حواء

الجمعة,22 يوليو, 2016
ماذا تعرف عن نساء الملح المغربيات ؟

الشاهد_ في فصل الصيف، تقصد مغربيات كثيرات أحواض السباحة، للترفيه عن أنفسهنّ. أمّا نساء تعاونيّة الوفاق، فيقصدن أحواضهنّ الخاصة لتأمين لقمة عيشهنّ

ثماني عشرة امرأة متزوّجات وعزباوات، تتجاوز أعمارهنّ الأربعين، يمضين صيفهنّ القائظ في تلك الأحواض في شمال المغرب. هي أحواض لاستخراج الملح، أمّا فرصة العمل فهي “جيّدة” بالنسبة إليهنّ، وإن أجهدتهنّ وإن كان مردودها الماديّ متواضعاً جداً. ما تجمعه الواحدة منهنّ، في سطل أسود يستوعب 12 كيلوغراماً من الملح، تبيعه بعشرة دراهم مغربية؛ أيّ دولار أميركي واحد. لا يكفيها ذلك وجبة طعام واحدة.

في دوّار زرادون، على مقربة من مدينة وزان في شمال المغرب، تعمل النساء في أحواض الملح لتعليم أطفالهنّ وإعالتهنّ، أو لدعم أزواجهنّ الذين يعملون في الزراعة والفلاحة وأيضاً هؤلاء العاطلين من العمل الذين يفضّلون قضاء أوقاتهم في المقاهي. بالقرب من شوالات الملح الأبيض عند الحوض القديم، تشكو امرأة: “نحن ابتلينا برجال آخر زمن”. فيردّ عليها رجل من بعيد: “هذا شغل العيالات”، أيّ الفتيات. هكذا، لا يأتي مشهد النساء وهنّ يحملن شوالات الملح لافتاً. الأمر متوارث ومتفق عليه اجتماعياً بين أهالي الدوّار. وتشير العاملات في الملاحات إلى أحواض قديمة يزيد عمرها عن مائة عام، “كانت تعمل فيها النساء فقط”.

عند الساعة السابعة من كلّ صباح، تخرج نساء “تعاونية الوفاق” إلى الأحواض، حيث يبقين لغاية الحادية عشرة من قبل الظهر. ثم ينقلن الملح الذي جمعنه في “شكارات” (أكياس كبيرة الحجم) إلى مخزن التعاونية. جزء منه يخصص لتصنيع ملح التجميل والجزء الآخر يوزَّع بالتساوي على النساء العاملات كمقابل ماديّ وحيد لعملهنّ.

تبدو رحمة كشير المرأة الأكبر سناً بين هؤلاء. عمرها يتجاوز الستين عاماً وهي تعمل في الأحواض منذ نحو عشرين عاماً. يومياً، تقطع مسافة نصف ساعة إما على ظهر دابتها أو سيراً على الأقدام. تخبر أنّها تعمل مقابل “لقمتي”. وتقول لـ “العربي الجديد” إنّ “زوجي توفى قبل عام وأولادي تركوا البيت إلّا واحداً. حاولوا إقناعي بملازمة المنزل، لكنّني طلبت الاستمرار في العمل”. لكنّها في نهاية المطاف لا تجني إلا القليل.

في الدائرة نفسها، تبدو حنان العامري (39 عاماً) التي دفع بها القدر إلى أحواض الملح، الأكثر نشاطاً في جمع الملح. تنتقل صاحبة الحركة الرشيقة من مهمة إلى أخرى، فتعبّئ الملح وتقشط الماء وتنظّف الحوض بسرعة وخفّة. بالنسبة إليها، العمل جيّد في الحوض، وهي تتفاهم مع زميلاتها وتتشارك معهنّ المهمات. تقول لـ”العربي الجديد”: “إذا كان الجو حاراً جداً، نحتاج إلى ثلاثة أيام حتى نحصل على الملح. من كلّ حوض نستخرج ثلاثة شكارات”. لكنّها تشكو: “نقوم بجهد كبير من دون مقابل ماديّ لائق. في كلّ يوم يتقلّص ثمن السطل. وغالباً ما يطلبه الناس في موسم الزيتون لاستخدامه في عملية التخليل”.

تجدر الإشارة إلى أنّ النساء، قبل موسم الملح، يسوّين الأحواض الترابية بعد حفرها وجرفها قبل مدّ أغطية من البلاستيك عليها وضخّ الماء فيها. بعدها، تأتي عملية جمع الملح على مدى ثلاثة أشهر. ويتميّز الملح الذي تنتجه هؤلاء النساء بالجودة والنظافة. على الرغم من أنهنّ يعملن في أحواض مكشوفة، إلّا أنهنّ يحرصن على الانتباه إلى نظافة الملح، حتى يخال للزائر أنّ الملح كتل من الثلج لشدّة نصاعته، بالمقارنة مع ذلك الملح الذي يُنتَج في أحواض أخرى في المغرب.

تفيد رئيسة تعاونية الوفاق ريتا البركة بأنّ الأرض تابعة لـ “الأحباس” أي لوزارة الأوقاف، وتستأجرها التعاونية في مقابل 45 دولاراً سنوياً. تقول لـ”العربي الجديد” إنّ “جهات إسبانية ساهمت في دعمنا وبناء مقرَّين للجمعية. كذلك فإننا كأعضاء ساهمنا كل واحد بمائة درهم (عشرة دولارات) لشراء الأدوات اللازمة. أمّا الماء فنأتي به من نبع مالح يبعد كيلومتراً واحداً، ونضخّه عبر مولّد كهربائي، ونوزّعه من خلال أنابيب على الأحواض. وبعدما تجفّ الأحواض، نجمع الملح ونبيعه أو نستخدمه في خلطات للتجميل أصبحت الجمعية مشهورة من خلالها”.

وتلفت البركة إلى أنّ ملح “الوفاق” ينقصه اليود، مضيفة أنّ “منظمي المعارض التي نشارك فيها طلبوا منّا إضافته إلى منتجاتنا. صحيح أنّنا لا نستخدمه حتى اللحظة، إلا أنّنا نعتزم ذلك بعد خضوعنا إلى تدريب خاص”.

في سياق متّصل، تمكّنت النساء الناشطات في التعاونية من توسيع استثماراتهنّ في الملح، من خلال إدخاله في مجال التجميل. وقد نجحن من خلال تدريب خاص في إضافة الأعشاب والزيوت إلى الملح ليدخل في إطار المنتجات الخاصة بالتجميل. وهنّ ينتجن اليوم نحو عشرة أنواع مختلفة من الملح، من قبيل “ملح الطعام بنسمة الكمّون” الذي يُستخدم في أطباق معيّنة. ونجد أيضاً “ملح الحمّام” الذي يتكوّن من الملح وزيت الخزامى وزهرة البرتقال وبيكربونات الصودا. وهو يساعد على الاسترخاء ويخفّف من الاضطرابات وتوتّر الأعصاب، و”ملح غسول القدمَين” و”ملح مقشّر الوجه” و”ملح تبييض الأسنان” وغيرها من أملاح التجميل.

وكانت نساء التعاونية قد أطلقت هذه المنتجات للمشاركة في معارض على المستوى المغربي المحلي، وكذلك على المستوى الأوروبي والدولي. يُذكر أنّه غالباً ما تستدعيهنّ وزارة الفلاحة لعرض منتجاتهنّ. واليوم، تستعد هؤلاء النساء إلى معرضهنّ المقبل في شهر أكتوبر 2016 في إيطاليا، بالإضافة إلى معرضَين آخرَين في تطوان ومكناس المغربيتَين.

في ظلّ الطلب الكبير على ملح التجميل، لا تتوقّف النساء عن العمل مهما كانت الظروف. وتقول البركة: “حتى في شهر رمضان، كنّا نصلّي الفجر وننزل إلى الأحواض حتى العاشرة صباحاً، ثم نعود إلى منازلنا”. وتعمل النساء ضمن مجموعات مقسّمة على أسابيع، فيما تبقى الأحواض آمنة في الطبيعة، لا أحد يحرسها أو يقترب منها.

لم تنهِ البركة ولا كشير ولا العامري تعليمهنّ الثانوي أو حتى الأساسي، ويعملن بخبرات الحياة المكتسبة من دون شهادات أكاديمية. تنجز كل واحدة منهنّ مهاماً متعددة، منها رعاية الأبناء والزوج والعمل في المنزل، بالإضافة إلى الزراعة والفلاحة في الخارج ورعي الأغنام والأبقار. يُذكر أنّ سكان الدوّار بأكثرهم فلاحون.

مكانس بلاستيكية وأوعية

هنا، في ملّاحات دوار زرادون، تنشط هؤلاء النساء. تتعدّد مهامهنّ. يملأن الأحواض بالماء الذي يُضخّ بواسطة مولّد كهربائي وأنابيب من نبع قريب، فيما يفرّغن أخرى وينقلن الملح الرطب من حوض إلى ثانٍ حيث يُترك ليجفّ تماماً. في عملياتهنّ تلك، يستخدمن الأوعية لنقل الملح والمكانس البلاستيكية لقشط الماء.

العربي الجديد