كتّاب

الثلاثاء,15 مارس, 2016
ماذا بعد اتهام محكمة امريكية ايران بالتورط في احداث 11 سبتمبر؟

 

بقلم محمد الحمروني

الشاهد– بعد يوم واحد من المقال الذي كتبه عبد الباري عطوان تحت عنوان “أوباما يبرئ إيران ويتّهم السعوديّة برعاية الإرهاب” أصدر القضاء الأمريكي حكما، يقضي بتغريم إيران 10.7 بليون دولار.. بسبب تورّطها في أحداث سبتمبر.

الأمر اللّافت للنظر، أنّنا لم نسمع مرّة واحدة أن إيران متورّطة، لا من قريب ولا من بعيد، في أحداث سبتمبر، فلماذا يتّهمها القضاء الأمريكي، بتهمة خطرة كالمسؤوليّة أو التورّط في أحداث سبتمبر؟

هل يمكن أن يكون القضاء الأمريكي مسيّسا فأصدر هذا الحكم لتوريط إيران؟ هل يمكن أن يكون القضاء الأمريكي فاقدا لأيّة مصداقيّة لدرجة أن يصدر حكما “مجنونا” كهذا؟

أم أن القاضي الذي أصدر الحكم لديه ما يكفي من الأدلّة لإصدار هذا الحكم؟ هل تعلم الإدارة الأمريكيّة بالأدلّة التي على أساسها أصدر هذا القاضي حكمه؟ هل يعقل أن تكون الحكومة الأمريكيّة على علم بالأدلّة التي تورّط إيران، ورغم ذلك ذهبت لاحتلال أفغانستان في الشمال والعراق في الجنوب، وأغمضت عينيها عن إيران؟ ولماذا تفعل ذلك؟

وكيف لأوباما أن يطلق تصريحات ضدّ السعودية، في الوقت الذي يفترض فيه أن يوجّه انتقاداته إلى إيران المتّهمة بأبشع عمليّة إرهابيّة في تاريخ العالم؟ لماذا لم ترافق صدور هذا الحكم حملة إعلاميّة كالتي تستهدف المملكة العربيّة السعوديّة، وتحاول أن تلفّق لها تهمة الإرهاب؟ لماذا لم نسمع عن هذا الخبر إلّا في موقع “ثانوي” جدّا وهو موقع bloomberg، ولم تركّز عليه كبريات القنوات والصّحف الأمريكيّة؟

الحقيقة أن الأمر صادم إلى أبعد الحدود، ولعلّه يكشف لنا طبيعة التحالفات الجارية وتغيّر المواقف الذي نشهده منذ مدّة في علاقة بإيران وملفّها النّووي، ودورها في المنطقة عموما وتدخّلها في سورية خصوصا.

الأمر مفاجئ لأنّنا ومنذ أحداث سبتمبر 2001، أي منذ نحو 15 سنة، لم نسمع إشارة واحدة تورّط إيران في تلك الأحداث. والحكم القضائي، جاء اليوم ليؤكد تورطها، وجاء بعد يوم من تصريحات أوباما التي تبرّئ إيران وتتّهم خصومها في المنطقة برعاية الإرهاب. وكأنّ هناك محاولة لاستباق الحكم بالتأكيد على تبرئة طهران من هذه التهمة.

كما يأتي الحكم متزامنا مع تصنيف جامعة الدول العربية لحزب الله، ذراع إيران في المنطقة، تنظيما إرهابيّا، وهو ما يعطي مشروعيّة أكبر لهذا القرار، ويؤكّد الطابع الإرهابي لإيران وأذرعها في المنطقة.

وللإشارة، فإنّ الحكم ومن حيث التوقيت يأتي في وقت قاتل بالنّسبة للإدارة الأمريكيّة والغرب عموما وهو الذي بنى، في السنوات الأخيرة، استراتيجيّة على التقارب مع إيران ومحاولة إعادة إدماجها في المنطقة، بهدف إحداث شيء من التوازن مع تركيا واستعمالها كأداة للتصدّي لثورات الربيع العربي.

جاء الحكم ليفنّد تصريحات الإدارة الأمريكيّة، وليؤكّد إلى أيّ درجة بات اللعبة الدولية بالإرهاب مكشوفة، حتى انقلبت الموازين بشكل فاضح، وباتت الأطراف المتّهمة حقيقة تدّعي محاربة الإرهاب، والأطراف المتضرّرة منه باتت متّهمة برعايته، وباتت الإدارة الأمريكيّة توزع صكوك الغفران، وتحدد الشركاء والأعداء في محاربة الإرهاب.

كما يؤكّد الحكم، زيف الادّعاءات التي توجّه اليوم إلى المملكة ومحاولة ربطها بالإرهاب، سواء من خلال التمويل كما تدّعي بعض الجهات، أو من خلال رعايتها لـ”الوهّابيّة” ومحاولة الربط الآلي بينها وبين الإرهاب.

الحكم يكشف الحقيقة الأساسيّة التي تحاول الكثير من القوى إخفاءها وهي أن الإرهاب بات لعبة دوليّة كبرى، وأنّ إيران جزء رئيسي فيها، وهي الأداة التي تستعملها القوى الكبرى لتحقيق مخطّطاتها في المنطقة (التقسيم والفتنة الطائفية).

اليوم يمكن أن نفهم، جزءا من اللّعبة الكبرى الجارية بالمنطقة، ويمكن من خلالها معرفة كيف تطوّرت الأحداث منذ هجمات 11 سبتمبر واحتلال أفغانستان وتسليم العراق لإيران، وصولا إلى الاتفاق النووي والدّور الجديد لطهران في المنطقة.

ولكن في انتظار ذلك، الأكيد أن الرأي العام الدولي، بحاجة إلى معرفة الأدلّة التي استندت عليها المحكمة في حكمها. وبعد ذلك معرفة ردّة فعل الإدارة الأمريكيّة، ومن ورائها الطبقة السياسيّة والإعلاميّة على هذا الحكم. وسنرى هل سينتفض اشاوس الحرب على الإرهاب، على إيران مثلما يفعلون مع غيرها رغم أن الاتهامات الموجّهة لهم باطلة وملفقة؟