عالمي عربي

الخميس,24 سبتمبر, 2015
ماذا تعرف عن الأنفاق في قطاع غزة؟ النشاة والوظيفة والآثار

الشاهد_لم تولد أنفاق قطاع غزة، والتي تم هدم المئات منها من قبل الاحتلال الإسرائيلي، والسلطات المصرية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من فراغ، بل جاءت كبديل مؤقت لاستمرار غلق إسرائيل ومصر لكافة المعابر.

جذور نشأة الأنفاق، والقائمون عليها، وأبرز مجالات استخدامها، فضلا عن الثمار التي جاءت بها لسكان غزة، هي أبرز ما يتناوله التقرير التالي.

أولا: ما هي أنفاق قطاع غزة؟

عند الحديث عن ظاهرة الأنفاق في قطاع غزة، والتي بدأت بوادرها تظهر أواخر عام 2006، وأوائل عام 2007، لابد من التفريق بين نوعين من الأنفاق، الأولى مخصصة للمقاومة الفلسطينية لأغراض السلاح والإمداد العسكري، فيما الثانية تجارية تخطت أساليب الاستثمار الاقتصادي، فوصلت لعمليات تهريب سلع غير شرعية إلى القطاع.

فالأنفاق هي مجموعة من الأنفاق حفرها الفلسطينيون بشكل سري تحت الأرض على انخفاضات كبيرة تصل إلى 20 مترًا وتتركز تحت الشريط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة ومصر التي تستخدم لتهريب السلاح والدخان والمنتوجات الغذائية.

لذلك، عند الحديث عن التهريب والأنفاق في مدينة رفح جنوب القطاع تحديدًا، هو حديث عن ظاهرة تاريخية في المرحلة الممتدة من 1967-1949، ثم بعد احتلال قطاع غزة والضفة الغربية حتى قيام السلطة 1994 وحتى الآن.

بينما بعد انسحاب الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 من سيناء شكلت عملية الانسحاب المحطة التاريخية في تفعيل التهريب وبداية ظهور ظاهرة الأنفاق السرية لأغراض تهريب الممنوعات عمومًا، بالإضافة لما تحتاجه المقاومة.

ويشار إلى أن أول نفق اكتشف من قبل الاحتلال كان عام 1983،أي بعد أقل من عام من تطبيق اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل 1982، أو ما يسمى عند أهالي القطاع بعملية الفصل.

حتى أن عمل الأنفاق قبل عام 2000 اتسم بعمليات تهريب المخدرات والذهب، أي الممنوعات التي تدر أرباحًا هائلة، ونادرًا ما كان يهرب السلاح للمقاومة، ومع بداية انتفاضة الأقصى بدأت تأخذ منحى آخر وهو تهريب السلاح لفصائل المقاومة، وازداد عددها وتوسع نشاطها.

كل ذلك مهد الطريق أمام سلطات الاحتلال لتفجير أي نفق يتم اكتشافه مما أدى إلى استشهاد واعتقال العشرات ممن كانوا يعملون بالأنفاق، ولكن لم يمنع ذلك من مواصلة العمل بها، بل استمرت وتواصلت دون توقف.

ثانيا: متى بدأ البناء الفعلي لأنفاق قطاع غزة؟

مع إخلاء الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة وانسحابه في سبتمبر 2005، تزايدت الإغلاقات والحصار لسكان القطاع ليصبح مبرمجًا ومشددًا، لاسيما بعد أحداث حزيران 2007 بين” فتح وحماس” وإحكام الأخيرة على القطاع.

فتح الإغلاق الإسرائيلي المحكم المجال لتجديد واتساع رقعة بناء الأنفاق بدون أي تنظيم أو إشراف كشكل من أشكال التحدي للحصار، وتعزيز صمود المواطنين والتخفيف عن السكان المحاصرين، خاصة بعد فوز” حماس” في الانتخابات يناير 2006، وإحكام الاحتلال حصاره على القطاع.

وقد رافق الحصار حالة من الركود والتباطؤ الاقتصادي، شمل كافة القطاعات الاقتصادية بسبب منع إدخال المواد الخام، وإغلاق أكثر من (90%) من المنشآت، فضلا عن المواد الغذائية والمتطلبات الأساسية لسكان القطاع.

بينما تبنت المقاومة أسلوب حفر الأنفاق فقامت عدة عمليات نوعية عن طريق حفر الأنفاق مثل عملية الوهم المتبدد التي قتل بها عدد من الجنود الإسرائيليين وخطف الجندي جلعاد شاليط عام 2006.

ويتطلب حفر الأنفاق جهودًا كبيرة، حيث يسري أحيانًا على مدار الساعة ويتناوب فلسطينيون كثيرون على مهمة الحفر وكان العمل بدائيًّا من حيث آليات ومعدات الحفر لكن تنفيذه في النهاية كان بحرفية.

ثالثا: من يشرف على أنفاق غزة؟

أثارت ظاهرة الأنفاق ومنذ حفرها في العام 2007 جدلًا واسعًا بين الاقتصاديين الذين دعوا منذ سنوات لإغلاقها أو المراقبة عليها وأن تعمل ضمن استراتيجيات معينة تخدم المصلحة الاقتصادية وتكون سندًا لأهل غزة الذين يعانون من الفقر والبطالة وتراجع مستويات المعيشة.

على الرغم من التحذيرات التي أطلقها الاقتصاديون على ظاهرة الأنفاق واعتبارها ضمن الاقتصاد الخفي والوهمي إلا أن الحكومة بغزة دافعت عنها في ظل تفاقم مشكلة الانقسام السياسي واعتبارها حلًا للحصار ووسيلة لتوفير السلع الأساسية والضرورية إضافة لكونها إيرادات مهمة لحكومة غزة.

وبالتالي، فإن السياسة المالية الحكومية آنذاك اعتمدت على الأنفاق كجزء من تمويل نفقاتها، حيث نشرت صحيفة البرلمان التي تصدر عن المجلس التشريعي بغزة أن الموازنة العامة للحكومة بغزة للعام 2013 قد بلغت897 مليون دولار، حيث تمت تغطية النفقات، بينما العجز يتم احتواؤه من الخارج دون الإفصاح عن ذلك.

لكن وزارة الاقتصاد قد لفتت إلى أن تدمير الأنفاق قد أدى إلى خسائر قدرت شهريًا بقرابة 230 مليون دولار، وهذا سبب رئيسي للأزمة المالية التي تعانيها حكومة غزة السابقة، منذ عزل الرئيس المصري محمد مرسي يوليو 2013.

وأصبحت الأنفاق التي تم ترخيصها من قبل حكومة حماس أمرا واقعا لا بديل له في حياة سكان القطاع، كونها المنفذ الوحيد لإدخال البضائع والحاجيات الأساسية منذ فرض الحصار، فشكلت الحكومة آنذاك بما يعرف بدائرة “لجنة الأنفاق”، والتي أشرفت على الأنفاق وأصبحت الآمر الناهي بكل ما يتعلق بتلك الأنفاق وفرض الضرائب وجبايتها على كل ما يدخل أو يخرج.

رابعا: كم وصلت أعداد أنفاق القطاع؟

تزايد عدد الأنفاق من 20 نفقًا في منتصف 2007 إلى أن وصل حسب بعض التقديرات إلى500 نفق متعدد الأشكال والأغراض حتى نوفمبر 2008، ويقدر البعض أن العدد وصل إلى 800 نفق تقريبًا سواء الجاهزة التي تعمل أو التي هي قيد الإنشاء.

وفي حين أعلن وزير الاقتصاد بحكومة غزة التابعة لحماس سابقًا أن عدد الأنفاق يصل إلى 1400 نفق، بينما أعلن قائد قوات حرس الحدود المصري أن القوات المصرية المسلحة قد دمرت ولغاية 24 أبريل للعام 2014 قرابة 1532 نفقًا.

ويتراوح طول الأنفاق من 200-1000 متر ويصل أحيانًا إلى 1500 متر ويتراوح عرضها من نصف متر إلى مترين، بينما يصل ارتفاعها إلى متر ونصف، وهي تحفر على عمق يتراوح من 8-15 مترًا تحت سطح الأرض ويصل أحيانًا إلى 30 متر تحت الأرض.

وتكون بعض الأنفاق على هيئة نظام طوابق أي تجد نفقًا على عمق 8 أمتار، وتحته نفق على عمق 15 مترًا، وثالث على عمق 20 مترًا، أما بالنسبة لتكلفة حفر النفق فإنها تتراوح ما بين 70-100 ألف دولار حسب طول النفق، أي أن تكلفة المتر الواحد يساوي 100 دولار.

حتى أن الاستيراد الشهري عبر الأنفاق يتراوح ما بين 35-40 مليون دولار مع العلم بأنه لا يتم تصدير أي سلع إنتاجية للخارج ويقدر حجم الاستيراد السنوي بـ 650 مليون دولار سنويًا، وتقدر الأرباح التي يجنيها أصحاب الأنفاق والعاملين من 200-300 مليون دولار في حالة احتساب نسبة ربح من 30-50% تقريبًا وتصل بعض الأحيان نسبة الأرباح إلى 100%.

ويوجد بالنفق أكثر من شريك وتدار عبر الأسهم، حيث يحدد سعر السهم وعدد الشركاء ونظام توزيع الأرباح على المساهمين، ومع اشتداد الحصار أصبح يهرب عبر الأنفاق المواد والسلع بأنواعها المختلفة بما فيها الأجهزة الكهربائية وخاصة التي تدر الأرباح، لكن المحروقات بأنواعها المختلفة تدخل عبر الأنفاق باستثناء الغاز.

خامسا: ماذا يخرج إلى غزة عبر الأنفاق؟

خلال السنوات الأولى من الحصار المطبق حتى اللحظة على قطاع غزة، غزت العديد من السلع عبر الأنفاق في السوق المحلي الفلسطيني، فهي تشمل كافة أنواع الطعام، الملبس، أثاث المنزل، بضاعة اضطر المواطن الغزي التعامل معها رغم قلة جودتها وارتفاع أسعارها، فيما يشتكي البعض من بضاعة الأنفاق التي لا يجدون فيها منتجًا بديلًا لا يرتقي إلى درجة القبول لدى المستهلكين، ولا تقنعهم أسعارها.

أما أهم سلع الأنفاق فهي، مواد التنظيف، مواد غذائية، مولدات كهربائية، دراجات هوائية، قطع غيار للسيارات، أدوات سباكة، أحذية، ملابس أطفال، أسمنت، أدوية بيطرية، سجائر، اسطوانات الغاز، العجول، وبعض الحيوانات.

وأصبحت الأنفاق مصدرًا رئيسيًّا لإدخال الوقود إلى قطاع غزة في ظل الحصار، حيث يوجد حوالي 12 نفقًا تستخدم لإدخال الوقود بمتوسط 20 ألف لتر لكل نفق يوميًا، وأخرى لإدخال الأسمنت حيث تم إدخال هذا النوع من البضائع من خلال 6 أنفاق بمعدل 30-35 طن أسمنت يوميًا خلال السنوات الماضية، فيما بات اليوم صعبًا.

لكن بعض البضائع تتسم بعدم الجودة، وعدم الرقابة على الأسعار، حيث تتضاع الأسعار دون أي رقابة خاصة على السلع الضرورية، فقد ارتفعت أسعار العدس والبقوليات والزيوت والفواكه والمعلبات والملابس والأحذية والشمع ووسائل التدفئة، بصورة غير مسبوقة بسبب استغلال التجار.

سادسًا: هل أثمرت الأنفاق شيئًا لقطاع غزة؟

يجمع الاقتصاديون في غزة أنه بعد سبع سنوات من تجارة الأنفاق وإغلاقها يمكن القول بأن اقتصاد الأنفاق هو اقتصاد مُدمر، وغير منتج، رغم حله الجزئي للمشكلة الإنسانية المتمثلة بتوفير السلع الأساسية والضرورية، حيث استطاعت تلك الظاهرة أن تقوض إمكانية بناء وتأسيس اقتصاد منتج يقوم على تعظيم الموارد الذاتية المتوفرة والممكنة.

وفي دراسة أعدها مؤخرًا المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات فإنه ترتب على اقتصاد الأنفاق تعميق التشوهات البنيوية والهيكلية التي يعانيها الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة، فضلًا عن تعزيز مفاهيم الثراء السريع دون قاعدة إنتاجية حقيقية، مما ساهم أيضًا في تفسخ النسيج الاجتماعي والسياسي القائم بغزة.

وآخر الإحصاءات النهائية بشأن مصير أصحاب الأنفاق في القطاع، نقلا عن موقع” الرسالة نت” فإن الأنفاق المنتشرة على الحدود بين قطاع غزة ومصر، حصدت أرواح 232 مواطنًا منذ عام 2006 وحتى عام 2013، مع غياب اتخاذ تدابير من شأنها الحد من سقوط الضحايا وحماية العاملين فيها.

وأوضحت الإحصائية أن 20 مواطنًا استشهدوا في الأنفاق بسبب القصف الإسرائيلي عليها طيلة السنوات الماضية، فيما قتل 9 أطفال بداخلها، وبلغ عدد المصابين من بين العاملين 597، منذ عام 2006 وهو العام الذي بدأت فيه ظاهرة الموت داخل الأنفاق.

ومما يشير على مدى العشوائية وعدم الالتزام بتدابير وإجراءات الأمن والسلامة للعاملين في الأنفاق أغرقت مياه الأمطار الغزيرة أنفاق التهريب في رفح وتسببت في انهيارات في التربة عام 2013.

ووفقًا لتقرير نشره موقع” الراية” الكويتي العام الماضي فإن شبكة الأنفاق تحت أرض غزة لا أحد يعرف خريطتها حتى إسرائيل نفسها لا تعرف امتدادها الحقيقي وكيف حفرت، مشيرة في الوقت نفسه إلى تقديرات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية رصدها وجود 32 نفقًا وجب تدميرها.

وتقارير أخرى تؤكد أن أنفاق غزة إلى الآن لا يمكن حصرها وتبقى لغزًا يحير الإسرائيليين خصوصًا من حيث العمليات التي نفذت من خلالها ضد أهداف إسرائيلية، لاسيما وأنها حفرت ببراعة وجهد مضنٍ ومتواصل وسالت دماء كثيرة لأجل حفرها.

لذلك، فإن إسرائيل التي لديها قدرات فائقة في تكنولوجيا الأقمار التجسسية لم تستطع فعلا تعقب بداية ونهاية كل شبكة أنفاق غزة، خاصة وأن معظمها يسير وفقًا لخطط المقاومة الفلسطينية في القطاع.