مقالات مختارة

الأربعاء,12 أغسطس, 2015
ماذا لو ألقى فؤاد المهندس حبوب التفكير الحر في نهر النيل؟

الشاهد_منذ أن يولد الطفل في مجتمعاتنا العربية والكل يوجهه ممهدًا لما سيقوله بالعبارة الشهيرة “عشان أنا عندي خبرة أكتر منك”.

لتكن طريقة لباسك كالتالي، ليكن هدفك هذه الكلية، لتصوّت لهذا المرشح، كلمات تشكل عقلية الشباب طوال حياتهم. ولا يقوى الشباب على التغريد خارج السرب أو مناقشة هذه التوجيهات لأنهم “صغيرين ومعندهمش الخبرة الكافية”.

وعندما يكبر الشاب ويرتاد الجامعة التي اختارها أهله نيابةً عنه أو اختارها مجموعه لأن التنسيق الموضوع له كان هكذا، يحاول أن يخرج عن جلباب أبيه ويكوّن رأيه الحر ولكن هيهات هيهات. فكما يوجد في المنزل من يحتكر الفكر والتوجهات، هناك بين أوساط الشباب “شلة يسمون أنفسهم ناشطين ومثقفين” تكوّن الرأي العام ليتبعه كل الشباب.

وعبارتهم الشهيرة “أصلكو مش فاهمين حاجة”. وكل يوم يخرجون بصيحة فكرية على الجميع اتباعها وإلا سيكونون رجعيين ومتخلفين. والغريب في الأمر أن هذه “الشلة” لها موضوع معيّن لكل يوم، يتحدث جميع أفرادها فيه ليشاركه الشباب على حساباتهم على الشبكات الاجتماعية.

حتى أنني أدخل أحيانًا إلى مواقع التواصل الاجتماعي لأجد نفس الموضوع يتكرر مائة مرة وكأنني أسمع صدى في الخلفية لنفس الكلمة. وكلنا شاهدنا صيحة “أحمد مراد” وصيحة “قواعد العشق” وصيحة “تحت السيطرة” في رمضان السابق. ويتبادل أفراد هذه الشلة “اللايكات” لمشاركات بعضهم البعض وإعادة نشرها في بعض الأحيان. وكأن هناك اتفاق فيما بينهم.

لكن أغلب ظني أن هذا ما هو إلا تقليد لبعضهم البعض. ربما وجدوا “لايكات” كثيرة لموضوع معين، فأرادوا أن يكون لهم نفس العدد من اللايكات.


لكن كيف يحدث هذا النسخ واللصق للفكر بين الشباب. أرى أنه لسأم الشاب من اتباع ما وجد عليه أبيه، ينساق لاتباع آراء وأفكار هذه “الشلة” الجديدة، متخيلًا أنه أصبح حر الفكر، مع أنه دخل في تبعية جديدة مقنّعة. والغريب أيضًا أن هؤلاء “المثقفين” ينتقدون التبعية الفكرية لأقصى الحدود، مع أنهم يُسخّرون كل ما عندهم للسخرية من الآراء المعارضة والتقليل من شأن أصحابها.

وحتى لا يوصم الشاب بسمة “الرجعية والتخلف”، يتبع كالمُنوّم مغناطيسيًا ما وضعه له هؤلاء وكأنه يقول في قرارة نفسه “تصدقوا إني فعلا مقتنع بكده وأنا مش عارف”.


أغلب ظني أن هذه المشكلة وهي احتكار الفكر والرأي وقتل كل تغريد خارج السرب، هو ما أوصل بلادنا العربية إلى ما هي عليه اليوم.

لا أقصد طبعًا إلغاء التناصح والتشاور، ولكن ليكن ذلك في إطار غير ملزم. ليكن شعارنا “هذا ما أعتقده ولك أن تتفق أو تختلف”. فلا داعِ لأي تجريح أو سخرية أو تقليل من شأن أي رأي.

لا يعني مقصدي أنه لا يوجد أي مغرد خارج السرب، بل يوجد بالطبع ومن الأشخاص الذين في رأيي من أصحاب الفكر الحر، الكاتب الكبير بلال فضل والكاتب الكبير أحمد خالد توفيق، فما يتناوله هذان الاثنان لا يتصل من قريب أو بعيد بأي صيحة سائدة.

كل ما سبق جعلني أفكر وأنا أشاهد رائعة يوسف السباعي تأليفًا وفؤاد المهندس تمثيلاً “أرض النفاق”، ماذا لو ألقى فؤاد المهندس حبوب التفكير الحر في نهر النيل؟ أترك لكم هذا السؤال لتجيبون عليه بفكركم الخاص.

مريم سرحان