند، الذين يعتقدون أنهم استغلوا فترة الضعف الصيني النسبي وادعوا سيطرتهم على جزر في جنوب وشرق بحر الصين وعلى طول الحدود الأرضية كذلك. ويسعون للوصول لحل أفضل بالنسبة للصين بخصوص تلك المناطق ولو استدعى ذلك استعمال القوة. وعلى المدى البعيد، فالكثيرون منهم يتطلعون لاستعادة ناعمة لنظام الروافد الصيني القديم – كانت كثير من دول جنوب شرق آسيا تمثل دور شبكة الروافد التجارية للصين – حيث تصبح القوى الإقليمية المختلفة معتمدة بشدة على بكين أو خائفة منها، فيسهل انقيادهم وخضوعهم لها.

الخطة الصينية لما بعد الكارثة المالية العالمية في عام 2008

من غير الواضح كيف سيحاول القادة الصينيون تحقيق تلك النتائج وفي أي أطار زمني؟ لكن منذ عام 2008 انعكس ذلك الطموح على السياسة الصينية بوضوح وتركيز أكثر. ففي هذه السنة، قامت الصين بحسابات خاطئة للتحول الحادث: فقد فسرت الأزمة المالية العالمية على أنها دليل على انتهاء دور الولايات المتحدة وغروب الدور الأمريكي الاستراتيجي في آسيا.

ونتيجة لذلك، شهدت السنوات التالية زيادة مقلقة في الاستفزازات من جانبها في جنوب وشرق بحر الصين، وزيادة في حدة خطابات القوميين الصينيين، ونفقات عسكرية زائدة غير مربوطة بإجمالي الناتج القومي، ومواجهات على طول الجبهة بين الصين والهند، وزيادة طفيفة في اعتراض السفن الأمريكية في منطقة EEZ الصينية وزيادة في استصلاح الأراضي في جزيرتي سبراتلي وباراسيل المتنازع عليهما.

وبالرغم من أن هذه الأحداث قد بدأت قبل تولي الرئيس الصيني شي جين بينج ذي التوجه القومي الواضح. إلا إن الصين تبنت في عهده أكثر المواقف حدة وعداءً. فقد تخلت الصين في عهده عن سياسات عصر دينج شياو بينج المتمثلة في الشعار “أخفِ قوتك، وانتظر الوقت المناسب لك” وبدلًا منه توجهت للسعي نحو “الحلم الصيني” بمنتهى الثقة. وبإعلانه عن شعار “آسيا للآسيويين” الجديد يعمل شي جين بينج بجِد لنزع شرعية التواجد الأمريكي في المنطقة.

الخطوط الأمريكية الحمراء أمام الصين

منذ بداية هذا القرن تبنت واشنطن توجهًا حذرًا وتشاوريًا نسبيًا تجاه الصين. وتم إخفاء القلق بخصوص حقوق الإنسان والحريات السياسية، والسياسات التجارية التمييزية، والنمو العسكري في سبيل الرؤية الأكبر، وهي: إدماج سلمي للصين في النظام العالمي بقيادة الغرب.

هذا النهج كان ناجحًا إلى حد كبير في تنظيم الروابط في عهد الرئيس جورج بوش الابن. لكنه أقل نجاحًا في عهد الرئيس باراك أوباما. ويتحمل الرئيس بعض المسؤولية تجاه هذا، لكنه ناتج أيضًا عن كون الصين أكثر ثقة وحزمًا فيما بعد عام 2008. ومنذ ذلك الحين، فردود أفعال واشنطن التي يتم رصدها للتغيرات التدريجية في الوضع دعت الصين للمزيد من كسر باقي الحواجز.

وبناءً على ما سبق، فقد خلق هذا حالة جدل في واشنطن عن تغير هذا النهج تجاه العملاق الصيني. وتنصح تقارير حديثة صادرة من معهد كارنجي ومن مجلس العلاقات الأجنبية بتبني سياسة جديدة أكثر قوة “تتضمن عددًا من العناصر التي تحد من إساءة استخدام الصين لقوتها المتزايدة” و” تركز على موازنة القوة الصينية الصاعدة بدلًا من تركها تُكمل تعزيز سطوتها.”

ويحذر التقرير من اتباع “سياسة الاحتواء” على غرار أسلوب الحرب الباردة، لكنه يشجع واشنطن على ترك المثالية الدبلوماسية والبدء في اتخاذ ترسانة من الإجراءات القوية من ضمنها: اتفاقات تجارية تفضيلية والتي “تعمل على استبعاد الصين دائمًا” من الحصول على نظام تحكم تكنولوجي قوي يسمح للصين بحيازة معدات عسكرية قادرة على إلحاق ضرر استراتيجي كبير بالولايات المتحدة، وبناء مزيد من القدرات القتالية للولايات المتحدة وحلفائها.

التعايش السلمي بين أمريكا والصين

وقد أوضح التقرير مرارًا في إثبات مفرط في التشاؤم عن حقيقة “عدم وجود احتمالية حقيقية لبناء تعايش سلمي” أو ” تفاهم مشترك” مع الصين. هناك شروط يمكن من خلالها التوصل لتسوية تحترم خصوصية المصالح لكل الدول بما فيها الدول المجاورة للصين. لكن هذا الحل يعتمد بشكل كبير على السلوك الصيني وربما – ويا للعجب – يمكن إنجازه بسلوك أمريكي أكثر حزمًا. لكن ما تفتقده هذه النقاشات هو “الخطوات الفاصلة الحرجة”: ففي صعيد أمني غامض يجب على الولايات المتحدة أن تضع الخطوط الحمراء بشكل أكثر وضوحًا أمام الصين.

صعوبة تطبيق الخطوط الحمراء

تحديد هذه الخطوط الحمراء سيخلق تحديات كبيرة وكثيرة في الوضع الراهن. فإذا وضعت الولايات المتحدة تلك الخطوط بشكل واضح قوي، قد يؤدي هذا للمخاطرة بعدم استطاعتها حماية تلك الخطوط الحمراء وربما ما هو أسوء من هذا حتى، بالإضافة لاستفزاز بكين والمساعدة في صعود أكثر للقوميين الصينيين. بينما وضع تلك الخطوط الحمراء بشكل خجول وضعيف سيؤدي لتشجيع الصين على المضي قدمًا في طريقها لاستغلال الأوضاع لصالحها.

مشاريع مثل بنك AIIB لا يمثل خطرًا في حد ذاته لكنه يقدم دفعة استراتيجية كبيرة للصين، مما سيؤدي لاستحالة إرساء تلك الخطوط الحمراء. هناك بعض الوجاهة لمعارضة الولايات المتحدة لمثل تلك المبادرات، كما وضح من مبادرة بعض حلفاء الولايات المتحدة للمشاركة في هذا البنك رغم المعارضة الأمريكية. لكن لا يجب إغفال أن بنك AIIB والطريق الحريري الجديد سيساعدان على رفع مستوى معيشة ملايين الأشخاص في كل أرجاء آسيا وأوروبا. ولكن بدلًا من النظر لكل أمر على حدة يجب على الولايات المتحدة أن تنظر للصورة الكاملة للاستراتيجية الصينية وتعلم أن المخاطر والفرص الناتجين من ذلك سيؤديان لمسار مكاسبه ستؤول للقوميين الصينيين.

الولايات المتحدة كضامن للعملية لا كطرف صاحب مصلحة

برغم هذه المخاطر فوضع خطوط حمراء في الوقت الحالي حرج جدًا، لأن أي تعامل خشن من قبل الولايات المتحدة تجاه الصين سيواجه صعوبة تكوين مجموعة من الحلفاء في هذا الأمر. من إحدى الجهات: لم يكن نطاق المحيط الهندي أكثر تخوفًا من الصعود الصيني وتطلبًا لزيادة الوجود الأمريكي كما يحدث الآن. وفي نفس الوقت، فنمو القوة الصينية وزيادة تأثيرها سيجعل الوصول لنهج أكثر حزمًا مع الصين أكثر صعوبة. وكلما زادت القواعد العامة الموضوعة وضوحًا، زادت الشرعية وقبول تلك القواعد من شركاء الولايات المتحدة. وقل الاستفزاز الواقع على الصين. يجب أن تعمل الولايات المتحدة على ألا يتم النظر إليها كطرف في القضية وصاحب مصلحة، بل كضامن وحكم لعملية عادلة ونزيهة بمبادئ متسقة.