مقالات مختارة

الثلاثاء,24 مايو, 2016
مؤتمر حركة النهضة وإشراقات المستقبل

الشاهد_ بعيدا عن الإطراء المبالغ فيه وبعيدا عن الذم غير المحمود سأسلك طريقا الإعتدال في تقييم المؤتمر العاشر لحركة النهضة التونسية.

إكراهات الواقع وتحدياته أم أصالة المسار والمنهج؟

هل أن الخيار الذي تبنته حركة النهضة من إكراهات الواقع واللحظة كما ذهب إلى ذلك البعض أم أنه تكتيك تعتمده الحركة للحفاظ على مكانها في السلطة ولحماية نفسها من الخطر أم هو أصيل ونتاج تطور طبيعي لمسار سلكته الحركة منذ تأسيسها الرسمي سنة 1981 تحت اسم الإتجاه الإسلامي.

أثبتت نتائج المؤتمر أن كل التحاليل التي اتجهت إلى بعد واحد قد جانبت الصواب إذ أن رسائل المؤتمر بدأت منذ الحفل الإفتتاحي الذي حضره ضيوف من مختلف أنحاء العالم وكان أهمهم الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الشريك الأساسي للشيخ راشد الغنوشي في صناعة مسار التوافق الذي دشناه في اجتماع باريس بعد فترة من الشد والجذب بينهما تبين لهما معها أنه لا بد من تصالح بين التيارين الأساسيين: اللبرالي المعتدل والإسلامي المعتدل بعد عقود من الصراع لم تستفد منه في الختام إلا عصابات الشؤم النوفمبري ومن تحالف معها من استئصاليين أو جماعات الإسلاموية المتطرفة الموغلة في التكفير والعنف والجهلوت.

تمثلت الرسالة الثانية الهامة في انتخاب المؤتمرين للأستاذ علي العريض رئيسا للمؤتمر، وبانتخابه تحققت بعض الرسائل الداخلية والخارجية. فالأستاذ العريض معروف بمركزية دوره داخل النهضويين، فهو من ناحية “الشهيد الحي” وصاحب الشخصية المستقلة والقوية التي تستطيع أن تدير المؤتمر وتتجاوز عثرات الإدارة التي وجدت في المؤتمر التاسع إضافة أنه من ناحية أخرى رئيس حكومة سابق وأمين عام للحركة وشخصية لها حضورها قطريا ودوليا.

السياسي أو الدعوي / أبن رشد أو الغزالي

لئن طرحت في المؤتمر بل قبله عديد اللوائح للنقاش إلا أن لائحة إدارة المشروع واللائحة السياسة هما اللتان سيطرتا على الحوارات الداخلية والخارجية، والسبب في ذلك أن المضامين التي تتضمنها اللائحتين تحيل إلى قضية حقيقة شغلت العقل المسلم منذ بدايات النهضة وتجلت في نقاشات فكرية وفلسفية وسياسية تحت اسم علاقة الديني بالسياسي، أو المقدس بالدنيوي أو غيرها من المسميات وكان أشهرها في بداية القرن العشرين ما عرف بالمناظرات بين الشيخ عبده وفرح انطون الذي نشرت في كتاب “ابن رشد وفلسفته- مع نصوص المناظرة بين محمد عبده وفرح أنطون- دار الطليعة- بيروت – ط 1 عام 1981” ورغم أن الشيخ عبده يعد من التنويريين، حتى أن بعض العلمانيين العرب والتونسيين على وجه الخصوص يحرص على الإنتسباب إليه لأسباب لا تمس مجال بحثنا في هذا المقال، إلا أنه ضل يدافع على ضرورة عدم الفصل بين الديني والسياسي على عكس فرح أنطون الذي ظل يدافع على ضرورة هذا الفصل مرتكزا كل منهما على ابن رشد ونقده للتهافت الفلاسة للغزالي. وعلى مر العصور حرص الفكر الإسلامي على الإنتساب والإنتصار في أغلب الحالات للغزالي واعتبار أن فكره أكثر أصالة وعمقا من فكر أبن رشد الذي اختتمت مسيرته الفكرية والفلسفية الكبيرة بحرق كتبه ونفيه عن قرطبة بعد أن كان قاضي القضاة وطبيب السلطان ومستشاره. وأما الغزالي فإنه شهرته طبقت الآفاق في حياته وبعد مماته ولقب بحجة الإسلام.

ولا نريد أن ننساق وراء هذا الحوار الثري واستتباعاته التاريخية والفلسفية والدينية وإنما نريد أن نعود إلى مؤتمر حركة النهضة وإلى جوهر الإشكال الذي هو في أصله ينبع من هذا الزخم التاريخي.

فحركة النهضة التي انطلقت حركة دعوية مسجدية بروح شيخين أحدهما فيلسوف عايش عن قرب تجارب سياسية ودعوية متنوعة وهو الغنوشي والآخر صوفي متأصل في ثقافة المدينة التونسية وتقاليدها وهو الشيخ عبد الفتاح مورو. ألتف بهذين الشيخين شباب طلابي متحمس وغيور على دينه.

وأثمر هذا المزيج المتنوع حوارا ظل يتطور مع الأيام ليعلن في البيان التأسيسي سنة 1981 عن مجموعة من المبادئ أهمها أن الحركة لا تحتكر الدين وأنها تدعوا إليه بالسلم ليتجذر بعد ذلك في مشروع الأولويات ثم ليدفع الشيخ راشد الغنوشي بهذا الحوار إلى اقصاها في كتابه “ألحريات العامة وتوفيرها في الدولة الإسلامية” في منتصف التسعينيات من القرن الماضي حيث تجلى الفهم المقاصدي للشريعة وأبعادها كما عرفت عند الشاطبي والفاسي وابن عاشور بشكل جلي وليعمق هذا التوجه في مستواه العملي بعد ذلك في كتاب “المجتمع المدني” وليكون كتاب “القدر عن ابن تيمية” تجليا أخيرا لهذا الجهد. حيث وجدنا في كتاب “القدر” نقدا واضحا لمفهوم الحرية عن الأشاعرة وبالتالي فإنه ضرب الإسفين الأساسي التي كانت ترتكز عليه الحركات الإسلامية المعاصرة منذ تأسيسها على يد حسن البنا في سنة 1928 في العمق.

ولم يكن الشيخ راشد غريبا بين أبنائه بهذا لتحليل بل إنه كان يلقى القبول الحسن نظرا لأن تجربة الحركة الإسلامية التونسية نشأت في بيئة علمانية متشددة مما جعلها تحتك بالحداثة منذ تأسيسها وتتعاطى معها بشكل يومي فكان طلبة الإتجاه الإسلامي كما يقرأون الغزالي وابن تيمية وابن القيم يحرصون على قراءة ماركس وروسو ومونتسكيو.

إذا كان هذا التطور طبيعي ولم يكن لتحديات اللحظة إلا أنها إخراجته للعلن ودفعت به ليتحول إلى مشروع سياسي يعيد هيكلة الحركة في فعلها اليومي ويحفظ لها هويتها كما ضمنها الدستور في مستوى رؤيتها الفكرية الجديدة التي صادق عليها المؤتمرون بنسبة عالية.

المؤتمر تتويج لحوار وانفتاح على المستقبل

بهذا الفهم كان التوجه العام للمؤتمر واضح ومحسوم ويهدف إلى التجديد في فعل الحركة الإسلامية ودعم اندماجها في واقعها القطري والإقليمي والدولي. فالعولمة وانفتاح العالم وديمقراطية المعلومة وانسيابها في لحظة أصبح لشبكة العلاقات الإجتماعية (الفايسبوك) وحدها أكثر من مليار مشترك في العالم وأكثر من مليوني مشترك فقط في تونس أي أكثر من 20 بالمائة من التونسيين يجعل ضرورة الإنفتاح مسألة أساسية وبالتالي لم يعد للتشدد في مقاييس الإنتماء، كما كانت عليه أيام المحن، معنى كبيرا بقدر ما أصبح التركيز على شروط للعضوية تخضع للدستور، التي تراه النهضة منسجما مع مشروعها لأنها ساهمت في صياغته، وتحفظ هوية المشروع ككل ولا تمنع التونسي من الإندماج فيه وتسمح بالتالي من التواصل معه وتبني مشاكله والدفاع عنها.

في مثل هذه الحالة يصبح من الضروري أن يبقى الحزب في تواصل مع الدولة وليس في صدام معها وأن يبحث بالتالي عن التعايش والوفاق الذي يعتبر الأداة الأنجع لحل الصراع بين المجموعات والفرق المتناحرة أو المتصارعة ولأن العلاقات الدولية والثنائية للمجتمعات المعاصرة تقوم على مبدأ التوافق ولهذا فإن عالم الإجتماع الألماني سملSimmel يقول أن التوافق” هو أحد أعظم اكتشافات الإنسانية”.

حسن الطرابلسي

 ألمانيا 2016