سياسة - عالمي دولي - فن

الجمعة,14 أغسطس, 2015
ماركيز دو ساد.. «إله» الخلاعة والمجون عند قُدماء التنويريين

الشاهد_لا يُعرف عنه الكثير بقدر المعرفة بما اُشتق من اسمه. وحين نقول إنّه لا يُعرف عنه الكثير، فنحن نقصد بذلك العالم العربي. بل حتى في العالم أجمع، لم يكن معروفًا الكثير عنه حتّى وقت قريب، إذ بدأت تتجه الأنظار إلى ما أنتجه خلال سنوات عُمره الحافلة بلا شك، والأقلام إلى تحقيقها وإعادة إنتاجها، أو إلى الكتابة عنه هو نفسه.

أمّا عمّا اشتق من اسمه فهي “السادية”. وأمّا عنه، فهو الماركيز دو ساد كما يظهر في العنوان. ويُقال إنّ السادية قد اشتقت من اسمه لما كرّس له من ممارسات اندرجت لاحقًا تحت مذهب السادية، وكذا في أدبه الذي يصفه اللاحقون بأنّه أدب المجون والخلاعة، ويصفه هو بذروة سنام الحُرّية التي تاقت لها شعوب أوروبا في عصره.

أكثر العقول حُرّية على الإطلاق!

في قصر دي كوندي بباريس، ولد دوناسيا ألفونس فرانسوا دو ساد، في يونيو من عام 1740، لأسرة من نبلاء فرنسا العسكريين. في مُقتبل عمره أرسله والده الكونت جين بابتيست دو ساد إلى مدينة آكس أون بروفانس جنوب شرقي فرنسا ليرعاه أعمامه ويشرفون على تعليمه المبدئي. أكثر من أثّر فيه في تلك الفترة من حياته، عمّه الذي أشرف مُباشرة على رعايته. ويُقال إنّه كان قسيسًا ماجنًا!

والدا الماركيز دو ساد

في سنوات شبابه الأولى يلتحق دو ساد بمدرسة شيفو-ليجير العسكرية، ليتخرج ملازمًا في كتيبة المُشاة الملكية، ثُم يشترك في حرب السنوات السبع، التي تفتح له باب الترقيات داخل الهرم العسكري. عام 1763 الذي شهد انتهاء الحرب الأوروبية، كان عام تحوّل كبير في حياة دو ساد؛ فيه تزوّج من غير الفتاة التي أحبها، وفيه دخل السجن لأوّل مرة، وفيه تفتقت بنات أفكاره عما جعل منه لاحقًا، صاحب “أكثر العقول حُريّةً على الإطلاق”، بتعبير غيّوم أبولينير.

الحرب وويلاتها، ووالداه، ثم إجباره الزواج من غير الفتاة التي أحب، وقبل ذلك عمّه الذي تصادف أن قُبض عليه في إحدى مواخير الدعارة بباريس عام 1762، كل تلك الأمور –مع اطلاعاته الشخصية- صنعت ماركيز دو ساد الروائي المتحرر، الممارس لأفكاره. لأوّل مرّة يوضع دو ساد في سجن فانسين كان بعد عدة شهور فقط من زواجه، على إثر اتهامه بممارسة الرذيلة في شقّة أعدها لمتعته الشخصية. وقيل إنّ سبب القبض عليه هو اعتداؤه على فتاة في تلك الشقة. بعدها بأسابيع أُفرج عنه لكنّه وضع تحت المراقبة. وكانت تلك بداية رحلته مع السجون التي امتدت مجتمعة على مدار سنوات عمره، لنحو 32 عامًا، بينها 10 في الباستيل الشهير. رحلته في السجون لم تُثنِ عزم خياله عن الاستمرار في التحرر المُرادف عنده لأبشع و”أنجس” التصرفات البشرية، بحسب تعبيره هو.

قمّة سعادة الإنسان تكمن في المُخيّلة

أو كما يقول دو ساد، الذي سعى حثيثًا لتكريس ذلك عبر أدبيّاته، التي طُمرت عمدًا، قبل أن يُعاد اكتشافها في بدايات القرن الماضي على يد السورياليين. تمّ التعامل مع دو ساد وفقًا لما نُسب إليه من “جرائم” مُعظمها يخص الشرف والأخلاق، وبعضها جرائم جنائية.

وعلى وجه الدقة لا نعلم مدى صحّة كل واحدة على حدة. على سبيل المثال: هل حقًا مارس الجنس مع أطفال؟ المؤكد أنّه تخيّل أمورًا مثل هذه في بعض أعماله الأدبية (مثل روايته 120 يومًا في سدوم)، لكن أن يكون بنفسه قد مارسها، هو ما لا نستطيع توثيقه، فمن جانبٍ، سجلات الشرطة الفرنسية في زمنه تقول ذلك، وقد سُجن عدة مرات وحُكم عليه بالإعدام أُخرى، قبل أن ينتهي به المطاف في مصح عقلي، بتهمٍ من بينها الاعتداء الجنسي على أطفال. لكن على جانب آخر، ينفي دو ساد ذلك جملةً وتفصيلًا، حين يقول: “نعم، ارتكبت مجونًا، وتخيّلت في كتاباتي كل ما يُمكن تخيّله. لكنني بالتأكيد لم أفعل كل ما تخيّلته، ولن أفعل أبدًا. أنا ماجن، لكنني لستُ مُجرمًا”.

ماركيز دو ساد

وعلى كُل حال، فلا يُمكن إنكار انغماس دو ساد من أشكالٍ من الممارسات الجنسية، يزعم ميشيل فوكو أنّ التاريخ لم يعرفها كحركة ثقافية ضخمة إلا في أواخر القرن الثامن عشر، كمثل حفلات الجنس الجماعي التي تتخللها كافة أنواع الممارسات الجنسية المُتخيلة، ما بين مثلية بينه وبين خادمه المُخلص، وغيرية بينهما وبين عاملاتٍ بالجنس، مُستخدمًا فيها الجلد بالسياط واللسع بنيران الشمع، فضلًا عن أنواع المُخدرات المُختلفة. تلك الحفلات قادته إلى السجن عدّة مرات، بسبب أن تلك الممارسات لم تكن الفتيات تطقنها، فضلًا عن أنّ بعضها تم مع فتيات شارع مارس معهن الجنس تحت التهديد، بحسب المرويّات التاريخية، التي أيضًا لا تنفي أن العديد من الفتيات والنسوة، كُنّ يتهمنه زورًا بُغية تلقي تعويض منه.

وعمومًا، فإنّ ماركيز دو ساد وهب نفسه لتحرير العقل الإنساني، أو كما كان يقول. تحريره من كل القيود الدينية والأخلاقية المُرتبطة بتصورات المُجتمعات المُسبقة. مع الوصول به إلى الخيال المحض، إذ صح منّا هذا التعبير، وربط الخيال بالطبيعة التي يرى أنّها قطعًا تتعارض مع الفضيلة، عندما ألّف كتابه “بؤس الفضيلة” عام 1785.

تكمن السعادة فيما يُثير ويُهيّج، وليس هُناك شيء يُثير سوى الجريمة، أما الفضيلة التي هي ليست سوى حالة خمول واستراحة، فإنها لا تُفضي إلى السعادة

أُودع دو ساد سجن الباستيل، الذي أنجز فيه أهمّ مُؤلفاته، من بينها “مُحاورة كاهنٍ ومُحتضر“، والتي من خلالها يُمكن الانطلاق إلى ما يُميّز عددًا من أعمال دو ساد الأدبية، من حيث قُربها إلى فن الرواية المسرحية، لكن في نفس الوقت لا يُمكن الجزم بأنه قصد ذلك، بقدر ما أراد أن يضع فيه رؤيته الفلسفية. وبتعبير الشاعر العراقي عبدالقادر الجنابي، فإنّ “الكتابة المسرحية عند دو ساد، تبرز في نحوها الأمثل، عندما لا يكتب المسرح”!

أيضًا خلال السنوات العشر التي قضاها في الباستيل، ألّف رواية “120 يومًا في سدوم” على مخطوط بطول 12 مترًا، وعرض بضعة سنتيمترات. وكان قد خبّأها في جدران زنزانته، قبل أن يتم اكتشافها لاحقًا بعد عُمر طويل، ثُم تتعرض للسرقة، ثُمّ تباع لأحد هواة جمع المخطوطات بمبلغ 7 ملايين يورو. هذه الرواية التي من المُفترض أنّها مُقتبسة من القصة التاريخية لقرية قوم لوط، حتّى أن سدوم هو الاسم العبراني لقرية قوم لوط؛ تحولّت الرواية إلى فيلم عام 1975، بعد أن نُشرت لأوّل مرة في النصف الأوّل من القرن العشرين.

منذ اندلعت أحداث الثورة الفرنسية، في يوليو 1789، بدأ دو ساد مشاركته الحشود الثورية بقدر ما يستطيع؛ كان يهتف من نافذة زنزانته، مُحرّضًا المارة على التمرد والاندماج مع الثورة، الأمر الذي دفع إدارة السجن إلى نقله لعنبر آخر شديد الحراسة. وبعد هجوم الثوار على الباستيل، خرج دو ساد لينضم إلى صفوف الفرق العسكرية الثورية، التي استطاع بمرور الوقت تقلّد مناصب قياديّة فيها، قبل أن يُحكم عليه بالإعدام بتهمة الانتماء إلى المُحافظين أعداء الثورة، وهي التهمة التي اعتاد ماكسميليان روبسبيار إطلاقها على كل من يُمثّل له تهديدًا. لكنّه يومٌ واحدٌ الفاصل بين حُكم الإعدام ضد دو ساد وإسقاط روبيسبيار وأعوانه، ما أدى إلى إطلاق سراح الأوّل.

السُّلطة بطبعها مُجرمة –دو ساد

خلال تلك الفترة شديدة الزّخم، كتب ماركيز دو ساد عددًا من مُؤلفاته المازجة بين الأدب والفلسفة والسياسة. أولها كان “خطاب مواطن باريسي إلى الملك”، وذلك في عام 1791، وهو خطاب سياسي ثوري يُعبّر فيه عن طموحات المواطن الفرنسي، وأسباب اندفاعه للثورة. في نفس العام ألّف روايته الأهم “بؤس الفضيلة” أو “جوستين”، هذه الرواية ألحقها بأخرى أسماها “جولييت”.

كلا العملان (جوستين وجولييت) يُكملان بعضهما البعض، فالأولى تحكي قصة بطلة هي جوستين اختارت “الفضيلة” كطريق في حياتها، لكنها في المُقابل تعرضت لأذية كُل الرجال الذين يدّعون الفضيلة، بمن فيهم القساوسة، كإشارة منه مُتكررة في غير عمل له، إلى أسطورة الفضيلة الدينية. ولعل في كل مرّة يتحدث فيها عن وجهة نظره “القاسية” في الدين، تكون صورة عمّه القسيس الماجن في مُخيّلته.

في مُقابل جوستين، هُناك جولييت، شقيقتها التي اختارت التحرر من عُقدة الذنب، والذّود بالخيال الواسع لتحقيق الملّذة، التي نشدها دو ساد نفسه، عبر الخيال الذي لن تتحقق اللذة إلا به مُتحررًا، كما يرى الماركيز. جولييت وجدت مُتعتها في مُعظم الحالات، ولم يكن الأراذل يُمثلون لها أي عقبة، خصوصًا وأنّها بالأساس مًتحررة من عُقدة الذنب أو بؤس الفضيلة!

حين انتهى به المطاف كمجنون!

الحقيقة أنّ المطاف انتهى به مُكتئبًا وليس مجنونًا. لقد ظلّ في المصح العقلي لنحو عشر سنوات. لم يخبت حماسه تجاه أفكاره فيها، بل ظل يُؤلّف، ويُعد المسرحيات بصُحبة نُزلاء المصح!

ما حدث أنّه عندما صعد نابليون بونابارت لسده الحُكم، أمر بإيداع ماركيز دو ساد المصح العقلي، مع منع تداول مُؤلفاته، بخاصة جوستين أو بؤس الفضيلة. أمّا مُؤلّفه الذي اعتبره هو شخصيًّا “أنجس ما أنتجته البشرية”، 120 يومًا في سدوم، فقد ظُنّ أنّه ضاع بعد انهيار الباستيل، لذلك لم يذع صيته بما فيه الكفاية آنذاك.

رسمة تخيلية لماركيز دو ساد مكبلًا بالأغلال

قبل نهايته بقليل، حُرم من الكتابة؛ سلبت إدارة المصح منه أقلامه وأوراقه، وأودعته في غُرفة انفرادية، ليبقى هُناك مُتألمًا من الوحدة، قبل أن يُصيبه الاكتئاب، ويرحل عن الدنيا به، عام 1814. ويُطمر على اسمه وإنتاجه كواحد –لا شك- من فلاسفة عصر التنوير الأوروبي، حتّى يُعاد اكتشافه –كما ذكرنا- في بدايات القرن العشرين.

والآن، تُحيَا ذكراه عبر عدة مُناسبات ومواقف، فمن جانب أُنتج فيلم سينمائي عن روايته 120 يومًا في سدوم، كما أُنتج فيلم عن روايته بؤس الفضيلة/ جوستين، وغيرهما من الأفلام المُستوحاة من رواياته، أو منه هو وقصة حياته الشخصية.

لكن في المقابل لذلك، لا يزال ذكره في العالم العربي محدودًا. قليلون فقط الذين تناولوه؛ سيرته الذاتية أو ترجمة أعماله، وهذه الأخيرة غالبًا ما تكون عن الإنجليزية، بتجاوز لُغته الأصلية (الفرنسية).

محمد العتر