الرئيسية الأولى

الإثنين,16 مايو, 2016
مؤثر ..رسالتان من نقيب سابق في الجيش التونسي يودع إبنته عند زواجها و أخرى يودعها عند وفاتها

الشاهد – ودع المناضل والنشاط التونسي عبد الحميد العداسي خلال الايام الاخيرة ابنته البكر يسرى رحمها الله وكان رحيل الفقيدة اثّر بشكل كبير على الاب الذي عرف بعاطفته الجياشة تجاه ابنائه خاصة واخوانه عامة ، ولان الوجع يستفز الذكريات فتنهمر ، استذكر النقيب السابق في الجيش التونسي رسالته التي بعث بها لابنته بعد زواجها ، ثم ارتاينا ان ننشر الرسالة او التابين الذي بعث به الى روج المرحومة مباشرة بعد وفاتها .

*رسالة اثر زواجها

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد
ريف دمشق – جديدة عرطوز، 22 مارس 2002.
بنتي الحبيبة :
بعد أن صرت إلى بيت غير بيت والديك.
بعد أن استقبلت حياة هي من المؤكد أقل عسرا وأكثر مرونة وأوفر زينة ومتاعا وأوسع مجالا للتصرف.
بعد أن خرجت من طور البنت المتلقية عن والديها إلى طور السيدة المقبلة على الإسهام بالرأي والفعل.
بعد أن أمسيت تتطلعين بإذن الله إلى من يحلّ محلّ قتيبة ولكن بعلاقة أقوى (علاقة الأمومة والدفء والحنان).
بعد أن كتب الله أن يباعد بين دارك ودار والديك.
بعد هذا وغيره، لعلك – يسرى – استعرضت شريط ما مرّ من عمرك فتوقّفت كثيرا أمام والد ضربك مرارا وصاح في وجهك تكرارا. ولعلّك تأثّرت لذلك وتألّمت من ذلك.
ولعل نفسك – وفي غفلة من نفسك – كرّهت إليك فعل أبيك بل لعلّها حاولت أن تكرّه إليك أباك!… ألا فاعلمي بنتي، أنّه ما تألّمت أبدا من ضربة تلقيتها منّي إلّا تألّمت أكثر منك لتنفيذي تلكم الضربة. وإنّه ما ذرفت عينك دمعة إلا تقطع قلبي أسفا وأجرى بداخلي أودية من الدموع الساخنة. وأنّه ما سرّني أن أرى فيك نقصا أو اعوجاجا، ولا أحزنني أن أرى فيك كمالا أو تفوقا.
فقد كان كل همّي أن أربيك تربيّة إسلاميّة صحيحة كي أدّخر لك أولا، ثم لي ولأمّك ثانيّة، مرضاة الله سبحانه وتعالى. وكان حرصي كبيرا على تمكينك من العلوم والأدب اللذين بهما يمكنك التعامل مع محيطك. وكان إصراري غير مسبوق لأجعل منك ربّة بيت ناجحة أو على الأقل، أن أجعلك على هذه الطريق. فكنت أتعمّد تحسيسك بعدم رضائي عن كل أعمالك تقريبا كي يزداد حرصك على التحسين. بل لقد طالت ملاحظاتي حتى هيأتك في محاولة منّي للحفاظ على مسحة الجمال التي حباك الله بها، ذلك أنّي أولي أهمية مقدّرة لهذا الجانب، ولكن دون أن يكون على حساب جمال الأخلاق وجمال الجوهر.
يسرى، إن كان أرهقك ذلك منّي فلا أقل من أن تقارنيه بما صرت إليه، إذ العبرة بالخواتيــــم، (نسأل الله حسن الخاتمة). فقد اخترت لك زوجا آنست فيه الصحبة الآمنـــة والرجولة المحصّنة والمروءة المانعة والأخلاق المواتية والعزيمة الثابتة والرؤية الواضحة (نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله).
بنتي الحبيبة، وقد صرت إلى ما صرت إليه، أبَقِيَ لي ولأمّك عليك شيء؟!.. بلا، بقي أشياء كثيرة:
بقي أن تتّقيَ الله في نفسك وفي زوجك وفينا ما استطعت.
بقي أن تبَرّي زوجك، فلا تقدّمي بين يديه بحديث أو فعل. ولا ترفعي صوتك عليه أو بحضرة ضيوفه، ولا تستأنسي لحديث مع غيره من الرجال – من دون المحارم – ولو كان ذلك بحضرته أو بموافقته (فقد تأذّى الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل وبشهادة الله سبحانـــــــــه وتعالى من الاستئناس بالحديث)… وكي لا يفهم من هذا غير ما قصدت، فإنّي لا أنهاك عن الحديث البنّاء الهادف اللازم الضروري… ولا تظهري حبّك لما يكره أو كرهك لما يحبّ، ولا تدخلي أحدا بيته إلا بإذنه، ولا تدخلي أحدا بيته عند غيابه وإن كان بإذنه، ولا تبالغي في التنويه بمناقب أقرانه، وكوني قبل ذلك بارّة بأهله.
بقي أن تبرّي أمّك وأباك، فتكوني عند حسن ظنّهما بك أو أحسن، اجعليهما في قلبك ونصب عينيك واعملي على الالتقاء بهما في عليين عند ربّ رحيم، الزمي لهما الدعاء بلسانك وبـعملك وتذكري دائما أنّك غصن متفرع عنهما فكوني طيّبة عاكسة لأصلك، كوني في حياتك مسكينة (المسكنة التي رغب فيها الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم) هينة، كوني قنوعة زاهدة فيما هو في أيدي الناس، كوني غنيّة بالفقر إلى الله وحده ولا تُفقري نفسك بالنظر إلى من دونه، كوني محبّة للفقراء حانيّة عليهم، كوني مبغضة للمتكّبرين والمترَفين ولا تخوضي خوضهم ولا تجلسي إلى موائدهم.
بقي أن تبرّي إخوتك، فتحرصي دائما على رفع هاماتهم بين الخلائق، وتنمي بالبعد عنهم حبّك لهم فتظلوا متحابّين إلى يوم الدين إن شاء الله تعالى.
بقي أن تبرّي أهلك جميعا فتعملي دائما على جمع الشمل والاعتزاز بهم والإسهام في هداية الضال منهم.
بقي أن تبرّي أهلنا من الإخوة في الله (أعمامك وخالاتك) حيث ما كانوا، فتكوني لهم (بعد رضاء زوجك) خادمة مطيعة متذلّلة لهم في الله كما لو كانوا والديك.
بقي أن تحرصي على حسن تربية أبنائك (نسأل الله أن يرزقكما الذرية الصالحة) سهيل ومنتهى وغيرهما وتغرسي فيهم ذات المبادئ (حبّ الله وحبّ رسله وحبّ المؤمنين وحبّ الخير عامّة).
وأخيرا أسأل الله لكما الخير والتوفيق والسداد وأقول لإدريس، أنّي لم أتردّد في إعطائك فلذة كبدي تعبيرا عن حبّي لك فلا تقصّر في الإبقاء على طراوة كبدي.

و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
أبوك

*رسالة نعي بعد وفاتها

إنا لله وإنا إليه راجعون
إلى أصحاب اليمين باليُسرى يا يسرى
بما أبكيك بنتي!…أبدموع جفّت أم بدم قلب اضطرب!.. أم بكلمات لم تصمد أمام المصيبة إلّا قليلا!…
كيف أبكيك بنتي وأنت مبطونة، وقد صنّفك الحبيب صلّى الله عليه وسلّم ضمن الشّهداء الكرام!… كيف أبكيك بنتي وأنت بارّة بأمّك وأبيك… كيف أبكيك بنتي وأنت مطيعة لزوجك… كيف أبكيك بنتي وأنت محسنة لسائر خلق الله تعالى!…
كيف أبكيك وأهلك من محارمك وغير محارمك من دمك وفي الله (أخوّة المؤمنين) قد أخذوا عن أبيك وأمّك الواجب فقاموا بما يتعدّى كثيرا حدود واجب الأخوّة والنصرة… أبّنوك واستعرضوا تاريخك وواسوا واتّصلوا بكلّ وسائل الاتّصال التي أنعم الله بها تعالى، حتّى ما قدر أبوك على الاستجابة لكلّها أو حتّى لأغلبها…
أليس هذا بنتي – بإذن الله دليل خير ودليل حسن خاتمة وحسن طالع، والمسلمون يشهدون للميّت أو عليه!…
إلى اللقاء يا يسرى… وسوف أظلّ أراك كما أنت يوم سافرت، ما نظرت إلى حجرى الذي فيه بنتي متّي!…
أسأل الله بنتي أن يتقبلك من الشهداء فأنت مبطونة، وأن يرفعك في عليين برحمته ويسكنك الفردوس الأعلى ويلحقنا بك غير مبدلين، غير فاتنين ولا مفتونين…
وإنّا لله وإنّا إليه راجعون…