مختارات

الجمعة,12 يونيو, 2015
ماذا تعرف عن البوزجاني الذي تخلد جوجل ذكراه اليوم؟

الشاهد_خلد اليوم جوجل الذكرى 1075 لعالم الرياضيات والفلك، الفارسي المسلم أبو الوفا البوزجاني، حيث وضع صورة مرسومة له كشعار له بهذه المناسبة.

بدأت المعرفة أول ما بدأت مع اليونان، حيث أعلنت الفلسفة هناك بإسبرطة وأثينا ميلاد الحضارة البشرية، لينتقل بعد ذلك مشعل المعرفة إلى مختلف بقاع العالم على مر التاريخ إلى اليوم، حيث كل أمة تضع لبنة في صرح المعرفة، فكان لكل من الحضارة الفرعونية المصرية، والحضارة الآسيوية، والحضارة الأفريقية نصيب.

وقبل أن تنفجر المعارف مع عصر الأنوار بأوروبا، العصر الذي بدأ فجرا جديدا للإنسانية، كان علماء الحضارة الإسلامية قد أدوا واجبهم التاريخي العلمي هم كذلك، أولا بحفظهم كنز التراث اليوناني المعرفي عبر الترجمة، ثم ثانيا بإسهاماتهم المعرفية الفريدة أيضا.

بمناسبة ذكرى ميلاد أبو الوفا البوزجاني، سنتعرف في هذا التقرير على أبرز إسهامات ومؤلفات هذا العالم.
أولا ما هي سيرته؟

ولد أبو الوفا محمد بن محمد بن يحيى بن اسماعيل البوزجاني سنة 940م، بمنطقة بوزجان بمدينة خراسان بإيران.
ترعرع في حضن عائلة عالمة، فأخذ عن عمه أبو عمر المغازلي علوم الحساب والعدديات، ودرس الهندسة على يد أبو يحيى المارودي، انتقل إلى بغداد سنة 959م، حيث استقر بها وتوسع في علوم الرياضيات وتخصص في حساب المثلثات.
درس شروحات علماء اليونان الكبار مثل إقليدس وفيتاغورس، كما قرأ إنتاجات الخوارزمي، بدا جليا نبوغه وموهبته في الحساب الهندسي في تلك الفترة.

حظي باحترام الطبقة الحاكمة في العراق آنذاك، حتى أن الوزير ابن سعدان كان يداوم حضور مجالسه.
وقد أمضى حياته ببغداد في البحث والتدريس والتأليف، وكان عضوا في المرصد الذي أنشأه شرف الدولة سنة 377هـ والذي كان يضم أيضا أبي الحيان التوحيدي، توفي سنة 998م.

ماهي أبرز إسهاماته؟

قدم أبو الوفا البوزجاني إسهامات فريدة في علم المثلثات، كما كان رائدا في معارف الفلك، ويعد الآن واحدا من بين الذين كان لهم دور واضح في تقدم الهندسة في تاريخ العلوم.

البوزجاني هو أول من ابتكر دالة الظل (tangent)، وأبدع في حساب المثلثات، حيث طور طرقا جديدة آنذاك لأجل المسائل المثلثية، كما أنه أول من وضع هذه التعريفات الرياضية المرتبطة بحساب المثلثات:

و هو من اكتشف قانون الجيب أيضا

تمثل إضافات البوزجاني تلك مع إبداعاته في الرسم الهندسي إرهاصات مبكرة جدا لظهور علم الهندسة التحليلية.
لم تقتصر إسهامات العالم الفارسي المسلم على حساب المثلثات، وإنما أيضا كان عارفا بالفلك، حيث وضع تقاويم هامة لأماكن الكواكب السيارة في الفضاء، كما حقق في نظريات بطليموس حول القمر وانتقدها.

وقد صنع أبو الوفاء آلات متقنة، شاهد بها انحراف سمت الشمس بربع دائرة يبلغ نصف قطرها إحدى وعشرين قدمًا، وهو اتساع رؤية يعد كبيرًا في المراصد الحديثة.

استأثرت إنتاجات البوجزاني في الرياضيات والفلك دهشة العديد من علماء الغرب في العصر الحديث، وصفه الإبستمولوجي البلجيكي جورج سارتون في كتابه “تاريخ العلوم” بأنه أعظم علماء الحساب في الإسلام.

يقول أيضا المستشرق الفرنسي الشهير البارون كارادي في حق العالم ابن خراسان: “إن الخدمات التي قدمها أبو الوفا لعلم المثلثات لا يمكن أن يجادل فيها، فبفضله أصبح هذا العلم أكثر بساطة ووضوحا”.

ما هي أشهر مؤلفاته؟

ترك أبو الوفا البوزجاني وراءه تآليف في علم الحساب والهندسة والمثلثات، لا زال بعضها محفوظا في المكتبة الوطنية بباريس، نعرضها كالآتي:

“كتاب فيما يحتاج إليه الكتاب والعمال من علم الحساب”، توجد منه نسختان ولكنهما ناقصتان في كل من ليدن بهولندا، والقاهرة.

“الكتاب الكامل” يندرج في معارف الفلك، وهو عبارة عن ثلاث مقالات، الأولى فيما يجب معرفته قبل التعرض لحركة الكواكب، والثانية في حركات الكواكب، والثالثة في الأمور التي تعرض لحركات الكواكب، وتوجد منه نسخة ناقصة بباريس، وقد ترجم “كارادي فو” بعض أجزائه.

“كتاب فيما يحتاج إليه الصناع في أعمال الهندسة”، كتبه أبو الوفاء بأمر من “بهاء الدولة”، وتوجد نسخة منه في مكتبة جامع أيا صوفيا في استانبول.

“زيج الوادي” كتاب يهتم بأمور الفلك سجل فيه البوزجاني ما رصده من ملاحظات فلكية.

“كتاب المجسطي” وهو أبرز مؤلفاته وأشهرها، يعتبر قراءة تفسيرية نقدية في كتاب “المجسطي” الأصلي لبطليموس ، مخطوطات الكتاب الأصلية ما تزال محفوظة بالمكتبة الوطنية بباريس.

و هناك أيضا إنتاجات أخرى لهذا العالم، مثل (تفسير كتاب ديوفنطس) في الجبر، و(تفسير كتاب الخوارزمي) في الجبر والمقابلة، كما له مجموعة رسائل (رسالة العمل بالجدول الستيني، رسالة استخراج الأوتار، رسالة الزيج الشامل، رسالة عن المجسطي، رسالة استخراج ضلع المربع، رسائل صغيرة في الهندسة).

لقد كان بالفعل أبو الوفا صاحب إنتاج غزير وفريد، ساهم جليا في تطور علوم الهندسة والمثلثات بالخصوص.

خلدت ناسا هذا العالم تقديرا لما قدمه للعلوم، بإطلاقها اسمه على إحدى الفوهات البركانية على سطح القمر.

البلدان التي تحترم العلم والمعرفة الإنسانية كتراث كوني يجب الحفاظ عليه، تحتفظ ببقايا إنتاجات العلماء في متاحفها ككنز ثمين وإن انتهى مفعولها العلمي منذ زمن، وتؤرخ لشخصيات العلماء بالفن عبر السينما والنحت والرسم، بيد أن الأمم التي تستخف بالعلم وتهين أشخاصه، من الطبيعي أن تندثر إنتاجاتهم وتحرق كتبهم كالشأن مع ابن سينا وابن رشد ولسان الدين بن الخطيب وغيرهم، فما عاد يصلنا شيء من الحضارة العلمية الإسلامية إلا ما احتفظ به الغربيون عنهم وهو يسير جدا، ليعرفوننا بتاريخنا!