الرئيسية الأولى

السبت,4 يونيو, 2016
مبادرة السبسي الحكومية… إحراج للمعارضة أم حل لأزمة؟

الشاهد _ بدأ موضوع الحكومة في تونس يتصدّر الحراك السياسي، إثر دعوة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، يوم الخميس، إلى “التفكير في تغيير الحكومة الحالية بحكومة وحدة وطنية، على أن تتكوّن من أحزاب الائتلاف الحالية، ومن الاتحاد العام للشغل (نقابة العمال)، ومنظمة أرباب العمل، بالإضافة إلى المستقلين أو أحزاب المعارضة الراغبة في ذلك”.

وقد شبّه السبسي هذه المرحلة التي تمرّ بها تونس، بمرحلة ما بعد الاستقلال عن المستعمر الفرنسي (1956)، عندما شاركت المنظمتان في تلك الحكومة. وبالتدقيق في حديث السبسي عن كل ما أحاط بهذه الخطوة المفاجئة، يمكن استنتاج أنها لم تكن تأكيداً حاسماً بأنه ماضٍ فعلاً في هذا الخيار، بل ترك الباب مفتوحاً أمام كل الاحتمالات. يأتي حديث السبسي ومبادرته بناءً على جملة من الاستنتاجات الموضوعية حول الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتردي، وتراجع مداخيل الدولة بشكل مخيف.

مع العلم أن السبسي كشف أن نقص موارد الدولة من مداخيل الفوسفات يُقدّر بخمسة مليارات دينار (2.4 مليار دولار)، إذ تراجعت الكميات المصدرة منه، كما تراجع إنتاج البترول والغاز، الذي كان يغطي حوالي 93 في المائة من الحاجات الوطنية. كما تراجع النشاط السياحي بظلّ الانخفاض الحادّ في مداخيله، تحديداً بعد عمليتي باردو وسوسة الإرهابيتين العام الماضي. وكشف عن أنّ الخسائر بلغت 1.7 مليار دينار (792 مليون دولار). وكشف السبسي أن كلفة مقاومة الإرهاب تقدّر بثمانية مليارات دينار (3.8 مليارات دولار)، كما أنّ الوضع في ليبيا يكلّف تونس خسائر تقدّر بأربعة مليارات دينار (1.9 مليار دولار).

وتقود كل هذه الأرقام التي قدمها الرئيس التونسي إلى استنتاج سياسي هام، وهو أن مشاكل الدولة سببها أساساً الوضع الاجتماعي الصعب، وتعطيل الإنتاج وتراجع المداخيل، بالتالي الفشل في تنفيذ البرامج وتحقيق الوعود، ما يعني أن الحل يمرّ حتماً عبر إيقاف هذا النزيف، من خلال تحييد النقابة أو إشراكها وإغراقها في مشاكل الحكومة، وإقحام منظمة رجال الأعمال في اتخاذ القرار، ورفع سقف الاستثمارات والتخلّص من وضع الخوف والانكماش الاقتصادي.

وتؤكد كل الدراسات أن تونس كان يمكن أن تتفادى اللجوء إلى قروض كبيرة، لو بقي إنتاجها من الفوسفات والبترول في مستوى المعدلات العادية، ولم تتأثر بالإضرابات، ما يعني حتمية دخول النقابة في الحكومة، وهو ما أشار إليه السبسي.

يعرف السبسي جيداً أنه سيكون رابحاً في حالة نجاح مبادرته أو فشلها، في الحالة الأولى ستكون الحكومة الجديدة مستقرة، وستمهّد لوضع اجتماعي أكثر انفراجاً، وربما تقود للهدنة الاجتماعية التي طالبت بها كل حكومات ما بعد الثورة، ولم تتمكن من تحقيقها. وكلها عوامل ستغيّر من ميزان المداخيل والمدفوعات، وستُمكّن بالتالي من تحقيق بعض الوعود الانتخابية، وتؤدي لنجاح سياسي أكيد، يجني ثمارها السبسي نفسه، الذي نجح في تجميع القوى المتنافسة أو المتصارعة، متمكناً من تحريك الوضع السياسي الراكد.

وكان السبسي قد انتقد سلوك بعض أحزاب المعارضة ونزولها إلى الشارع للاحتجاج، داعياً إيّاها إلى المعارضة داخل البرلمان بدلاً من الخروج إلى الشارع، معتبراً أن “المعارضة لا تكون معارضة مواجهة أو مصادمة أو احتجاجية”، وهو، حسب رأيه، أحد الأسباب التي جعلت الديمقراطية بطيئة في تونس.

أما في حال فشل المبادرة ورفض المنظمتين والمعارضة المشاركة في الحكومة، فستكون في وضع محرج سياسياً أمام الرأي العام، لأنها رفضت إخراج البلاد من الوضع الصعب الذي تمر به، وبقيت في وضع المتفرج والمعرقل لعمل الحكومة ورغبتها في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما أشار إليه السبسي وألمح إليه في حديثه.
غير أن الرئيس التونسي يدرك جيداً أن مبادرته لا تتسم بكثير من الواقعية، بحكم الوضع المتشنج بين المنظمتين المعنيتين من ناحية، ورفض أحزاب من المعارضة مشاركة “حركة النهضة” أو “نداء تونس” في طاولة الحوار الحكومي. وهو أمر ليس بجديد. مع العلم أن الأمين العام لاتحاد الشغل حسين العباسي، سبق له أن ردّ على فكرة طرحها رئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر، حول حكومة الوحدة الوطنية، مشدّداً على أنّ “الاتحاد سيرفضها لأنّه يرى أنّه من الأفضل الابتعاد عن الحكم”.

لكن العباسي أكد، أمس الجمعة، أن “الاتحاد يدعم إرساء حكومة وطنية تحظى بأكبر إجماع وتوافق ممكنين، إلا أنه لا يرى نفسه من ضمن المشاركين فيها، خصوصاً أن الأحزاب السياسية هي التي خُلقت لتحكم”، بحسب تعبيره. وشدد أمين عام اتحاد الشغل في تصريح لـ”العربي الجديد”، على أن “الاتحاد لطالما تبنّى منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية والشروع في تشكيل الحكومة، فكرة حكومة وحدة وطنية تجمع أكثر ما أمكن من مشاركة وتوافق، ولا يزال يعتبرها الحل لهذا الوضع، غير أن هذا التوافق يجب أن يشمل الأحزاب السياسية لا المنظمات والنقابات”.
وأوضح العباسي أن “الاتحاد يدعم تشكيل حكومة الوحدة، ويعتبر المبادرة إيجابية كونها تأخذ بعين الاعتبار الوضع الذي تعيشه البلاد في هذه المرحلة من تاريخها”، معبّراً عن رغبة الاتحاد في “انخراط كل الأحزاب في هذا المسار”. ووفق ما أكده العباسي، فإن “عدم مشاركة الاتحاد أمر محسوم”، مبرراً ذلك بأن “المنظمة لا تود أن تكون طرفاً في أي حكومة، ولكنها لن تقف كمتفرج سلبي على هذه المبادرة، بل ستخوض مشاورات حولها وحول المحاور والأولويات التي ستعمل عليها مع التشديد على دعمها ومساندتها”. من جانبه، قال الناصر لـ”العربي الجديد”، إن “المبادرة لا تزال فكرة لم تتبلور بعد وسيتم تقديم تفاصيلها بعد الانتهاء من التشاور حولها”.

أما في مسألة قيادة الحكومة، فقد كان السبسي واضحاً بتأكيد أن رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد يمكن أن يرأسها، أو أي شخصية تكون محل اتفاق وإجماع، مؤكداً أن الصيد لا يعارض فكرة حكومة الوحدة. واعتبر السبسي أن أداء حكومة الصيد كان متوسطاً ومقبولاً مقارنة بالأوضاع الاقتصادية الصعبة والمشاكل الاجتماعية التي تجابهها. ومع أن السبسي وجّه بعض الانتقادات لرئيس حكومته، أولها فشله في كشف الإنجازات والصعوبات على حدّ سواء، وتراخي الحكومة وغياب حزمها في تنفيذ القانون. واعتبر أنّ جهود الدولة في هذا الصدد منقوصة وغير كافية. كما طالب زعيم “النهضة” راشد الغنوشي، في مؤتمر حزبه، في مايو/ أيار الماضي، بـ”إعادة هيكلة بعض الوزارات، واستنباط وسائل وآليات جديدة أكثر إبداعاً وقاطعة مع الرتابة السياسية”. مع ذلك يحظى الصيد بدعم السبسي وزعيم “النهضة” راشد الغنوشي.

كما أن الصيد نفسه أبدى عدم معارضته منطق حكومة الوحدة، وأنه جاهز لقيادة الحكومة أو مغادرتها، ولكن إشارته إلى أنه سينطلق في مشاورات مع كل الأحزاب، إذا دعي لذلك، تُرجّح أنه كان على علم بالمبادرة، وأنه قد يقود مشاوراتها بنفسه. وهو أمر مرجّح بالنظر إلى علاقته الجيدة بأغلب الأطراف.
وكشف الصيد، في حوار إذاعي، أمس الجمعة، أن “قبوله برئاسة الحكومة سابقاً كان استجابة منه للواجب الوطني”، مبيّناً أن “مصلحة البلاد إذا اقتضت بقاءه في السلطة أو مغادرته فإنه سيستجيب لذلك”. وأشار رئيس الحكومة إلى أنّ “مبادرة رئيس الجمهورية تدخل ضمن صلاحياته الدستورية التي تخوّل له التقدم بمبادرات بهذا الحجم”. ورأى أنّ “وضع تونس صعب، والجميع مطالب بالتفاعل من أجل مصلحة البلاد التي يجب أن تكون فوق جميع المصالح”. وأفاد بأن “الائتلاف الحاكم مكوّن من أحزاب غير متجانسة، وأن دوره كان تقريب وجهات النظر بينها، وهو ما يتطلّب التروّي”.

وليد التليلي – العربي الجديد