أهم المقالات في الشاهد

الخميس,29 أكتوبر, 2015
ما الذي نعرفه حقا عن وفاة أسامة بن لادن؟

في تقرير مثير صدر مؤخرا تحدّثت صحيفة النيويورك تايمز الأمريكيّة عن كشف ثغرات كبيرة في الروايات المتواترة للعمليّة العسكريّة التي قتل خلالها الجيش الأمريكي زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن و قدّمت رواية جديدة بناء على معطيات جديدة أكثر دقّة لواحدة من أكثر العمليات التي يكتنفها الغموض.

الشاهد إطلعت على التقرير و نقلته إلى اللغة العربيّة:

كان مارك بودين يشاهد لعبة كرة القدم بين فيليز وميتس في ليلة 1 ماي 2011، عندما قطعت الشبكة استعدادا للخطاب الذي سيلقيه الرئيس أوباما في الغرفة الشرقية من البيت الأبيض. وقال الرئيس، “هذا المساء، يمكنني أن أعلم الشعب الأميركي والعالم أن الولايات المتحدة قد نفذت العملية بنجاح و التي أسفرت عن مقتل أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة والإرهابي المسؤول عن قتل آلاف الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال”.

خمس دقائق أو حتى بعد أن اختتم الرئيس تصريحاته المقتضبة، حيث تجمع الآلاف من الأميركيين أمام البيت الأبيض وفي نقطة الصفر يرددون “الولايات المتحدة الأمريكية! الولايات المتحدة الأمريكية!”، رن هاتف بودين المحمول.

و كان المتصل مايك ستينسون، رئيس أفلام جيري بروكهايمر. وكان بودين قد عمل مع بروكهايمر على إنتاج فيلم ”بلاك هوك داون” الذي أحرز أفضل مبيعاته سنة 1999.

“وقال مايك ‘انظر مارك، يريد جيري أن ينتج فيلما حول هذا الشيء المسمى بن لادن، وأنه يريد أن يجمع كل الناس الذين شاركوا في إنتاج فيلم ‘بلاك هوك داون،’ “كما قال لي بودين على الغداء في الآونة الأخيرة”.

‘و إنه يريد أن يعرف: هل ستكون على استعداد لكتابة السيناريو؟'”. وأجاب بودين بالموافقة الجازمة.

و سرعان ما وصل بودين إلى جاي كارني، الملحق الصحفي لأوباما في ذلك الوقت، لطلب مقابلة مع الرئيس.و كانت تجمع بين بودين وكارني علاقة ودية من خلال ملف تعريف عن المحيط الأطلسي الذي كتبه إلى نائب الرئيس جوزيف بايدن في وقت سابق.

ولم يزل يعرب عن دهشته لسماع استجابة مشجعة، خاصة في ظل وجود سيل من الطلبات التي يعرف بودين أنه يجب على الرئيس أن يتلقاها. وقال كارني انه لا يستطيع تقديم أي وعود لكنه سيدعو بالتأكيد نيابة عنه. إلا أن ستينسون قال في اليوم التالي أن بروكهايمر قد غير رأيه.

وبعد أن فكر للمرة الثانية، قرر بودين تأليف كتاب بدلا من ذلك، حيث كان هناك تطابق كامل بين المؤلف والموضوع في بعض النواحي. بودين المتخصص في تأريخ العمليات السرية، وبالإضافة إلى فيلم ”بلاك هوك داون”، الذي يروي قصة الغارة التي شنها الجيش الأمريكي رينجرز وفرق قوة دلتا التي أخفقت بشكل كارثي عام 1993 في الصومال، كتب كتبا عن البعثة التي فشلت في إنقاذ الرهائن الأمريكيين في إيران في عام 1980 والمطاردة الطويلة لبابلو أسكوبار، أحد كبار تجار المخدرات في كولومبيا.

ويتمثل المنهج الذي يتبعه في تأليف تلك الكتب في الجمع بين تقارير شاملة مع القص الحي للوقائع، مما يساعد بودين على الميل إلى الكتابة عن الأحداث التاريخية لفترة طويلة بعد وقوعها. و عادة ما يحرص الناس على الجلوس معه، وعادة ما تسنح لهم الفرصة للتحدث بكل حرية. ويؤدي موضوع مقابلة إلى عقد مقابلة أخرى، التي تقود بدورها إلى أخرى، وهلم جرا. إنها عملية يمكن أن تستغرق سنوات.

وقد أثبت كتاب بن لادن أن يكون نوع مختلف جدا من التعهد، فقد كان بودين يحاول أن يسرد القصة، بعد أشهر قليلة من حدوثها. ولم يكن سوى عدد قليل من الناس – عدد من الأشخاص من الإدارة العليا والمسؤولين العسكريين وقوات البحرية الذين نفذوا العملية – مطلعا على الأحداث التي وقعت في ذلك المساء. ولم يكن هناك تقريبا أي أثر لوثيقة لبودين لنتمكن من متابعتها، نظرا إلى أن الحكومة قامت بتصنيف جميع الوثائق المتعلقة بالغارة، بما في ذلك سجل بحث وكالة الاستخبارات المركزية لبن لادن. وكان بودين يطلب إجراء مقابلات عبر قنوات الإدارة الرسمية والأمل في ما هو أفضل.

و قد تم نشر كتابه بعنوان ”الإنهاء” في خريف عام 2012، وتعتبر القصة التي سردها واحدة من القصص المشهورة هذا اليوم. فقد حددت وكالة المخابرات المركزية، التي تعمل في الظل لسنوات عديدة، أحد الجواسيس الذي ضبطه ضباط الوكالة في نهاية المطاف في مجمع عالي الجدران في آبوت أباد، باكستان. وقد فحص بعض الوكلاء هذا المجمع لمدة أشهر عبر كاميرات الأقمار الصناعية البعيدة ولكن لا يمكن أن يكونوا على يقين من أن بن لادن كان موجودا في الداخل.

وإذا كان – احتمال 55/45 في المئة، كما قال أوباما في وقت لاحق، فإن الرئيس لا يريد السماح له بالفرار. وتتمثل المسرحية الآمنة في هدم المجمع لعدم ترك أي أثر عليه بواسطة قنبلة أو صاروخ، ولكن هذا قد يؤدي إلى وقوع خسائر في أوساط المدنيين، وكذلك يجعل من المستحيل التحقق من القتل بأي قدر من اليقين.

 وبدلا من ذلك، أرسل أوباما فريقا من القوات الخاصة البحرية ال23 في طائرتين من طراز بلاك هوك، حيث سقط أعضاء البعثة بأكملها تقريبا عندما كادت واحدة من طائرات هليكوبتر تصطدم بالأرض قرب قفص للحيوانات داخل المجمع.

ولكن القوات سيطرت على الوضع وسرعان ما قاموا بهجومهم، وكسروا البوابات والأبواب بواسطة شحنة ج 4 مما أسفر في نهاية المطاف، عن مصرع مستهدفهم. وقبل مغادرتهم، قاموا بتفجير الطائرة من طراز بلاك هوك التالفة، مما أدى إلى اندلاع حريق ضخم داخل المجمع. وكانت الحكومة الباكستانية في حيرة من أمرها إلى أن اختفت القوات.

وقد سردت هذه القصة المثيرة في أشكال مختلفة وكثيرة في الأشهر والسنوات التي تلت ذلك. وكان كتاب بودين واحدا من العديد من الكتب، ولكن كان هناك أيضا عدد لا يحصى من المقالات الصحفية، وصور المجلات والبرامج الإخبارية التلفزيونية، وآخرهم فيلم ”صفر الظلام الثلاثون” الذي أعلن عام 2012، والذي وصف نفسه بأنه رواية ”أعظم مطاردة في التاريخ”. وبهذا المعنى، لم يكن مقتل بن لادن فقط انتصارا للجيش الأمريكي ولكن أيضا لآلة القص الأمريكية، التي بدأت في حالة تأهب قصوى وجذابة للغاية لحظة ارتطام جثة الزعيم الإرهابي بسطح الأرض.

وفي الربيع الماضي، تلقى بودين مكالمة غير متوقعة أخرى على هاتفه المحمول عندما كان في طريقه إلى منزله في ولاية بنسلفانيا بعد اجتماع في نيويورك جمعه بناشره لمناقشة كتابه المقبل، الذي يروي قصة معركة هوي في حرب فيتنام. وعلى الطرف الآخر من الخط كان سيمور هيرش، صحفي استقصائي.

 وقد تم استدعاء هيرش ليسأل عن الصور الفوتوغرافية لدفن بن لادن في البحر – وقالت الحكومة الأمريكية، أن العملية قد نفذت وفقا للعرف الإسلامي – التي وصفها بودين بالتفصيل في الفصل الأخير من كتاب ”إنهاء” وكذلك من خلال مقطع من الكتاب الذي ظهر في مجلة فانيتي فير، حيث كتب بودين ”تظهر إحدى الصور الجثة ملفوفة في كفن مخاط”. ويتابع ”وتظهره الصورة التالية ملقا بشكل مائل على شلال، وقدمه في عرض البحر. وأما في الصورة الأخرى، فتظهر الجثة وهي تلامس الماء. وفي التالية، كان مرئيا فقط تحت السطح لحظة انتشار الموجات إلى الخارج. وفي الصورة الأخيرة لا يوجد سوى موجات دائرية على السطح وكان رفات أسامة بن لادن قد ولى إلى غير رجعة”. لقد أراد هيرش أن يعرف ما إذا كان بودين قد شاهد فعلا تلك الصور، غير أن هذا الأخير أجاب بالنفي وأوضح أنه تم وصفها له من قبل أحد شهود العيان.

وقال هيرش أن الصور لم تكن موجودة، وفي الواقع، ذهب إلى القول أن الرواية كلها حول كيفية مطاردة القوات الخاصة الأمريكية لبن لادن وقتله كانت فبركة. وقال لبودين أنه كان يستعد لنشر القصة الحقيقية لما حدث في أبوت أباد، حيث يعتقد أن ادعاءات هيرش من الصعب تصديقها. في حين حاول هيرش التعاطف بقوله ”لا أحد يحب أن يمثّل، مضيفا أنه لم يكن يقصد الإساءة. وعرج بودين على كلامه قائلا “قلت له انه لم يرتكب أي إساءة، و أنه كان، رغم كل شيء، سيمور هيرش، وأنه يجب أن يفعل ما يعتقد أنه الأفضل. ولكن في هذه الحالة، كنت أخشى أنه كان مخطئا”.

من الصعب أن نبالغ في تقدير مدى تأثير قتل أسامة بن لادن في درجة تحول السياسة الأمريكية. ومن وجهة نظر عملية بحتة، مكنت أوباما من إعادة تنصيب نفسه كزعيم جريء، بدلا من شخص مفرط في الحذر، قبل حملة إعادة انتخابه في عام 2012. وكان لهذا تأثير لا يمكن إنكاره على نتائج تلك الانتخابات، حيث كان جو بايدن مولعا بالتفاخر في الحملة الانتخابية و يردد شعار “أسامة بن لادن مات وجنرال موتورز على قيد الحياة”. و من الناحية الاستراتيجية، سمحت وفاة بن لادن لأوباما ليعلن انتصاره في الحرب على تنظيم القاعدة، مما منحه الغطاء الذي يحتاج لبدء خروج القوات الأمريكية من أفغانستان. وقد خلّص بمفرده تقريبا وكالة الاستخبارات المركزية، حيث حوّل الفشل المستمر منذ عشر سنوات للمخابرات في واحدة من أعظم الانتصارات في تاريخ الوكالة.

ولكن وفاة بن لادن كان له تأثير أكبر على نفسية الشعب الأميركي. رمزيا، لقد جلبت لحظة سيئة مطلوبة من الوضوح الأخلاقي، من بسالة أمريكية لا لبس فيها، إلى حرب غامضة محددة عن طريق التسوية الأخلاقية وحتى في الأوقات التي اعتلاها العار الجماعي. لقد أنجزت القوس التاريخي لهجمات 11 سبتمبر. وقد طردت الصورة المروعة من الأبراج المنهارة التي كانت راسخة في أذهان الجميع لسنوات من قبل واحدة من أوباما وكبار مستشاريه الذين اجتمعوا بكثافة حول طاولة في غرفة العمليات في البيت الأبيض، و يراقبون عن كثب كيف تم إقرار العدالة أخيرا لمرتكب الجريمة.

و قد كتبت أول إعادة البناء الدرامي في الغارة نفسها –”ما حدث في تلك الليلة في أبوت أباد للوصول إلى بن لادن”- من طرف كاتب مستقل يدعى نيكولاس شميدل ونشرت في مجلة نيويوركر بعد ثلاثة أشهر فقط من تنفيذ العملية. وقضى شميدل وهو ابن جنرال البحرية، بضع سنوات في باكستان، وقد كتب حول مكافحة الإرهاب للعديد من المنشورات، بما في ذلك هذه المجلة. وكانت قصته مع نيويوركر بمثابة رواية سينمائية من الجرأة العسكرية، التي تجتاحه لكن محببة أيضا في تفاصيلها الدقيقة، فمن ”الرنين المعدني لجولات التي أصبحت تجويفية” داخل اثنين من طائرات بلاك هوك مع اقتراب الفرقة البحرية من المجمع، إلى الطين الذي ”امتصوه في أحذيتهم” عندما نزلوا على الأرض. وقد أضاف أحد العناصر الذي أطلق النار على بن لادن،و يدعى مات بيسونات، بعدا شخصيا أكثر لقصة هذا الكتاب تحت عنوان ”لا يوم سهل” الذي حقق أكثر مبيعاته في وقت لاحق من السنة. وتمركز بودين في واشنطن، مع القراء داخل البيت الأبيض عندما قاد الرئيس ما أصبح يشكل لحظة حاسمة من رئاسته. وبعد ذلك برز فيلم ”صفر الظلام الثلاثون”، الذي كشف عن الاستجوابات الوحشية لوكالة الاستخبارات المركزية في كثير من الأحيان التي قالت عنها الوكالة أنها ساعدت في قيادة الولايات المتحدة إلى مجمع بن لادن.

 غير أن الرواية الرسمية لمطاردة وقتل بن لادن في البداية بدت وكأنها صورة واضحة، ولكن في الواقع كانت أشبه برسم مركب من وجهات نظر متعددة: البنتاغون والبيت الأبيض ووكالة الاستخبارات المركزية وعند دراسة هذا الرسم عن كثب أكثر، لم يبدو كل شيء صحيحا تماما. وكان على الإدارة التعجيل في تصحيح بعض التفاصيل الأكثر أهمية في الغارة. و لم يكن بن لادن “يشارك في تبادل لإطلاق النار” كما صرح نائب مستشار الأمن القومي، جون برينان، في البداية للصحفيين؛ بل كان غير مسلح، فضلا عن أنه لم يستخدم واحدة من زوجاته كدرع بشري. الرئيس وكبار مستشاريه لم يشاهدوا ”البث المباشر” للغارة في غرفة العمليات؛ فالعملية لم يتم التقاطها على خوذة الحدب، ولكن كانت هناك أيضا بعض الأسئلة المثيرة للجدل حول الطريقة التي تم عبرها حياكة القصة بأكملها. اعترف شميدل بعد نشر مقاله أنه لم يتحدث فعلا مع أي من فريق القوات الخاصة الأمريكية ال23. وبعض التفاصيل من تقرير بيسونات عن الغارة تتعارض مع التفاصيل الأخرى للجنرال السابق، روبرت أونيل، الذي ادعى في مجلة اسكير الشهرية وعلى شبكة فوكس نيوز أنهم أطلقوا الرصاصة القاتلة. وأدلى موظفون عموميون بتصاريح موثقة للصحفيين أن مشاهد التعذيب التي صورت بشكل واقعي في فيلم ”صفر الظلام الثلاثون” لم تلعب أي دور في مساعدتنا على العثور على بن لادن في الواقع.

ثم إنه لم يكن هناك غير محض قصة، التي طلبت منا أن نعتقد أن أوباما أرسل 23 فرقة من القوات الخاصة الأمريكية في مهمة التي تبدو انتحارية، لغزو الفضاء الجوي الباكستاني الذي يفتقر إلى الغطاء الجوي والأرضي، وحشد كافة القوى داخل المجمع الذي، إذا كان يحتوي حتى بن لادن ، بجميع الحقوق ينبغي أن يخضعوا لحراسة مشددة. ووفقا للخط الرسمي، فإن كل العمليات تتم دون أي نوع من التعاون أو حتى ضمانات من الخدمة العسكرية أو أجهزة المخابرات الباكستانية. كيف كان يرجح ذلك؟ أبوت آباد هي في الأساس موقع عسكري؛ -وهي مجمع بن لادن بشكل واضح – وثلاثة طوابق المحاطة بعازل ترابي طوله 18 قدم ارتفاع وتعلوه أسلاك شائكة. وكان يبلغ طوله أقل من ميلين عن نظيره الباكستاني من ويست بوينت. وماذا عن الشرطة المحلية؟ هل كانوا يجهلون حقا أن مروحية أمريكية ضخمة قد تحطمت لدى هبوطها في حيهم؟ ولماذا نحن نعلم الكثير عن غارة سرية التي تقوم بها وحدة العمليات الخاصة السرية في المقام الأول؟

لاشك أن التاريخ الأميركي يمتلئ بقصص الحرب التي تدهورت في وقت لاحق. أولها اعتبار ادعاءات إدارة بوش كاذبة حول ترسانة صدام حسين المفترضة لأسلحة الدمار الشامل، أو الهجوم المفترض على سفينة أمريكية في خليج تونكين. وخلال عملية غزو خليج الخنازير، ضخمت الحكومة عدد المقاتلين الذين أرسلتهم إلى كوبا على أمل تشجيع المواطنين المحليين على الانتفاض والانضمام إليهم. وعندما فشلت العملية، فإن الحكومة سرعان ما قلصت الرقم، بدعوى أنه لم يكن غزوا على الإطلاق وإنما هي محاولة متواضعة لإيصال الإمدادات إلى الميليشيات المحلية. وفي الآونة الأخيرة، أعلن الجيش أن لاعب دوري كرة القدم الأمريكية السابق، بات تيلمان قد قتل بنيران العدو، بدلا من الاعتراف بأنه أصيب عن طريق الخطأ في رأسه بواسطة المدفع الرشاش من وحدته الخاصة.

ولم تستطع هذه القصص الكاذبة أن تصل إلى الجمهور دون مساعدة من وسائل الإعلام. فالصحفيين لا يبحثون فقط على الحقائق، بل عن الروايات، حيث يمكن للروايات الجذابة أن تؤثر على مسار تغيير الحقائق في اتجاهات أخرى. فخلال الحرب على العراق، أبلغنا صحفيين أن حشدا من العراقيين مبتهجين بإسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس، بينما لم يكن هناك سوى عدد قليل جدا من السكان المحليين الذين يحاولون سحب التمثال الذي يحتاج إلى مساعدة من رافعة الجيش الأمريكي. كما حوّل الصحفيين الجندي جيسيكا لينش إلى بطل حرب الذي قاوم خاطفيه خلال كمين نصب له في العراق، في حين أن أسلحته قد تكدست وبقيت في عربته من طراز همفي. وفي مقال افتتاحي في صحيفة التايمز عن قصة لينش في 2003، كان بودين نفسه قد فسر هذه الظاهرة على أنها ”الميل إلى نسج القليل الذي نعرفه في شكل مألوف – الذي يشبه في كثير من الأحيان القوس الروائي للفيلم”.

ألم تكن قصة وفاة أسامة بن لادن مثال آخر على الحبكة الخرافية و النسج الأسطوري الأمريكي؟ ألم يكن لبودين و، لهذه المسألة، تأثير على إغراء كل واحد منا بالسرد الذي تم تصنيعه خصيصا لصالحنا؟ أو كانت هذه الأسئلة في حد ذاتها وسوسة فقط ؟

وفي هذا السياق، قال لي هيرش “لقد كانت القصة مفضوحة منذ اليوم الأول”. وكان يوم صيفي حار للغاية في واشنطن، وكنا نجلس في مكتبه، وهو جناح من غرفتين في مجمع مكاتب مجهول قرب دوبونت سيركل، حيث يعمل هيرش وحده، فضلا عن عدم وجود أي لوحة على الباب؛ وجدران حجرة الانتظار مكتظة بجوائز الصحافة. وقال، وسط فوضى من صناديق الكرتون والكتب المكدسة “لقد استمتعنا كثيرا هنا” وتابع ”أستطيع أن أفعل ما يحلو لي”.

وبعد أيام من الغارة التي شنت على بن لادن، قال لي هيرش، ”كنت أعرف أن هناك قصة كبيرة هناك، وقد أمضى السنوات الأربع المقبلة في محاولة لإدراكها. ولم يتطلب ما أنهى نشره، في شهر ماي في مجلة لندن ريفيو أوف بوكس، أي جهد تدريجي ليسجل بضعة ثغرات في إدارة القصة. وكانت 10.000 كلمة مفندة من الرواية الرسمية بأكملها، ويعود مصدرها إلى حد كبير إلى مسؤول أمريكي استخباراتي بارز متقاعد، مع التثبت من ”استشاريين اثنين منذ فترة طويلة لقيادة العمليات الخاصة”. فقد حمل هيرش بثقة القراء من خلال صيغة بديلة لجميع نقاط مؤامرة مألوفة بأسلوب ينم فقط عن نزاهة الحقائق، وتحويل قصة مثابرة المرضى، والتخطيط الدقيق وتكريس شجاعته في واحدة من أمور الحظ (الجيدة والسيئة)، والسيطرة على الأضرار والانتهازية.

كان هيرش، الذي يبلغ 78 عاما، يحجم عن التعاون عندما قلت له أني كنت مهتما بالكتابة عن مقاله. (”لدي مجموعة من المشاكل مع طلبك،” كان أول بريد إلكتروني بعثه لي.) ربما يريد مني بدلا من متابعة تقاريره بأن أشرع في دراسة نظام الرادار في باكستان، الذي قال عنه أنه متطور جدا للسماح لمروحيتين أمريكيتين بدخول المجال الجوي للبلاد الذي لم يتم اكتشافه. (“هؤلاء الرجال الأغبياء من العالم الثالث فقط لا يمكنهم التأكد من أي شيء على نحو صحيح،” كما كتب ساخرا، وهذا يعني بطبيعة الحال أن الباكستانيين كانوا على علم بطائرتي هليكوبتر العسكرية تحلقان في قلب بلدهم.) هيرش، الذي كان يعمل في صحيفة نيويورك تايمز لمدة سبع سنوات في السبعينات، لم يكن يعتقد أن الوثيقة ستسمح لي بأن آخذ ادعاءاته على محمل الجد. وكتب “إذا كنت فعلت ذلك، من الأفضل لك التأكد من عدم السماح لزوجتك بأن تقود السيارة في الأشهر القليلة المقبلة.” ولكن بعد البحث قليلا، عدل عن قراره وأمضى أفضل جزء من اليوم معي، يصف تقاريره على أكمل وجه كما أنه يرى بأنه يمكن ذلك دون المساس بمصادر معلوماته.

 وكانت أهم ادعاءات هيرش تتمحور حول الطريقة التي تم تتبعها للعثور على بن لادن في المقام الأول، حيث كتب أنه لم تكن سنوات مضنية من جمع المعلومات المخابراتية التي قادت الولايات المتحدة إلى الجاسوس و، في نهاية المطاف، إلى بن لادن، فبدلا من ذلك، تم الكشف عن الموقع عن طريق ”دخول” ضابط مخابرات باكستاني متقاعد بعد حصوله على مكافأة قيمتها 25 مليون دولار التي وعدت بها الولايات المتحدة كل من ساعد في تحديد مكانه. وفي هذا الشأن، كاد بن لادن أن يكون ”في الخفاء” على الإطلاق؛ وكان مقره في أبوت آباد بالفعل بيتا آمنا، الذي يخضع لمراقبة وكالة الاستخبارات الباكستانية. وتابع هيرش في مقاله قائلا عندما واجهت الولايات المتحدة مسؤولين في الاستخبارات الباكستانية بهذه المعلومات، اعترفوا في النهاية بأنها كانت صحيحة، بل وقبلوا بتقديم عينة من الحمض النووي لإثبات ذلك.

ووفقا لتقرير هيرش، فإن الغارة الجريئة كما تم الإعلان عنها لم تكن جريئة بصفة خاصة. فالباكستانيون سمحوا للمروحيات الأمريكية بالتحليق في مجالها الجوي وإخلاء المجمع من الحراس قبل وصول القوات الخاصة. وأفادت مصادر لهيرش أن الولايات المتحدة ومسؤولو مخابرات باكستانيون قد وافقوا على طلب أوباما بأنه سينتظر لمدة أسبوع قبل أن يعلن أن بن لادن قد قتل في ”هجوم طائرة بدون طيار في مكان ما في الجبال على الحدود الباكستانية/الأفغانية.” ولكن اضطر الرئيس إلى العدول عن الظهور العلني على الفور، بسبب حادث التحطم وما أعقبه من تدمير مروحية بلاك هوك – التي كانت واحدة من الوقائع النادرة في الرواية الرسمية والتي لم يخالفها هيرش – وهو ما من شأنه أن يجعل من المستحيل الإبقاء على العملية طي الكتمان.

كما لو كانت تلك التأكيدات ليست كبيرة بما فيه الكفاية، ذهب هيرش إلى جعل بعض الادعاءات حتى شاذة. كما كتب، على سبيل المثال، أن بن لادن لم يحظ بالدفن على المنهج الإسلامي الصحيح في البحر؛ فقد ألقت القوات الخاصة رفاته من مروحيتهم. وزعم هيرش أن الباكستانيين ليسوا فقط من اعتقلوا بن لادن في عام 2006، وأن الحكومة الأمريكية قد أوعزت إلى القوات الباكستانية مهمة اعتقال رجل بريء حيث كانت أصول وكالة المخابرات المركزية في وقت ما ككبش الفداء الرئيسي في الجيش الباكستاني الذي كان قد جمع عينات الحمض النووي لبن لادن.

ومع ذلك، فالأمر الذي ربما كان الأكثر إثارة للصدمة من كل شيء، هو أن هذه الرواية المفصلة كانت تقص ليس من قبل عصامي ولكن من جانب واحد من أكبر الصحفيين الاستقصائيين في أميركا، وهو الرجل الذي كشف المذبحة التي راح ضحيتها المئات من المدنيين الفيتناميين في قرية ماي لاي (1969)، والذي كشف عن برنامج وكالة المخابرات المركزية السري للتجسس على المعارضين المناهضين للحرب (1974) وهو الذي نسج بالتفصيل أيضا القصة المروعة للانتهاكات في سجن أبو غريب (2004). ألا يمكن أن يكون مقال بن لادن سكوب هيرش الرئيسي الآخر؟

ومن جهته أخبرني بودين “إن ذلك ممكن دائما”. “ولكن نظرا للعدد الهائل من الأشخاص الذين تحدثت إليهم من مختلف الجهات الحكومية، بشأن أكذوبة التي دبرت بعناية وساعدتني في الوصول إلى ظاهرها المزيف، فإن ”صحفيون آخرون لا يزالون أقل سخاء في الإدلاء بالتصريحات. “كل ما هو صحيح في القصة ليس جديدا، وكل ما هو جديد في القصة غير صحيح،” كما صرح بيتر بيرغن من شبكة سي ان ان، الذي كتب مقاله تحت عنوان “الرجل المطارد” الذي حقق أفضل مبيعاته حول عملية تعقب وقتل أسامة بن لادن. “وكان المسؤولون الحكوميون الأقل تقبلا للكذبة من الجميع، حيث قال جوش ارنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، أن “رواية هيرش مليئة بالمغالطات والأكاذيب الصريحة.” ودعمه في ذلك العقيد ستيف وارن، وهو المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية، حيث قال أن الرواية كانت ”إلى حد كبير فبركة”.” (كان هناك “الكثير من المغالطات إلى حد قراءتها سطرا بسطر.”) وظلت الإدارة الأمريكية تقريبا عند هذا الحد من التصريحات، على الرغم من أن بعض نقاد هيرش قد أشاروا إلى تصنيف الوثائق السرية التي نشرها إدوارد سنودن بالكشف عن تاريخ طويل من مراقبة وكالة المخابرات المركزية لمجمع أبوت أباد كدليل على أن موقعه لم يتم اكتشافه من مجرد السير فيه.

وهذا النوع من ردود الأفعال ليس شيئا جديدا بالنسبة لهيرش. ووصف متحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية لورانس دي ريتا، تزامنا مع أحداث أبو غريب، في إحدى مقالاته (الآن دون منازع) لمجلة نيويوركر فضيحة “المقطع الأكثر هستيرية من الممارسات الخاطئة للصحفي التي شوهدت على الإطلاق.” ومع ذلك، تمكن هيرش من الحضور في بعض المقابلات التي دعي لها بعد نشر خبر بن لادن. وقال المضيف للإذاعة العامة خلال استجواب “لا يهمني إذا كنت لا تحب قصتي!”. ”لا يهمني!” ولكن مع مرور الوقت، تحولت حفيظة مكابرته إلى نوع من التسلية. وكان ”المعسكر السامي” إحدى الصفات التي استخدمها لوصف إصدار الإدارة للأحداث.

وعند نقطة واحدة في حديثنا، ذكرت لهيرش أنني لم أكن أريد تقديم حكم نهائي بشأن ما حدث. ولم أكن أريد أن أعيد محاورة المسؤولين في الإدارة الذين كانوا قد قدموا بالفعل تقاريرهم بشأن الأحداث إلى صحفيين آخرين. لم أر ذلك الأمر أكثر من رواية إعلامية، دراسة حالة في كيفية تحويل القصص إلى حقيقة مقبولة. وهذه تشعره بالهروب، كما أوضح في رسالة طويلة عبر البريد إلكتروني في اليوم التالي. وقال أنني كنت أتهرب من القضية الحقيقية، التي كنت ”أحولها إلى معضلة”، ‘كما قال، و”بدلا من التوصل إلى استنتاجي حول الإصدار الذي كان على حق. ثم كان هو من قدم فكرة أكثر مدعاة للقلق: ماذا لو لا يمكن الوثوق في إحدى التقارير؟

وكتب هيرش “بالطبع لا يوجد أي سبب بالنسبة لك أو لأي صحفي آخر لأن تنقلوا ما قلته بمصادر مجهولة عن مصدرها الحقيقي، ولكن من وجهة نظري أيضا ليس هناك أي سبب لدى الصحفيين أن يدوّنوا بالقيمة الاسمية ما قاله متحدث باسم البيت الأبيض أو الإدارة أو بإيقاف التسجيل في أعقاب أو خلال الأزمة”.

وبالنسبة لأولئك الذين يعملون في وحول أخبار قطاع الأعمال، حقيقة أن تقرير هيرش ظهر في مجلة لندن ريفيو أوف بوكس وليس في مجلة النيويوركر، حيث إصداره المعتاد، كانت قصة في جانبها الحق، وتطرقت بالحديث إلى ما لم تتطرق له بالكامل من قبل. (المحررين والمراسلين قد لا يكونون سريين بقدر مسؤولي الاستخبارات، ولكنهم يرغبون في الحفاظ على غطاء محكم على تفاصيلهم المهنية، أيضا).

وبعد أسبوع أو نحو ذلك من الغارة، دعا هيرش محرر مجلة نيويوركر، ديفيد ريمنيك. وفي عام 2009، كتب هيرش قصة للمجلة عن القلق المتزايد بين المسؤولين الأمريكيين من أن ترسانة نووية كبيرة في باكستان يمكن أن تقع في أيدي المتطرفين داخل الجيش في البلاد. والآن جعل ريمنيك يعرف أن اثنين من مصادره – واحدة في باكستان، والأخرى في واشنطن – كانت تقول له شيئا آخر: إن الإدارة كانت تكذب بشأن عملية بن لادن.

واحد من الكتاب الموظفين بمجلة نيويوركر، وديكستر فيلكنز، كان يخطط بالفعل لرحلة إلى باكستان للقيام بمهمة مختلفة. ومن النادر، ولكن لم يسبق له مثيل، أن قامت مجلة نيويوركر بنشر مقالات مزدوجة الآراء، وقررت المجلة متابعة هذا الاتجاه. إنها تقرن فيلكنز مع هيرش، طالبة من فيلكنز أن يقدم الجانب الباكستاني – على وجه الخصوص، فكرة أن باكستان تعاونت سرا مع الولايات المتحدة – بينما هيرش سيظل يتعقب كل جديد من واشنطن. ولكن فيلكنز، الذي غطى أحداث أفغانستان وباكستان لصحيفة التايمز قبل أن ينتقل إلى مجلة نيويوركر، أمضى نحو أسبوع وهو يجمع معلومات سرية من مصادر داخل الحكومة الباكستانية والجيش دون نجاح يذكر.

ومن جانبه، قال لي فيلكنز “لم يكن، حتى لأحصل على إنكار حانق” ولكن ”كنت حصلت على نظرات فارغة” وقال أن الجو على أرض الواقع يتناقض تماما مع مزاعم هيرش؛ فقد بدا الجيش الباكستاني مهانا من واقع استمرار إدارته في الخفاء من قبل الأمريكيين. وأخبره ريمنيك بالمجيء إلى هناك ليطلع على الأحداث عن كثب. وانتهى به الأمر إلى الكتابة عن الصحافي الباكستاني الذي اغتيل، وربما من قبل جهاز الاستخبارات في البلاد، بعد شرح الروابط بالتفصيل بين متشددين إسلاميين والجيش الباكستاني.

في غضون ذلك، نشرت مجلة نيويوركر تقريرا لشميدل حول عملية مداهمة بن لادن، وبعد فترة وجيزة، وقع ضم شميدل ككاتب للطاقم. (وفي رسالة بالبريد الالكتروني، أخبرني شميدل أن التقارير اللاحقة سوف تكون فقط بمثابة تأكيد ودعم لتقريره الأولي. وفيما يتعلق بإمكانية ”أن البعض داخل المؤسسة العسكرية أو المخابرات الباكستانية على علم بأن بن لادن كان يعيش في ذلك المنزل، أعتقد أنه من المعقول تماما، على الرغم من أنني لم أر أي دليل”، كما كتب.)

وقد انعكف هيرش على نفسه يشتغل على مصادره، في محاولة لتجسيد روايته المعاكسة، والتي كللت ببعث مشروع لمجلة نيويوركر بعد ثلاث سنوات. وبعد قراءته عدة مرات، قال ريمنيك لهيرش انه لا يعتقد أن لديه رواية ثابتة. واقترح أن يواصل هيرش تقاريره ونرى إلى أين ستأخذه. وبدلا من ذلك، أعطى هيرش الرواية إلى مجلة لندن ريفيو أوف بوكس.

ولم يكن هيرش أبدا أحد الموظفين بطاقم مجلة نيويوركر، مفضلا العمل كصحفي للعديد من الوسائل الإعلامية. ولكن كانت لديه علاقات قوية مع المجلة. وقد نشر مقالته الأولى هناك في عام 1971 وكتب مئات الآلاف من الكلمات للمجلة منذ ذلك الحين، بما في ذلك، المقال الأخير حول زيارة ماي لاي مع عائلته الذي نشر قبل أسابيع فقط من نشر تقريره حول بن لادن في مجلة ريفيو أوف بوكس. (وكان ابنه جوشوا، الذي يعمل الآن كمراسل لبازفيد، قد اشتغل كمراسل استقصائي في مجلة نيويوركر لسنوات عديدة.) وقد نشر ريمنيك بعض المقالات الأكثر استفزازية لهيرش، وبالنسبة لهذا الأمر، فإن الكثير من القصص الرئيسية الأخرى المتعلقة بالأمن القومي تفضل الحكومة أن تبقى مدفونة.

ولكن التقرير المتعلق ببن لادن لم يكن أول تقرير لهيرش الذي رفضه ريمنيك لأنه يعتبر أن مصادره ضعيفة جدا. وفي عام 2013 و 2014، مر ريمنيك على مقالين لهيرش حول هجوم غاز السارين القاتل في سوريا، حيث يدعي كل منهما أن الهجوم لم يشن من قبل نظام الأسد، الجاني المفترض، ولكن من جانب المتمردين السوريين، بالتعاون مع الحكومة التركية. كما نشرت تلك المقالات في مجلة لندن ريفيو أوف بوكس. وكما مقال بن لادن، كان كل منهما موضع تساؤل على نطاق واسع فور نشره، مع تصاعد الانتقادات الدولية، بحجة أن المراسل الأسطوري يحبذ بشكل متزايد الاستفزاز أكثر من الصرامة. (هيرش لا يزال قائما بكلا القصتين.)

و بالتأكيد، سوف تتعامل وسائل الإعلام مع قصة بن لادن لهيرش بشكل مختلف إذا تم نشرها في مجلة نيويوركر، التي تحظى بتقدير كبير لعملية مراجعة عميقة لها. ولكن هيرش يصر على أن مجلة لندن ريفيو أوف بوكس كانت دقيقة، إن لم تكن أكثر من ذلك. وقال لي محررها، كريستيان لورنتزان، أن ثلاثة صحفيين استقصائيين عملوا على ملف بن لادن، كما تحدثوا مباشرة إلى المصادر الرئيسية لهيرش، بما في ذلك مسؤول مخابرات أمريكي متقاعد المذكور في المقال باسم ”مصدر أمريكي كبير للتقرير”.

وحتى لو كانت عملية فحص الحقائق في مجلة لندن ريفيو أوف بوكس دقيقة مثلما يقول هيرش والمجلة، نحن مازلنا واثقين من مصادره المجهولة. أينبغي لنا ذلك؟ واستند أول مقال لهيرش حول أبو غريب إلى إفادة الجيش الداخلي، ولكن العديد من التصريحات الأكثر أهمية في عمله تأتي من البيروقراطيين المتوسطين، والسفراء، ورؤساء محطة وكالة الاستخبارات المركزية وقادة الجنرالات ذوي الأربعة نجوم المعروفة هويتهم فقط لدى المحررين والصحفيين الاستقصائيين التابعين لهم، فالوعد بعدم ذكر الاسم هو أداة أساسية بالنسبة للصحفيين، وقد غيرت مجرى التاريخ (وأبرزها في فضيحة ووترغيت) كما ساعدت على جعل المهنية اللامعة لهيرش. ولكنها أيضا تترك دائما الشكوك حول دوافع المصادر، وبالتالي مصداقيتها.

وفي هذا الخصوص، تعمل غرائز هيرش في صالحه – وكل قصة له تخلق ضجة في إذاعة ‘داي 1’ – ولكن هناك مخاطر الكامنة وراء صنع مستقبل مهني لحفر الأسرار العميقة للحكومة. وتقريبا صحفيو الأمن القومي، لا يحضرون أبدا في مثل هذه الأحداث وعادة ما يعملون من دون أخذ صور أو وثائق، أيضا. وتتألف أصعب الحقائق كلها تقريبا من ما يقول الناس (دون ذكر الإسم). بل القيمة الأساسية للصحافة تتمثل في أن لا ينبغي على الصحفيين الحصول على حقائق خاطئة، ولكن استنساخ بأمانة ما يقوله الناس لك هو مجرد بداية. عليك أن تقرر أيضا أي الحقائق وأي الأصوات التي تشملها وأفضل طريقة لتجميع هذه المواد في سرد دقيق ومتسق لتتحصل على قصة. وفي جعل هذه الأحكام، حتى الأفضل قد يغيب عن الوضوح أو اختيار حقيقة خاطئة أو حقائق للتأكيد. وكما قال لي ستيف كول، وهو كاتب في مجلة نيويوركر، وعميد كلية الدراسات العليا في الصحافة في جامعة كولومبيا: “كنت ترغب في سمعة صحفي استقصائي لكي لا تكون 100 في المئة على حق كل الوقت، ولكن أن تكون في الغالب الصحيح، عليه أن يكون توجها صحيحا”.

وقد يكون هيرش أول صحفي يكتب أن المخبر السري قد قاد الولايات المتحدة إلى مجمع بن لادن، ولكنه كان بأي حال من الأحوال الوحيد الذي قد سمع هذه الشائعات. وكان كول صحفي آخر ومؤلف كتاب الحائز على جائزة بوليتزر عن وكالة الاستخبارات المركزية وأفغانستان، قد صرح لي بعد ظهر اليوم في مكتبه في كولومبيا ”في حالتي، وصفوني كضابط باكستاني خاص في جهاز المخابرات،” وأضاف ”حتى كان لي اسما الذي كنت أعمل به لمدة أربع سنوات”.

وبشكل بديهيي، يوحي مفهوم ‘السير في’ بوجود معنى. وقد قاد مخبرين سريين الولايات المتحدة تقريبا إلى كل هدف ذا قيمة إرهابية عالية يتعقب باكستان، بما في ذلك رمزي يوسف، أول مفجر لمركز التجارة العالمي، ومير أيمال كانسي، الذي قتل اثنين من موظفي وكالة الاستخبارات المركزية في هجوم على لانغلي في عام 1993. وقال كول ”فكرة أن وكالة الاستخبارات المركزية جمعت كلاهما معا، ومارست التعذيب ووجدوا السيارة وعثروا على الحقيبة، ثم وجدوا اللوحة المنجمية وأخذوها إلى المنزل، كانت تبدو دائما لأولئك منا في تحقيق الفوز مثل ما كانت مدروسة جدا”.

ير أن كول لم يكن قادرا على تأكيد هذه القصة المراوغة. وكان التأكيد الأقرب الذي خلص إليه يتمثل في محادثة مع ضابط المخابرات الأمريكي الذي كان يعمل مع الرجل الذي يقال أنه كان المخبر. وأشار كول “قلت له: ‘هل تعرف هذا الرجل؟'”. “وقال: ‘نعم، أعرفه. لقد اعتدت على العمل عن كثب معه’. قلت: هل هذه الحيوية التي كنت قد بذلتها دقيقة؟’ قال: ‘نعم، إنها دقيقة’. قلت: ‘لقد قيل لي أنه أخذ 25 مليون دولار وهو في حماية الشهود’. وتوقف هنيهة، وقال: “امم، هذا هو النوع من الأمور الذي سيفعله’.”

ومنذ البداية، يبدو من الصعب تصديق أن مسؤولين باكستانيين رفيعي المستوى لم يكونوا على بينة من وجود بن لادن في بلادهم كما صرح بذلك في كثير من الأحيان حتى عددا من المسؤولين الأمريكيين بشكل علني في أعقاب الغارة. وقد أجرت باكستان تحقيقاتها السرية في هذه المسألة، التي تم تسريبها إلى قناة الجزيرة في عام 2013. وكما كان معروفا، لم يعثر تقرير لجنة أبوت آباد على أي دليل يقر أن باكستان تقوم بإيواء بن لادن. بدلا من ذلك، خلصت اللجنة إلى أن الرجل المطلوب أكثر في العالم كان قادرا على التنقل بحرية في جميع أنحاء البلاد لمدة تسع سنوات بسبب الافتقار إلى الكفاءة داخل الأجهزة العسكرية والاستخباراتية.

غير أن الاستكشاف الأكثر تفصيلا لمسألة التواطؤ الباكستاني في إيواء بن لادن قد ظهر في هذه المجلة في مارس 2014. وجاء هذا الاستكشاف من الكتاب الذي كتبته مراسلة التايمز، كارلوتا غال، التي أفادت أن مصدرا داخل الاستخبارات أخبرها بأن جهاز الاستخبارات الباكستاني قد بعث مقرا خاصا المخصص للتعامل مع بن لادن. وكتبت غال ”كان المقر مرفوضا بالكامل من قبل الجميع تقريبا في جهاز الاستخبارات -هذا هو كيف تعمل وحدات الاستخبارات السرية – ولكن المسؤولين العسكريين الكبار كانوا يعرفون كل شيء عنه، كما قيل لي”.

و الأمر الأكثر إثارة للجدل هو ادعاء هيرش بأن السلطات الباكستانية كانت على علم مسبق بالغارة التي سيشنها فريق القوات الخاصة الأمريكية والذي سمح لها بالمضي قدما، بل وساعد على تنفيذها. هذا هو الانحراف بكل معنى الكلمة عن الرواية الأصلية كما أفيد سابقا. منطقيا، فإن ذلك يتطلب منا أن نقبل أن الحكومة الأمريكية وعدت نظيرتها الباكستانية بمساعدتها في قتل بن لادن، وأن الإهانة التي شعر بها الجيش الباكستاني وجهاز الاستخبارات كما أفيد في أعقاب الغارة كان إما حيلة أو نتاج حتى بعض المؤامرات الأميركية الباكستانية الأكثر عمقا. هل هناك أي دليل لدعم هذا الادعاء أو، حقا، أي شيء يمكن أن يقف وراء المصادر التي لم يكشف عنها هيرش؟

وبهذا الشأن، ظهرت بعد أحد عشر يوما من الغارة، قصة فرعية على غلوبال بوست، وهو موقع أمريكي متخصص في إعداد التقارير الأجنبية. وكان خط التاريخ أبوت آباد و القصة تحت العنوان الرئيسي: “مداهمة بن لادن: الجيران يقولون أن الحكومة الباكستانية على علم. “نصف العشرات من السكان الذين يعيشون بالقرب من مجمع بن لادن أخبروا المراسل أن أفراد أمن يرتدون ملابس مدنية – “إما الاستخبارات أو ضباط عسكريون باكستانيون” – طرقوا أبوابهم لبضع ساعات قبل الغارة وأوعزوا إليهم تعليمات بإيقاف تشغيل الأضواء ولزوم منازلهم حتى إشعار آخر. كما أفاد بعض السكان المحليين المراسل بأنهم أمروا بعدم التحدث إلى وسائل الإعلام، وبخاصة وسائل الإعلام الأجنبية.

 

وعندما اتصلت بالرئيس التنفيذي لموقع غلوبال بوست، فيليب بالبوني، قال لي انه يرى أنه من الأفضل محاولة تعميم هذه الرواية بقوة عندما قام بنشرها لأول مرة. وكتب لي في رسالة بالبريد الالكتروني “لكن ذلك سيتطلب الموارد التي لم يتسن لنا الحصول عليها في ذلك الوقت، والمعلومات ضدها كانت ساحقة للغاية لدرجة أنه علينا أن نتساءل إذا كانت مصادرنا صحيحة”.

وفي هذه الأثناء، ساعدني بالبوني على إجراء اتصال مع المراسل عامر اللطيف، وهو صحفي باكستاني يبلغ من العمر 41 عاما، والذي عمل كمراسل الخارجية السابق لمجلة ‘يو إس نيوز آند’ و’ورلد ريبورت’، الذي أخبرني أنه سافر إلى أبوت أباد اليوم بعد مقتل بن لادن وعمل هناك لبضعة أيام. سألته إذا كان لا يزال يعتقد أن هناك قدرا معينا من معرفة الباكستانيين عن الغارة. أجابني على الفور “ليس هناك معرفة، بل كان هناك تنسيق وتعاون.”

وأضاف اللطيف، الذي احتفظ باسمه بعيدا عن وظيفته الأصلية بسبب حساسية الموضوع في باكستان، أن الناس في المنطقة أخبروه أنهم سمعوا طائرات الهليكوبتر الأمريكية، ومن المؤكد أن الجيش الباكستاني كان يعلم أيضا أن: “البلد كله مستيقظا، ما عدا الجيش الباكستاني نائما؟ ماذا يوحي لك ذلك؟” وقد دعمت غال هذه الفكرة أيضا حيث كتبت أن جيران بن لادن سمعوا دوي انفجارات في المجمع واتصلوا بالشرطة المحلية، ولكن طلب قادة الجيش من الشرطة الابتعاد وترك مسؤولية التدخل للجيش. وكانت القوات الخاصة الأمريكية على موقع الحدث لمدة 40 دقيقة، ولكن الجيش الباكستاني لم يصل إلا بعد مغادرتهم.

وأفضل تخمين لغال (وقالت أنها تؤكد أنه مجرد تخمين) هو أن الولايات المتحدة حذرت باكستان من شن عملية بن لادن في الساعة الحادية عشر. “ليس لدي أي دليل، ولكن كلما أفكر في ذلك وكلما أتحدث إلى الأصدقاء الباكستانيين، كلما أعتقد أكثر أنه ربما كان صحيحا أن كياني وباشا كانا في دائرة الاتهام، “كما حدثتني غال، في إشارة إلى الجنرال أشفق برويز كياني، الذي كان آنذاك رئيس أركان الجيش، والجنرال أحمد شجاع باشا، الذي كان المدير العام لجهاز الاستخبارات أنذاك. وبشأن قتل بن لادن، قالت: “السيناريو الذي أتصوره هو أن القوات الأميركية راقبته وتتبعته ولم تخبر أبدا القوات الباكستانية لأنهم لا يثقون بهم، ولكن عندما قرروا مواصلة الغارة، أعتقد أنهم قد ذهبوا إلى كياني وباشا، وقالوا: “نحن ذاهبون إلى هناك، ولا تتجرؤوا على إسقاط مروحياتنا أو نحو ذلك.” (أود أن أشير إلى أنه ليس كل مراسل للأمن القومي، بما في ذلك البعض في صحيفة التايمز، يتفقون مع غال إزاء احتمال تواطؤ باكستاني رفيع المستوى سواء في إيواء بن لادن أو في مساعدة قتله).

وبعد الاستنتاج المنطقي لسيناريو غال، قد تواجه باكستان خيارا غير جذاب بعد الغارة: الاعتراف بأنها تعاونت وتسببت في إثارة غضب المتشددين لخيانة بن لادن والتحريض على عملية عسكرية أمريكية على الأراضي الباكستانية، أو ادعاء الجهل وعدم الكفاءة. وأضافت غال قائلة “غالبا ما يردد الباكستانيون مرة أخرى، ‘كنا غير أكفاء، إنهم لا يريدون من مواطنيهم معرفة ما هم بصدد لعبه، كما يخشون أن يكون هناك رد فعل عنيف”.

أين تقف الرواية الرسمية لبن لادن الآن؟ بالنسبة للكثيرين، كانت موجودة في نوع من حالة نهائية، وتطفو في مكان ما بين الحقيقة والأساطير. إن كتابة التاريخ هو مسار، وهذه القصة لا يزال يبدو أن أمامنا طريق طويل لنقطعه قبل إمكانية قبول رواية الحكومة على أنها صحيحة، أو رفضها على أساس أنها كاذبة.

“إنه كل نوع من طيبة القلب، كل شيء،” كما أخبرني روبرت باير، وهو ضابط سابق بوكالة المخابرات المركزية السرية في الشرق الأوسط منذ فترة طويلة (ومصدر إلهام شخصية جورج كلوني في فيلم “سيريانا”) بشأن رواية الحكومة للأحداث. “أنا لم أر قط البيت الأبيض يأخذ في عين الاعتبار هذا النوع من المخاطر. هل الرئيس فقط يستيقظ في صباح أحد الأيام ويقول: “دعونا نضع رئاستي على خط اليمين قبل الانتخابات؟” هذا الرجل هو ذكي جدا ليضع القوات الخاصة الأمريكية ال23 في طريق الأذى في هوليوود مثل اغتيال. انه ذكي جدا. “ومع ذلك، فإن أيا من أصدقاء باير القدامى داخل الوكالة أو خارجها تحدى تقرير الإدارة.

ومع مرور الوقت، فإن العديد من ادعاءات هيرش يمكن أن تثبت أنها صحيحة. وماذا بعد؟ قد نكون بحق غاضبين. غير أن باكستان حليفنا المفترض في الحرب على الإرهاب والمستفيد من المليارات من الدولارات في صورة مساعدات لدافعي الضرائب الأمريكية، قد وفرت الملجأ لعدونا الأكبر – مؤلف البلاغ الذي دفعنا لغزو أفغانستان. ثم إن الغارة الجريئة على مجمع بن لادن، التي تعتبر أعظم انتصار لنا في الحرب على الإرهاب، كان يمكن أن تكون أقل بكثير من “تبادل لإطلاق النار من جانب تركيا” (عبارة هيرش). وقبل كل شيء، فإن حكومتنا قد تكون كذبت علينا.

ولكن أينبغي علينا حقا أن نكون متفاجئين من جراء هذا الاكتشاف؟ بعد كل شيء، فإنه سيتم تسجيله بالكاد على مقياس من السرية الحكومية والخداع الذي يتضمن، في السنوات الأخيرة وحدها، برنامج التنصت السري لوكالة الأمن القومي وشبكة خارج دفاتر “المواقع السوداء” للسجون لوكالة المخابرات المركزية.

“الأشخاص المهتمين بالشؤون العامة في البيت الأبيض ليسوا مؤرخين، إنهم ليسوا من العلماء، وهم ليسوا حتى الصحفيين،” كما قال لي ستيفن افترجود، مدير مشروع السرية الحكومية في اتحاد العلماء الأمريكيين. بل “إنهم يمثلون كيانا سياسيا داخل حكومة الولايات المتحدة. قول الحقيقة كاملة ولا شيء غير الحقيقة ليست من مهامهم، وحتى لو كان عملهم، فإنهم لن يكونوا بالضرورة قادرين على القيام بذلك”.

من جهة أخرى، لا يتطلب منا إصدار هيرش الاعتقاد في إمكانية وجود مؤامرة حكومية على نطاق واسع. بل يمكن توقع الخرافات من خلال جهود غير منسقة مع مجموعة متنوعة من الأشخاص الذين لا يقومون في الحقيقة إلا بعملهم. وبطبيعة الحال، عندما يحجب عدد كاف من الناس الحقيقة، فإن النتائج يمكن أن تبدو تآمرية بشكل جيد. هيرش مولع بالإشارة إلى أن الآلاف من الموظفين الحكوميين والمتعاقدين من المفترض أنهم يعلمون بشأن التنصت على المكالمات الهاتفية من وكالة الأمن القومي، ولكن واحدة فقط قام إدوارد سنودن بإظهارها.

كما يمكننا أن نذهب إلى أبعد من ذلك: إن الأمر الأكثر حساسية هو هذا الموضوع، و الأرجح أن تقوم الحكومة بإشباعنا بالأكاذيب. والنظر في علاقتنا مع باكستان، هو كما كان واضحا في ذهن أوباما في أعقاب الغارة، ففي خطابه إلى الأمة، أعرب أوباما عن امتنانه: “على مر السنوات، لقد أكدت مرارا وتكرارا على أننا سنتخذ إجراءات داخل باكستان إذا عرفنا مكان بن لادن وهذا هو ما فعلناه. ولكن من المهم أن نلاحظ أن تعاوننا في مكافحة الإرهاب مع باكستان ساعد في قيادتنا إلى بن لادن والمجمع الذي كان يختبئ فيه”.

إما الخط في بيان أوباما لم يكن صادقا أو تنكر الإدارة اللاحق إزاء ذلك لم يكن. ولكن في كلتا الحالتين، فإنه من الصعب أن نتصور أن قول الحقيقة كاملة كان أكثر أهمية بالنسبة لأوباما، أو كان ينبغي أن يكون أكثر أهمية، من إدارة علاقة أميركا مع هذا الحليف غير المستقر.

وليس هناك ببساطة أي سبب لتوقع الحقيقة كاملة من الحكومة بشأن مقتل بن لادن. إذا قاد التأرجح الولايات المتحدة إلى مقره في أبوت آباد، لا يمكن للإدارة أبدا قول ذلك دون أن تضع حياة هذا الفرد معرضة للخطر، الأمر الذي يجعل من المستحيل تقريبا على السي اي اي توظيف المخبرين في المستقبل. وإذا كانت باكستان لا تريد منا أن نعترف بتعاونها مع الغارة، فنحن لن نقوم بذلك خوفا من إشعال ردود فعل متشددة التي ذكرتها غال. وقد كتب هيرش نفسه – في مجلة نيويوركر – أن هناك خطرا وثيقا من المتطرفين داخل الجيش الباكستاني الذين يحيكون المؤامرات ويسيطرون على مخزون ضخم من الأسلحة النووية.

ومثلما يعتبر صحفيون أنفسهم تجريبيين، ولكن الصحافة هي علم لين. فغياب الوثائق، وهي مصدر تقارير الأمن القومي، تعتبر جيدة فقط مثل مصادرها ومنطقها الاستنتاجي. ولكن ماذا يحدث عندما تقدم مصادر مختلفة تقارير مختلفة ومنطق استنتاجي الذي يمكن استخدامه لدفع أي عدد من الحجج المتناقضة؟ كيف يمكننا ربط تقارير اللطيف في أبوت و شكوك باير مع الرواية الرسمية التي سمعها بودين والعديد من الآخرين؟ فكما قال لي بودين، “كصحفي في هذا العالم، عليك أن تسمح دائما للاحتمال الذي كنت تكذب في إفادته، أن يجلب لك الأمل لسبب وجيه”.

و قد سبق لنا أن عرفنا بالفعل أكثر بكثير عن غارة بن لادن مما كنا نفترض من أي وقت مضى. ففي مذكراته عام 2014 تحت عنوان “داتي”، كتب وزير الدفاع السابق، روبرت غيتس، أن الجميع الذين تجمعوا في غرفة العمليات في البيت الأبيض في ليلة الغارة قد وافقوا على “التزام الصمت بشأن التفاصيل.” و”هذا الالتزام استمر نحو خمس ساعات،” وأضاف، مشيرا بإصبعه مباشرة إلى البيت الأبيض ووكالة الاستخبارات المركزية: “إنهم فقط لا يمكنهم غير إعلان التباهي و وادعاء المفخرة”.

والمشكلة هي أنه وسط كل هذا التفاخر، أصبح من المستحيل معرفة ما كان صحيحا وما لم يكن. تذكر فيلم “صفر الظلام الثلاثون،” الذي حقق 130 مليون دولار في شباك التذاكر، حيث كان السرد المهيمن في مقتل بن لادن في نواح كثيرة. وقد حاد صناع السينما عن طريقهم، في العديد من المقابلات، لتعزيز وصولهم إلى الحكومة ومصادر عسكرية: فتح الاعتمادات التي أعلنت أن الفيلم استند إلى “روايات مباشرة من الأحداث الفعلية”. وكما يمثل كنز من الوثائق شهادات رئيسية من الأحداث الواقعية التي ظهرت للعموم عن طريق قانون حرية المعلومات، فإن وكالة الاستخبارات المركزية تعاونت بفارغ الصبر مع المخرجين السينمائيين، وقامت بترتيب لقاء للكاتب والمخرج مع العديد من المحللين والضباط الذين تم تصنيفهم على أنهم تورطوا في مطاردة بن لادن. وقد وصفت المخرجة كاثرين بيغلو، الفيلم بأنه “القطع الفظ الأول من التاريخ”.

وكانت هذه القصة التي كانت جيدة حتى أنها لم تكن في حاجة إلى أن تكون خيالية، أو هكذا بدا الأمر. لقد بدأ مع سلسلة من جلسات التعذيب التي تقودها وكالة المخابرات المركزية، والتي اقترحت تقديم الفيلم في الشوط الثاني حاسما في مطاردة بن لادن. إلا أنهم لم يفعلوا، على الأقل وفقا لتقرير أجري على مدى سنوات عديدة من قبل لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ (وغيرها مع إمكانية الوصول إلى المعلومات السرية). وقالت السناتور ديان فينشتاين، التي أشرفت على التقرير كرئيسة اللجنة، إنها انسحبت من عرض الفيلم، وقالت “لا يمكنني التعامل معه لأنه كاذب في ذلك”. ويفترض أن قصد السينمائيين كان يتمثل في رواية قصة مختلفة بعض الشيء – الحقيقة البشعة لكيفية عثورنا على بن لادن – ولكن في القيام بذلك، يبدو أنهم قد يرتكبون أكذوبة.

إن الحقيقة حول وفاة بن لادن ليست مجهولة؛ ولكن نحن لا نعرفها. ونحن لا يمكن بالضرورة أن نعزي أنفسنا على أمل أنه سيكون لدينا المزيد من الإجابات في أي وقت قريب؛ فحتى يومنا هذا، ما زال الحجم النهائي من الرواية الرسمية لوكالة المخابرات المركزية حول ما يعرف بعملية غزو خليج الخنازير سريا. كما أننا لا نعرف ما حدث منذ أكثر من نصف قرن مضى أو أقل من ذلك بكثير في عام 2011.

وتجدر الإشارة إلى أن هناك طرق مختلفة للتحكم في السرد. فهناك الطريقة القديمة والتي تتمثل في تصنيف الوثائق التي لا تريد رأيتها و، كما قال غيتس، “ولكن هناك أيضا نهج أكثر حداثة مثل أسلوب مواقع الاتصال الاجتماعية: تروي القصة التي تريدهم أن يصدقوها. فضلا عن الصمت الذي هو أحد السبل للحفاظ على سرّ ما، وأما الحديث فهو شيء آخر ولكنهما لا يتعارضان.

وختم هيرش قائلا لي في نهاية يوم طويل جمعنا معا “أنا أحب فكرة أن الحكومة ليست مليئة بالسرية”. ”هل تمزح معي؟ إنها تحتفظ بالمزيد من الأسرار مما يمكن أن تفكر ربما. فهناك الأشياء التي تحدث على صواب الآن والتي أعرف عن الأشياء المدهشة التي تجري. سأكتب عن ذلك عندما أستطيع. وهناك أشياء بعيدة عن الصواب الآن، الأشياء المدهشة في الشرق الأوسط. هل تمزح معي؟ بالطبع هناك. بالطبع هناك”.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد

الشاهداخبار تونس اليوم



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.