كتّاب

الإثنين,23 مايو, 2016
مؤتمر النهضة في ذمة “الشيخين” : فصل المقال في ثمن الانتقال …

12065507_10205329376262473_1473281544539723352_n (1)

الحبيب بوعجيلة

سيمثل المؤتمر العاشر لحركة النهضة مجرد افصاح “بالوثائق” على الخيار الحاسم الذي ذهب اليه رئيس الحركة و خطه السائد منذ لقائه في باريس مع الباجي قايد السبسي ثم امضائه على خارطة طريق الحوار الوطني بعد قرابة سنوات أربعة من “مغالبة” و “تدافع” عمدته دماء و مؤامرات و تجاذبات و مصادمات مع شق واسع من طبقة سياسية و نخبة و ادارة عميقة تمترست في مواجهة النهضة و حلفائها .

و في سياق تحولات دراماتيكية متسارعة في الاقليم و المنطقة العربية أنهت بشكل حاسم اطلاقية الحديث عن “مسار ثوري” تفرضه “الجماهير” بقيادة الإسلاميين الذين وضعتهم الانتخابات داخل الدولة التي لفظتهم بدم غزير في القاهرة و انفجرت تحت حكمهم الى ميليشيات مسلحة في ليبيا و اليمن و استعصت عن قبولهم الى حد امكانية الانهيار في تونس .

 

حكم البلاد آليات الواقع و أوهام اليوطوبيا ….

 

تجربة الحكم القصيرة التي قضتها النهضة و حلفاؤها في الحكم مكنت “الشيخ الأستاذ” من استخلاصات عميقة كان يجب أن تستغرق سنوات من “التنظير” لولا السرعة التي يمنحها اكتشاف الواقع على أرض راهن عربي و عالمي تتحرك رماله في عجلة من أمرها لتكون كل يوم في شأن جديد .

 

 

سيكتشف الرجل السبعيني ( الذي يختزل على أكتافه تجربة طويلة من الصدام العملي المؤلم له و لأتباعه مع “دولة الاستقلال البورقيبية و الاستبداد النوفمبري” ) أن لعبة الحكم أعقد من ان يتقنها من لا يملك غير حزب زاخر برأسمال بشري ضخم و عدد من الأحكام النظرية المجردة عن دور “الجماهير” و ثوابت “الثورات التقليدية” و المبادئ المجردة للديمقراطيات و سلطة الصناديق .

 

 

سيتبين الغنوشي سريعا أن مسار الانتفاض الذي شهدته البلاد بين 17 ديسمبر و 14 جانفي 2011 و أن زخم الاستعداد “الشعبي” للقطيعة الذي أبرزته اعتصامات القصبة ثم انتخابات أكتوبر 2011 لا يحيل البتة على “ثورة شعبية” لحشود مستعدة أو قادرة على طريقة “البلشفيين” أو “الخمينيين” لاقامة دولة “التنظيم الثوري” الذي لا وجود له أصلا في سياقات عالمية و ثقافية جديدة معولمة .

 

 

اكتشف السياسي و المفكر أن “الحكم” مهنة قوى و طبقات تحسن استثمار ما تملكه من مقدرات الاعلام و المال و توظيف النخب و قدرات أجهزة “دولة عربية” طاعنة في السن و الاندغام في خلايا مجتمعاتها و مؤسساتها المدنية وأدرك “القائد الاسلامي العالمي” سريعا أن الحكم يقتضي مهارة تحسن قراءة التوازنات الدولية و أوضاع الاقليم و توجيه الرأي العام و هشاشة “جماهير” مشدودة الى انتظاراتها المادية الدنيا في الاستقرار الاجتماعي و الأمني .

 

 

غير أن الغنوشي سيتبين في نفس الوقت ايضا أن هناك منظومة “بائدة” قد تصدعت و انشطرت و أنها و ان كانت ليست بالضعف الذي يمكن للإسلاميين انهاءها فإنها أيضا ليست بالقوة التي تسمح لها على مغالبتهم كما كانت تفعل سابقا و من هذا الاستخلاص الذي تمكن منه في جولة “تدافع” قصيرة أدرك ضرورة الذهاب الى منطقة “وسطى” في نصف الطريق يلتقي عندها “قدامى غير استئصاليين” مع ” مسلمين ديمقراطيين ” .

 

 

و في سياق هذا الاستخلاص كان هناك “شيخ ثمانيني” استوعب بتجربته الطويلة داخل الدولة أو قربها اخفاقات الحكم الفردي البورقيبي المنتهي الى منظومة استبداد و فساد نوفمبرية سقطت مثل “نمر من ورق” في مواجهة أول صدام مع “مجتمع” غاضب أنهكته خيارات تنموية و ثقافية مافيوزية بائسة لم يعد أحد في الداخل او في الخارج قادر على تحمل حمايتها .

 

مؤتمر و مسار ….تونس في “وسط” الشيخين …

 

لم تعش تونس في السنتين الماضيتين الا على ايقاع مناورات الشيخين و هما “يتدافعان” في لعبة طاولة معقدة يستعمل فيها الاثنان نتائج استخلاصات استراتيجية و أوراق قوة تتراوح بين الشدة و الوهن و الترتيب و الاختلاط لجرجرة أنصارهما الى نقطة “وسط” قررا سلامتها .

 

أدرك الشيخان (أو أحيطا علما) أن هذا القدر التسووي المحتوم ستعمده قوى اقليمية و دولية متوافقة ضمنيا على ترتيب ممكن لمخبر تونسي يمكن أن يصلح مصنعا لنموذج ممكن لعالم عربي مفتوح على تحولات جذرية تحتاج تسويات موجعة بين تيارات و قوى تاريخية لن يكون استمرار صراعها إلا خطرا على مشهد كوني يفكر كباره الآن جديا في بلورة نظام دولي جديد يعوض ما ترهل من مخرجات العشرينات و الخمسينات بين “سايكس بيكو” و “يالطا” و يؤسس بشكل مؤقت مرة أخرى لهدنة الحروب الباردة و الساخنة التي أنهكت أواخر قرن مضى و قرن جديد يتوغل في عشريته الثانية على ايقاع شرق عربي صاخب بشعوبه المتشوفة الى مستقبل معقول بين الأمم .

 

 

ليس مؤتمر النهضة التي تعلن نفسها الآن حزبا “مدنيا” يتصالح مع “الدولة” الا انجازا للحلقة الاولى من خطة هذه التسوية الكاملة في انتظار أن يتمكن الدساترة و التجمعيون و من معهم من طبقة سياسية و نخب مالية و رمزية من اعلان أنفسهم حزبا “ديمقراطيا” يتصالح مع “المجتمع” لتنتهي وقتها الحلقة الثانية من صناعة مُركب الحكم الائتلافي في انتظار تشكل معارضته .

 

 

مؤتمر و خطابان …رسائل الشيخين …

 

 

ليس هناك اختلاف داخل حركة النهضة كما يتصور البعض على خيار “المصالحة” مع “الدولة” و من يمثل منظومتها و مشاركة الحزب في الائتلاف الرباعي الحاكم و طرح رئيس الحركة لمشروع العفو العام خير دليل على ذلك.

 

 

التباين الوحيد هو “الثقة المطلقة” للغنوشي و أنصاره في رئيس الدولة و استعداد “خط الغنوشي” لكل التنازلات الضرورية في مقابل تحفظ “الخط الثاني” من تنازلات لا تقابلها ضمانات ملائمة باستعداد الطرف المقابل للتصالح مع “حقيقة الانتقال” و ما تم دسترته من مبادئ الثورة و لا تحميها محافظة على أوراق القوة اللازمة عند كل غدر .

 

 

يبرز التباين في التمشي الحذر باستمرار لمجلس الشورى على امتداد السنتين الماضيتين في مقابل سرعة و اندفاع رئيس الحركة الذي ظل يسمح باستمرار للمتحفظين باستعراض ما يلزم من صرامة و ابراز القوة في ملاعبة الشريك .

 

 

استمر هامش الاستعراض الى حدود الجلسة الافتتاحية التي حشدت “جماهيرها” لإبراز الشوكة و رشحت لرئاسة المؤتمر “شابين” على أبواب الكهولة يختزلان راديكالية الخط الطلابي في الثمانينات (المكي و الهاروني) و انتخبت علي العريض لرئاسة المؤتمر دون نورالدين البحيري رغم الخطاب “المطمئن” للباجي قايد السبسي لتعطي رسالة بأن “الحركة” تذهب الى تخوم “الدولة” برئيس حكومة سابقة و لكنها تملك خط رجعتها الى “الشدة” النسبية المعلومة في سيرة “الشهيد الحي” .

 

 

الباجي قايد السبسي القادم الى مؤتمر “الحزب الأكبر” في الائتلاف الحاكم خاطب بالأساس “المتحفظين” من ثقة شيخهم المطلقة فيه . كان واضحا أن رئيس الدولة يأتي “أعزلا” من كل أوراقه التقليدية التي واصل بها في السنة الماضية “ابتزاز” شريكه النهضاوي.

 

 

لم يمنح الباجي الاسلاميين طيلة أشهر بعد استقراره في قرطاج أي شهادة استحسان و ظل يطالبهم من موقع “القوة المغرورة” بمزيد بذل الجهد لتحسين “نتائجهم” و قد برز ذلك جليا في حوارين شهيرين بصحيفتي “الوطن البحرينية” و “المساء البلجيكية” .

لكنه جاء الى جلسة الافتتاح برادس وهو مثخن بجراح حزبه المتشظي و منظومة “أنصاره” المتصدعة و محاصرا بغضب حلفائه القدامى و استشراس “اعلام” و منظمات لا ترتاح الى خياراته “التسووية” . و في نفس الوقت جاء وهو يدرك تماما أن عناق شريكه “يخنقه” فلم يترك له مجالا لمزيد “الدلال” في سياق دولي و حتى داخلي أصبح اكثر ارتياحا الى “جدية” النهضاويين و وضوحهم مقابل عبث أتباعه المتناهشين .

 

 

قال الباجي للمتحفظين منه : ” ان عليهم الآن ان يثقوا الآن فيه و يكونوا “غنوشيين” فقد “تأكد” أنهم حزب “ديمقراطي” في دولة مدنية (كما يريدهم) و لكنه شدد أنها دولة “شعب مسلم” (كما يريدون) و في تفاعل مع حسن استقبال الجماهير النهضوية “ناشد” “المتحفظين” الى ” الدعوة الى سبيل ربهم بالحكمة و الموعظة الحسنة” صبرا على “خصومهم” الذين يواصلون ابتزازهم و أصر الشيخ “الرئيس” على اتمام آية الحكمة ليوجه الى “المقتدرين ” طلبا بقبول العفو و الصفح في رمزية معبرة “وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ.. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُون”َ

 

 

في سياق متصل كان خطاب الغنوشي تبريرا للتحول بعيدا عن ترويج الاحساس بالخضوع الى الاكراهات فجعل مرحلتي النضال من أجل الهوية و الاحتجاج السياسي أمرا طبيعيا في مواجهة “دولة الاستئصال الثقافي و الاستبداد السياسي” لتكون مرحلة “التخصص” نتاجا لدستور ثورة طمأنت أهل “الجماعة” و “الاتجاه” على الهوية و الحرية

 

 

يريد الغنوشي أن يمنح كل متحفظ على التحولات احساسا بالامتلاء النفسي أنه لا “يتنازل” على مبادئ و لا يجرم تاريخا بل يتعاطى مع تحولات و يتفاعل مع واقع و تاريخ و بهذا المعنى يصبح الخيار الاستراتيجي في التصالح مع “الدولة” هو ادارة للمشروع بعيدا عن أخطاء و دغمائية الأشباه في الشرق العربي و أقرب الى الاستفادة من حراك البلاد و تجارب الناجحين من اسلاميي تركيا و شرق آسيا و المغرب الاقصى .

 

 

بعد الخطابين أمام حضور لافت للقوى “الشاهدة” من أطياف السياسة التونسية و الدولية يذهب “المؤتمرون” الى ترجمة هذا المنعرج التاريخي الذي تشهده البلاد على ايقاع أهم الأحزاب فيه حتى يتحول المنعرج الى خيار مؤسساتي بعيدا عن مناورات و ادارة “شيخين” لا ندري ان كان واقع تونس المتحركة سينتصر الى توقعاتهما واستخلاصاتهما و تلك قصة أخرى ….