مقالات مختارة

الخميس,10 مارس, 2016
ما وراء عملية بنقردان

الشاهد_يوم أول امس، وفيما كان جنودنا البواسل، وعناصر أمننا من مختلف الأسلاك، يخوضون، معركتهم ضد الإرهاب، ويصوّبون فوّهات بنادقهم نحو العدوّ، كانت منابر إعلامية قد تحوّلت إلى منصّات لإطلاق الاتّهامات في كل الاتجاهات، ومحاولة استثمار تضحيات أبناء مؤسّساتنا الأمنيّة والعسكريّة والديوانيّة لتصفية حسابات سياسيّة ضيقة لأبعد الحدود.

 

من الرّوضات القرآنيّة، إلى المساجد، مرورا بالترويكا والنهضة وقطر وتركيا، لم يترك أشباه الإعلاميّين وبعض أشباه المحلّلين إساءة ولا بذاءة إلّا وجّهوها إلى هذا الوطن. منابر، لم تنتظر انتهاء العمليّات التي كانت جارية، لتبدأ رقصتها على جثث جزء من أبناء الوطن، ولتتحوّل إلى منصّات لقصف الوحدة الوطنيّة الصماء، التي أبداها أبناء شعبنا وهم يواجهون مع قوّات الأمن والجيش العناصر الإرهابيّة.

 

المشهد كان بائسا إلى أبعد الحدود، حيث تصدّر أشباه الصحافيين وأشباه المحلّلين المنابر، ليتجاوزوا كل الحدود، وليتعدوا على المقدّسات وليبثّوا حقدهم الدفين تجاه المساجد والمآذن والكتاتيب، في اصطفاف أعمى لا يخدم في النهاية إلّا الإرهابيّين.

 

الأكيد، أن أحداث بنقردان، ستنتهي إن لم تكن قد انتهت بعد، والأكيد أنّها ستبوح بمكنوناتها ولو بعد حين، لنعرف حقيقة ما جرى، وحقيقة ما كان يُدبّر لبلادنا، ولماذا سارعت بعض المنابر إلى تحويل الصّمود الأسطوري لجيشنا وأمننا وأبناء شعبنا في بنقردان إلى مناسبة للسبّ والشتم ومحاولة الاستثمار مجدّدا في الإرهاب.

 

سيكون لدينا متّسع من الوقت، لنعرف حقيقة الوثائق المسرّبة ومن سرّبها، ولماذا لم نستعد جيّدا رغم أن المعلومات متوفّرة لدينا بشكل واضح ومن خلال اعترافات دقيقة بأن 100 من العناصر من داعش تستعدّ لإقامة ولاية (إمارة) في بنقردان.

 

سيكون لدينا متّسع من الوقت، لمعرفة كيف تحرّكت كل هذه العناصر وخزنت كل تلك الأسلحة دون أن ينتبه إليها أحد.

 

سيكون لدينا متّسع من الوقت لمعرفة ما إذا كانت داعش هي من تقف لوحدها خلف ما جرى أم أن ما تعرّضت له بلادنا كانت حربا يتجاوز داعش.

 

سيكون لدينا كل الوقت لنعرف كيف تمكنّا من القضاء على العناصر الإرهابيّة ومن ساعدنا في ذلك، وما هي العناصر الاساسيّة التي حسمت المعركة، ولنشكر من القلب كل من وقف معنا ضدّ هذا الهجوم البغيض، ولنقول لهم أنّنا لن ننسى لكم هذا الجميل أبدا.

 

سيكون لدينا متّسع من الوقت لنشكر كلّ الذين ساهموا من قريب أو من بعيد في صدّ هذا الهجوم الغادر، ولنترحّم على أرواح الشهداء ونسأل الله لهم الرحمة والمغفرة، ولنواسي الجرحى ونسأل الله لهم الشفاء العاجل.

 

ولكن في انتظار ذلك علينا أن نقف مع أنفسنا وقفة حازمة، لنقول لبعض العابثين بأمننا، والعاملين على محاولة زعزعة استقرارنا، وإفشال تجربتنا في الانتقال الديمقراطي، وهذا مربط الفرس، لن تنجحوا في تونس التي أطلقت الثورة. لأنّ أرض الخضراء التي شاءت الأقدار أن تنطلق منها موجة الربيع العربي ستكون مقبرة للثورة المضادةّ وأداتها الأساسيّة الارهاب ممثلا في داعش وأخواتها.

 

وبنفس القوّة سنتصدّى لحلفاء داعش في الدّاخل والخارج، الذين حاولوا وضع بعض المنابر الإعلاميّة في خدمة الارهابيين وأجندتهم المتمثّلة أساسا في إجهاض حلم شعوب المنطقة في التحوّل والانتقال الديمقراطي السلمي الهادئ والرصين.

 

ما جرى، ليس عمليّة إرهابيّة، ولا هو محاولة لتشكيل ولاية داعشية في الجنوب، فقط، ما جرى اكبر من ذلك، انه محاولة لجرّ تونس إلى الحريق العربي، وإعلان بلادنا دولة فاشلة على غرار اليمن وسورية والعراق، والقضاء نهائيّا على حلمنا، في الحرّيّة والديمقراطيّة. هذا هو الرهان، الذي اشتغلت وتشتغل عليه أنظمة وقوى معلومة في المنطقة، وأي قراءة لا تأخذ في الاعتبار هذه الأبعاد فهي قراءة منقوصة، إن لم تكن قراءة مخاتلة مخادعة.. بل متآمرة.

 

ويكفي أن نقرأ لبعض المفكّرين الغربيّين ومن بينهم الكتّاب الفرنسيّون، الذين لا يخلطون بين البحث والاجتهادات الفكريّة، والصراع السياسي والخلافات الإيديولوجيّة، لنجد تفسيرات أكثر عمقا، وأكثر موضعيّة، لظاهرة الارهاب، تتجاوز الكتاتيب والجمعيات الخيرية وتركيا وقطر، وكأنّا بهؤلاء الكتاب والباحثين الجادّين يردّون بشكل أو بآخر على أشباه الإعلاميّين وأشباه الخبراء والمحلّلين عندنا.

 

فباحث كجيل كبال أكّد في تصريحات له خلال زيارته الأخيرة لبلادنا، أن “تنظيم داعش يستهدف تونس، لأنّ نجاح التجربة الديمقراطيّة فيها يمثل رعباً له”. وأضاف، كبال، في محاضرة ألقاها حول “نشأة وتاريخ الجهاديّة المعاصرة”، أن ”التجربة الديمقراطية في تونس تُرعب داعش، لأنها موجودة في بلد عربي مسلم، وهذا يعتبرونها (رِدّة) يجب القضاء عليها، لأن تفكيرهم منحصر بين مفهومين أساسيّين، هو الولاء والبراء، الولاء للفتاوى والبراء من الديمقراطيّة، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل”.

 

ويمكن أن نضيف على كلام كبال، أن التجربة التونسيّة ترعب داعش، ومن يقف وراء داعش ومن يحرّكها، اي كلّ الأنظمة التي عادت وتعادي الربيع العربي، وكل رموز الثورة المضادّة في بلادنا من إعلاميّين وغيرهم، لذلك نجد هذا التحالف الموضوعي بينهم وبين داعش، ولذلك نجدهم في كلّ مرّة يستثمرون في الإرهاب بينما يستهدفون كل علامات التحوّل الديمقراطي في مقابل الإشادة بالعهد البائد والنظام البائد.

 

ما جرى في بنقردان جزء من المؤامرة الكبرى التي تتعرّض لها تجربتنا الوليدة في الانتقال الديمقراطي، ولكن شعبنا الذي حمى الثورة، ورفض الانجرار الى العنف والفوضى، وحمى يوم أمس جنودنا وعناصر أمننا، إضافة إلى كلّ الأصدقاء والجيران الذين حموا تونس ولا يزالون، هؤلاء جميعا سفّهوا أحلام شياطين داعش والمتحالفين موضوعيّا معهم.

 

ولعل حالة التوتّر التي تقارب الهيستيريا التي طبعت أغلب المنابر الإعلامية، تجد أحد تفسيراتها في فشل محاولة اجتياح جزء من ترابنا الوطني، وإعلاننا بصفة رسميّة دولة فاشلة.

 

درس جديد وصفعة جديدة للدّواعش سواء كانوا في الداخل أو الخارج، وهي صفعة توجّه لكل أعداء ثورتنا وتجربتنا الوليدة في الانتقال الديمقراطي.

 

التحيّة لكلّ الذين ساهموا من قريب أو من بعيد في تسطير ملحة بنقردان المجيدة,.

عاشت تونس حرّة مستقلّة

المجد والخلود للشهداء

ولا عاش في تونس من خانها

 

محمد الحمروني

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.