مختارات

الجمعة,14 أغسطس, 2015
ما الذي تقوله تصريحات “ميكي أدلشتاين” و”محمود الزهار”؟

الشاهد_نشرت وكالة صفا الفلسطينية ترجمة لحوار مع “ميكي أدلشتاين”، الذي شغل منصب قيادة فرقة غزة في جيش الاحتلال أثناء عدوانه الأخير على غزة في الفترة من 7 يوليو حتى 26 أغسطس عام 2014، ويمكن تلخيص أهم ما جاء في الحوار بالنقاط التالية:

– يرى أدلشتاين أن خطورة الحرب الأخيرة تمثلت في امتداد هجوم المقاومة لداخل إسرائيل، وهذا لم يحصل منذ 73، وعليه يجب تغيير نظرية الدفاع الإسرائيلية.

– حماس طورت قدراتها القتالية كثيرًا، واستطاعت أن تحقق إنجازات كثيرة من أهمها استهداف مستوطنات غلاف غزة؛ لذا فهو يقترح أن إخلاء مستوطنات غلاف غزة في أي مواجهة قادمة سيشكل عامل قوة للجيش، وفيما إذا كان هذا الإخلاء سيعتبر هزيمة وخضوعًا، يرى أدلشتاين أنَّ المهم هو نتائج الحرب في اليوم التالي وليس ما يحصل خلال الحرب.

– يجيب أدلشتاين عن التساؤل حول امتناع الجيش عن توسيع عمليته في غزة لتشمل اجتياح كامل قطاع غزة وتدمير حكم حماس بشكل نهائي بأنه يفضل “شيطانًا يعرفه كحماس على شيطان غير معروف” على حد تعبيره، وبتفصيلٍ أكثر فإن تعامل الجيش مع حماس يقترب من الندية؛ فهنالك مصالح مشتركة في أمور، لكنهما أعداء في الكثير من المسائل، ومن الخطأ نسيان أن هذه المصالح مؤقتة.

– حول الخطط المستقبلية يرى أدلشتاين أن هناك مصلحة في معركة بطبيعة مغايرة؛ بحيث تكون سريعة وأكثر عنفًا، مع وجود خيار بتوسيع المعركة لتشمل العملية البرية أيضًا؛ ولهذا فقد دعا سكان الكيان إلى الاستعداد لخيارات قيام حماس باستئناف المواجهة، مشيرًا إلى إمكانية تحقيق الحركة لانتصارات تكتيكية وأن ذلك حدث أيضًا خلال حرب عام 1967؛ فلا توجد حرب تنتهي بصفر، ولكن الأهم هو تداعيات حرب كهذه على المدى البعيد”.

على الجانب الآخر يصرح محمود الزهار عضو المكتب السياسي لحركة حماس قائلًا: “تجاوزنا موضوع الكتائب، وأصبح لدينا سبعة ألوية في كل لواء عدة كتائب لنكون جيش تحرير فلسطين، والآن نحن في مرحلة الإعداد الحقيقي والعملي لتحرير فلسطين”، ويدعو إلى الإعداد لما أسماه “معركة وعد الآخرة” التي قال إنها “ستتحرر فيها القدس وكل فلسطين”.

فما الذي نقرؤه في الخطابين بعد عام على الحرب؟

خطاب حماس لازال خطابًا يرتكز على البعد العاطفي بشكل أساسي، ولا يحمل في طياته أية محاولة جادة لتقييم الحرب السابقة بمقياس موضوعي، فبالرغم من عدم تحقق أي تغيرات إيجابية في حياة المواطنين في غزة؛ إلا أن الخطاب لازال يعتمد بشكل رئيس على استبعاد أي حديث حول المآسي التي تسببت بها الحرب، والتركيز على إنجازات المقاومة في ميدان المعركة وخطفها للجنود، وعملياتها المصورة، حتى وإن كانت هذه العمليات (المشرفة بحكم الميدان العسكري) لم تحقق أية نتائج سياسية ملموسة على أرض الواقع.

بينما نلاحظ -وعلى العكس تمامًا- فإن الخطاب الإسرائيلي يبدو أكثر ميلًا إلى تقييم التجربة بشكل موضوعي، حتى وإن استلزم الأمر الشهادة للمقاومة بأنها قفزت قفرة عسكرية نوعية من خلال وصول صواريخها إلى الداخل الإسرائيلي الأكثر عمقًا.

نزوع الخطاب إلى مواجهة الجمهور بالحقيقة -كما هو حاصل في حوار أدلشتاين-، أو شعبويته والتركيز على الإنجازات العسكرية -كما في حالة الزهار-، لا يعني الحكم بأخلاقية أو لا أخلاقية أي من الخطابين (في حد ذاته) من حيث الصدق والكذب؛ ذلك أن المسؤول الإسرائيلي يتعامل مع الفرد الإسرائيلي وفق صيغة “المواطنة” التي هي أحد منتجات الدولة الحديثة، والتي تقتضي التزام الدولة بتوفير الحماية للمواطن بكل الأشكال الممكنة، وتقصيرها في ذلك يعني عدم التزامها بواجباتها أمام الفرد الذي يمكنه أن يحاكم قراراتها؛ لذا فإن أدلشتاين لا يرى مشكلة في إخلاء مستوطنات غلاف غزة في مواجهات قادمة، كخطوة احترازية لحماية السكان.

في المقابل، يرى المسؤول الحمساوي أن الفرد في قطاع غزة مسؤول عن خيار “التحرر الوطني” الذي بموجبه يتوجب احتمال كل المآسي الممكنة؛ وهكذا تُختَصر العلاقة بين الفرد والمسؤول بكونها علاقة حاضنة شعبية بحركة تحرر وطني، فيكون أي ثمنٍ مدفوع لا يمكن أخذه بالحسبان في حال الحديث عن تقييم التجربة؛ فألفا شهيد وآلاف الجرحى والمنازل المدمرة في هذه الحالة تعني (مأساة لا بدَّ منها)، وعلى الفرد احتمالها من أجل تحقيق الغايات المثلى وهي التحرير الكامل.

لكن الإشكال الحقيقي هو في كون حماس تعدت مرحلة كونها “حركة تحرر وطني”، وانتقلت إلى دائرة السلطة الرسمية، منذ دخولها الانتخابات في 2006، ومن ثم سيطرتها الكاملة على قطاع غزة في 2007، وهذا يعني أنه على الفرد احتمال الازدواجية التي ستتعامل بها حماس معه؛ من ناحية: اعتبرت حماس (كحركة تحرر) أفراد الشعب أبطالًا وطنيين، دفعوا ضريبة (كان لا بد من دفعها) من أجل التحرير، ومن ناحية أخرى، فإن حماس كسلطة إدراية، استمرت بعد الحرب في ممارسة مهامها كحكومة تطلب من المواطن أداء واجباته على أكمل وجه تجاه “منظومتها الإدارية”؛ فهي تجمع الضرائب، وتزيدها، وترسل إنذارات بفصل التيار الكهربائي عن هؤلاء الذين لم يسددوا الفواتير!

وهذه الصورة المزدوجة للعسكري المنتمي إلى حماس، ربما تكون أخطر النتائج التي أفرزها قرار حماس بالمشاركة في الخارطة السياسية، والتي ستعرقل استغلال التناقض بين مفهومي “المواطنة” و”الوطن”، والتي كان يمكن أن تكون الفاصلة في أي صراع قادم؛ فالمواطنة هي العلاقة العقدية بين الدولة والفرد، بينما الوطن هو العلاقة الوجدانية الأكثر صمودًا، وعنفًا في حالة صراع.

يبدو أن الحرب الأخيرة ستستمر في “تعليق” الصراع الفلسطيني على المدى القريب أو المتوسط ، ليتحول إلى حالة “لا هو حرب ولا هو سلم”؛ فإسرائيل من ناحيتها لا ترغب في مواجهة قريبة، حتى تتمكن من إعادة النظر في خططها الدفاعية التي يبدو أنها أثبتت عدم مجاراتها لتطور قدرات المقاومة، ومن ناحية أخرى فهي بدأت تنظر إلى حماس باعتبارها بديلًا أفضل من خيارات أكثر تطرفًا قد تنافس حماس في حال تراجع قوتها؛ وعليه فإن موازين القوى يقضي بأن وجود حماس أفضل من وجود غيرها.

ومن ناحية أخرى، فإن حماس -ورغم الفقاعات الإعلامية- لا ترغب هي الأخرى في حرب قريبة، وهذا لا ينفي عملها الدؤوب على تطوير منظومتها العسكرية والاستخباراتية، ولكنها في الوقت ذاته تميل إلى خيار تهدئة طويلة نسبيًا، التي ستثبت أن الحرب الأخيرة كانت مقابل ثمنٍ ما، وهذا الخيار الأخير -وهو ذو وزن ثقيل في احتمالية تحققه- يحمل في طياته خطورة التحوُّل إلى نموذج حركة فتح، التي حولت خياراتها من الكفاح المسلح إلى الكفاح السياسي.

وعلى أي الأحوال، فإن كلا الخطابين يعاني من عدم الاستقرار، والتذبذب، استجابة لمتغيرات إقليمية أو محلية طارئة؛ فاتفاق إيران وما صاحبه من انقلاب الموقف السعودي، وأحداث سيناء وما صاحبها من هواجس حول داعش، حرق الربيع وما صاحبه من غضب جماهيري، كل هذه التغيرات سواء الاستراتيجية أو الطارئة تجعل الخطابين غير مستقرين، وقابلين للانقلاب في أية لحظة، لكن الأكيد أن أية احتمالية لمواجهة قادمة ستكون حاسمة لصالح أحد الطرفين على حساب الآخر.

لا زالت حماس تؤسس خطابها على المرجعيات الدينية، والسرديات الكبرى، وهو ما سيمنح مقاتليها نقاط قوة إضافية، بينما تنزع إسرائيل -وبغض النظر عن متطرفيها- إلى التعامل مع الصراع بوجهة علمانية بحتة، وهو ما سيفقد مجنديها الحماس الكافي لصراع شرس في حالة الهجوم البري، وهذا ما تؤكده شهادات جنودها بعد كل حرب، غير أنه لا يجب علينا أن ننسى أن الترسانة العسكرية المتقدمة تكنولوجيًا، سيكون من شأنها أن تعوض هذا النقص في الحماس، وأن تشكل نقطة ضغط قوية على حماس.

وكخاتمة، يمكن القول إن حرب 2014 لم تكن، ولن تكون، مجرد حربٍ طويلة خرجت عن قواعد اللعبة لدى الطرفين، ولكنها الحرب التي ستعمل على تعديل رؤية الطرفين لمدى نجاعة المواجهة العسكرية بشكلها التقليدي، أو كأساس جوهري لحسم الصراع.

آلاء السوسي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.