سياسة - وطني و عربي و سياسي

الجمعة,12 يونيو, 2015
ماذا يجب أن نفعل إذا انتصر تنظيم الدولة الإسلامية؟

الشاهد_لقد حان الوقت للتفكير في احتمال مثير للقلق.. ماذا يجب أن نفعل إذا انتصر تنظيم الدولة الإسلامية؟ لا أقصد بالانتصار هنا أن ينتشر التنظيم كالنار في الهشيم في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وتأسيس دولة الخلافة من بغداد إلى الرباط؛ كما يحلم قادتها، لأن الطموحات الثورية ليست حقيقة واقعة، كما أن هذا الاحتمال بشكل خاص بعيد المنال.

بل إن ما أقصده بانتصار تنظيم الدولة الإسلامية هو أن الجماعة تحتفظ بالسُلطة في المناطق التي تسيطر عليها الآن، وتتحدى بنجاح الجهود الخارجية “لقهرها وتدميرها”. لذا؛ فإنّ السؤال هو: ماذا نفعل إذا أصبحت الدولة الإسلامية دولة حقيقية تمتلك قوة حقيقية للبقاء؟

يبدو هذا الاحتمال متوقعًا تلك الأيام، نظرًا لعدم قدرة بغداد على شنّ هجوم مضاد ناجح. وإذا كان باري بوسن، أستاذ العلوم السياسية بمؤسسة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، مُحقًا فيما قاله، فإنّ الجيش العراقي لم يعد موجودًا كقوة مقاتلة فاعلة.

وهذا لا يكشف فقط عن افتقار جهود الولايات المتحدة لتدريب القوات العراقية (والفشل الجماعي لجميع القادة الذين قادوا هذه الجهود واستمروا في تقديم تقييمات متفائلة عن التقدم في العراق)، ولكنه يعني أيضًا أن التدخل الأجنبي على نطاق واسع بإمكانه القضاء على الدولة الإسلامية، وهذا لن يحدث إلا إذا وافق ائتلاف الدول العربية على تكليف الآلاف من قواتهم بخوض هذه المعركة؛ لأنّ الولايات المتحدة لن ولا ينبغي أن تخوض القتال نيابة عن دول تتجاوز حصتها في نتائج الحرب حصة أمريكا نفسها.

لا تفهموني بشكل خاطئ — سأكون مسرورًا مثل أي شخص إذا تم القضاء على الدولة الإسلامية بشكل حاسم وعندما تفقد رسالتها العنيفة مصداقيتها تمامًا. ولكنّ المرء يحتاج إلى تخطيط ليس فقط لما يود أن يحدث، ولكن لأننا لا يمكن أن نحقق ما نريده، أو على الأقل ليس بتكلفة نعتبرها مقبولة.

إذن، ماذا نفعل في حالة نجاح الدولة الإسلامية في السيطرة على أراضيها وتأسيس دولة حقيقية؟ يقول باري بوسن :إنّ الولايات المتحدة (وغيرها من الدول) يجب أن تتعامل مع الدولة الإسلامية بنفس الطريقة التي تعاملت مع غيرها من الحركات الثورية التي تريد بناء دولة جديدة من خلال سياسة الاحتواء. أوافق على ذلك.

على الرغم من تكتيكاتها البشعة والمتعطشة للدماء، لكنّ الدولة الإسلامية ليست، في الواقع، عنصرًا فاعلًا قويًا على المستوى العالمي.

تجذب رسالتها مجندين من الشباب المهمشين في البلدان الأخرى، ولكن مجرد جذب 25 ألف من الأتباع المدربين بشكل سيء من عالم يعيش به أكثر من 7 مليارات نسمة ليس بهذا القدر من الأهمية؛ بل إنّه قد يكون ربحًا صافيًا إذا ترك هؤلاء الأشخاص بلدانهم الأصلية وعاشوا الحقائق القاسية للحُكم الجهادي. بعضهم سيدرك أنّ الدولة الإسلامية تنظيم وحشي وظالم وكارثة محققة، والبقية سيتم عزلهم واحتواؤهم في مكان واحد بدلًا من إثارة المتاعب في الداخل.

الأهم من ذلك هو أن مجموعة الأجانب الذين يتدفقون إلى العراق للقتال تحت راية الدولة الإسلامية ليسوا سوى جزء صغير من المسلمين في العالم، ولا تحظى الرسالة الجهادية المتطرفة بدعم كبير في هذه الفئة الكبيرة والمتنوعة من السكّان.
أنا لستُ ساذجًا؛ فالمسافرون للانضمام إلى الدولة الإسلامية سيقومون بلا شك بأعمال إرهابية وسوف يتسببون في أشكال أخرى من المتاعب في أماكن مختلفة.

ولكن هذا بعيد كل البعد عن كون الدولة الإسلامية قادرة على الانتشار، طوعًا أو كرهًا، في جميع أنحاء العالم الإسلامي؛ فهي تمتلك القدرة على التسبب في مشاكل خارج الحدود الصحراوية التي تسيطر عليها حاليًا، لكنها لم تثبت حتى الآن قدرة كبيرة للتوسع خارج السكّان السُنة في غرب العراق وشرق سوريا.

وعلاوة على ذلك، يوجد داخل أراضي الدولة الاسلامية القليل من الموارد والقوة الصناعية الصغيرة. ورغم قدرة قواتها العسكرية لكنها ليست تلك القوة العظمى (أو حتى القوة الإقليمية). تواجه الدولة الإسلامية مقاومة قوية كلما تحاول التحرك خارج المناطق السُنية (على سبيل المثال، إلى كردستان أو بغداد التي يسيطر عليها الشيعة)، حيث لا يمكنها استغلال استياء السكّان المحليين ضد بغداد او دمشق.

كما تواجه الدولة الإسلامية عقبة هامة أخرى؛ وهي أنّها لم تعد تتمتع بميزة المفاجأة؛ فقد ظهرت بشكل غير متوقع من فوضى ما بعد غزو العراق والأزمة السورية، وأظهرت الزواج غير المحتمل بين جماعة متطرفة وبعض المسؤولين البعثيين السابقين البارزين الذين يعرفون كيفية إدارة الدولة البوليسية.

وكانت هذه التركيبة فعّالة بشكل مثير للدهشة، تمامًا كما كان الجيش العراقي (على نحو لا يثير الدهشة) فاسدًا ولا يُعوّل عليه. ولكن احتمالية إثارة الدولة الإسلامية للمتاعب باتت واضحة الآن، وسوف تبذل الدول العربية، من الخليج العربي إلى مصر وخارجها، قصارى جهدها للتأكد من أن نموذج الدولة الإسلامية لن يترسخ في مجتمعاتهم. (ليبيا مسألة أخرى، خاصة بعد التدخل الغربي المتهور هناك، ولكن ظهور نسخة من الدولة الإسلامية يمثل مشكلة يمكن احتواؤها.)
والآن، لنقم بقفزة خيالية ونفترض أنّه تم احتواء الدولة الإسلامية وليس التخلص منها تمامًا وأنها أنشأت في النهاية مؤسسات حُكم دائمة.

كما يليق بجماعة تكّونت في جزء منها من أعضاء الحكومة البعثية الدموية السابقة، فإنّها تؤسس بالفعل هياكل إدارية للدولة: فرض الضرائب ومراقبة حدودها، وبناء القوات المسلحة والتعاون مع الجماعات المحلية، وما إلى ذلك. بعض من جيرانها يعترفون ضمنيًا بهذا الواقع من خلال غض الطرف عن عمليات التهريب التي تحافظ على استمرار أعمال الدولة الإسلامية. ومع استمرار هذا الوضع، إلى متى سيستمر هذا الوضع قبل أن تبدأ دول أخرى بالاعتراف بـ “الدولة الإسلامية” كحكومة شرعية؟

قد يبدو هذا غير معقول، ولكن تذكر أن المجتمع الدولي كثيرًا ما حاول عزل الحركات الثورية، للاعتراف بها على مضض بمجرد إثبات قدرتهم البقاء في السُلطة. رفضت القوى الغربية الاعتراف بالاتحاد السوفييتي لعدة سنوات بعد الثورة البلشفية في عام 1917، ولم تعترف به الولايات المتحدة حتى عام 1933.

وبالمثل، لم تقم الولايات المتحدة أي علاقات دبلوماسية كاملة مع حكومة أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، جمهورية الصين الشعبية، حتى عام 1979، بعد 30 عامًا من تأسيسها. ونظرًا لهذه السوابق، هل يمكننا التأكد من أنّ الدولة الإسلامية لا يمكن أن تصبح في يوم من الأيام عضوًا شرعيًا في المجتمع الدولي، مع مقعد في الأمم المتحدة؟

ربما، ستقولون إنّ السلوك الهمجي للدولة الإسلامية — استعباد النساء وتعذيب المدنيين، وقطع رؤوس الرهائن — سوف يستبعدها للأبد من مجتمع الدول المتحضرة. لكن.. أليس من المحتمل أن ينتهي الأمر بقادتها وهم في قفص الاتهام في المحكمة الجنائية الدولية، وليس وهم يلقون الخطابات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؟ سيكون من الرائع أن نفكّر على هذا النحو، ولكن التاريخ يقدم لنا درسًا أكثر سخرية.

هؤلاء البريطانيون المتحضرون من الطبقة الراقية الذين نستمتع بهم عند مشاهدة مسلسل “داون تاون آبي”، أنشأ أسلافهم المملكة المتحدة من خلال أعمال عنف وحشية من القهر والغزو. وهؤلاء الأمريكان البطوليون الذين وسّعوا “إمبراطورية الحرية” في جميع أنحاء أمريكا الشمالية، ذبحوا واغتصبوا، وجوّعوا الهنود للسيطرة على الأراضي — وقطعوا الكثير من الرؤوس على طول الطريق.

وهناك البلاشفة والماويون الذين أسسوا الاتحاد السوفييتي وجمهورية الصين الشعبية، لم يرسخوا سُلطتهم عبر الإقناع، ولم يفعل ذلك الوهابيون تحت حُكم ابن سعود أو الصهاينة الذين أسسوا إسرائيل. كما أوضح الراحل تشارلز تيلي في رائعته “الإكراه، ورأس المال، ودول أوروبا” أنّ بناء الدولة كان مشروعًا وحشيًا لعدة قرون، وأنّ الحركات التي أنشأت دولًا جديدة في الماضي فعلت الكثير من الأمور التي ندينها الآن ونصفها بالهمجية. (ودعونا لا ندّعي أنّ المجتمعات “المتقدمة” اليوم هي مجتمعات أرستقراطية وأخلاقية أيضًا؛ فالشخص البريء الذي يُقتل في هجوم طائرة دون طيار أخطأت الهدف هو ضحية مثل شخص قُطعت رأسه بوحشية من قِبل الدولة الإسلامية).

لقد تغيّرت قواعد السلوك المقبول للدولة بشكل كبير على مدار القرن الماضي، وهذا هو السبب في أننا نعتبر سلوك الدولة الإسلامية بغيضًا اليوم. وبالإشارة إلى أن غيرها من بناة الدول تصرفوا بشكل سيئ في الماضي لا يبرر ما يفعله الجهاديون اليوم في العراق وسوريا. ولكن هذا التاريخ الطويل يذكّرنا بأنّ الحركات التي كانت منبوذة في السابق يمكن أن تصبح حركات مقبولة وشرعية، إذا تمكنت من التشبث بالسُلطة لفترة طويلة.
ومع ذلك، أن تكون هذه الحركات مقبولة في مجتمع الدول، يجب على الحركات الراديكالية الثورية التخلي عن بعض (إن لم يكن كل) ممارساتها الوحشية. كما أشار كينيث والتز قبل أكثر من 30 عامًا، إلى أنّ جميع الدول الراديكالية أصبحت “مندمجة داخل النظام.” وبمرور الوقت، تعلمت أنّ طموحاتها الأيديولوجية لن تتحقق، وأنّ الإخلاص الحقيقي لأهدافهم الثورية الأصلية مكلف للغاية، ويأتي بنتائج عكسية، وربما يهدد بقاءها على المدى الطويل.

داخل الحركة، توجد أصوات تدعو إلى حل وسط، أو على الأقل، اتباع نهج أكثر واقعية تجاه العالم الخارجي. وبدلًا من “ثورة عالمية”، يأتي الوقت لبناء “الاشتراكية في بلد واحد.” وبدلًا من نشر “الجمهورية الإسلامية”، يأتي الوقت لعقد صفقات مع كل الشياطين الكبار والصغار.

وشيئًا فشيئًا تتكيف الدولة الجديدة مع المعايير والممارسات الدولية السائدة، وتنتقل في نهاية المطاف من كونها دولة منبوذة إلى شريك، خاصة عندما تبدأ مصالحها بالتزامن مع مصالح الدول الأخرى. قد يكون وجودها مزعجًا في السياسة العالمية، ولكن لم تعد منبوذة. لذلك؛ فإذا استطاعت الدولة الإسلامية البقاء والتوحد، فهذا هو ما أتوقع أن يحدث لها أيضًا.

ولكن، حتى لا نُخطئ: هذه العملية من “التنشئة الاجتماعية” لا تحدث تلقائيًا؛ فالدول الراديكالية لا تتعلم أن السلوك الوحشي مكلف ما لم تنضم دول أخرى تفرض عليها العقوبات اللازمة. وإذا نجحت الدولة الإسلامية في التمسك بالسُلطة، وتعزيز مكانتها، وخلق حالة فعلية حقيقية في ما كان في السابق جزءًا من العراق وسوريا، إذن؛ فالدول الأخرى ستحتاج إلى العمل معًا لتعليمها وقائع الحياة في النظام الدولي. ولأنّ الدولة الإسلامية ليست بهذه القوة، فإنّ منعها من توسيع أو زيادة قوتها وفرض تكاليف على سلوكها البغيض لا يجب أن يكون بتلك الصعوبة.

إنّ المهمة الرئيسة للإدارة الأمريكية يجب أن تكون تنسيق ودعم حملة احتواء دولية تلعب فيها الدول المحلية الفاعلة مثل المملكة العربية السعودية والأردن وتركيا، وإيران — أكثر دولة معرضة للخطر — الدور القيادي.

وهذا يعني أيضًا مساعدة الآخرين على مواجهة الجهود التي تبذلها الدولة الاسلامية لنشر رسالتها، وإقناع الدول الأخرى ببذل المزيد من الجهد للحد من مصادر دخلها، وانتظار أن تقوّضها تجاوزاتها من الداخل.

فورين بوليسي