الرئيسية الأولى - كتّاب

الأربعاء,6 أبريل, 2016
مؤتمر النهضة العاشر: هاجس السياسي و مزايا التخصّص

الشاهد_تسير حركة النهضة بخطى حثيثة نحو عقد مؤتمرها العاشر الذي أقرّ مجلس شورى الحركة عقده أيّام 20/21/22 ماي المقبل بعد الإنتهاء من المؤتمرات القاعديّة و الجهويّة و القطاعيّة وسط جدل داخل الحركة نفسها و خارجها بشأن المخرجات و بشأن ما بعد المخرجات في ظلّ مشهد عام يشوبه بعض التوتّر في مستوايات مختلفة.

 

من الشموليّة إلى التخصّص:

 

قال زعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي متحدّثا أن “النهضة نشأت شموليّة شموليّة الإسلام”، و هذا شأن كلّ الحركات الإسلاميّة التي نشأت قبل عقود من الزمن و لكنّ هذه الحركات و التيارات السياسيّة تختلف عن بعضها في ما تلى مرحلة النشأة التي كانت لها ظروفها الخاصّة التي إستدعى تجاوزها زمنيّا و هيكليّا و مضمونيّا مراجعات كبيرة خاصّة بعد الخروج من السريّة إلى العلنيّة و بعد التحوّل من “محظور” إلى “حزب حكم”.

 

بفضل الثورة التونسيّة تحوّلت حركة النهضة إلى حزب في الدولة منخرط في إدارة دفّة السلطة و منهك في التدافع السياسي اليومي و الإستراتيجي الشيء الذي أهمل و غيّب عدّة جوانب و قطاعات واسعة على أهميّتها فعنوان المشهد السياسي غيّب إلى حدّ بعيد العناوين الأخرى المهمّة التي أغرقها السياسي في حالة الإنتظار و الترقّب بسبب الإرتباط الوظيفي بينها و بينه.

 

الجسم السياسي لحركة النهضة بإعتبارها حزبا مدنيّا وفقا لمقتضيات قانون الأحزاب و كذلك وفقا لموقعها في المشهد بعد الثورة ينبغي أن يكون موجها بشكل كلّي إلى إدارة الحكم و هو كذلك في السنوات الأخيرة ما شكّل “شبه منفى” لقطاعات أخرى عديدة تختلف وسائلها عن السياسي و لكنّها ملزمة به لعدم تخصّصها باعتباره هاجسا أكبر للحزب و من هذا المنطلق تأتي أهميّة هذا التخصّص الذي يحوّل الحركة إلى ما يشبه “ساحة حوار مفتوح و تدافع بين قطاعات يمكن أن تسير بالتوازي” دون سطوة قطاع على الآخر و تعطيل أحدها من طرف السياسي.

 

التخصّص الذي تسير إليه حركة النهضة في مؤتمرها العاشر هو إنطلاقة لقطاعات عديدة داخل جسم الحركة خارج إطار الحزب المتخصّص في العنوان السياسي بما يتيح لكلّ القطاعات و من ضمنها السياسي نفسه أن تكون أكثر تحرّرا.

 

التخصّص و حجم النهضة:

 

يعتقد كثيرون من أبناء النهضة نفسها و من خارجها أنّ التخصّص أو ما بات يسمّيه بعضهم “الفصل بين الدعوي و السياسي” سيقلّل من حجم الحركة بل و يسعى بعض منافسيها إلى توظيف هذا التخصّص لغاية فصلها عن حاملها الإجتماعي و هذا تحليل يحمل موقفا مبطنا و حكما غير سليم من الناحية السياسيّة:

 

من ناحية الحجم السياسي سيساهم التخصّص في جعل الجسم السياسي لحركة النهضة أكثر قدرة على المناورة السياسيّة و أكثر تحرّرا في إدارة شؤون الدولة بإعتبارها هاجسا رئيسيّا و شغلا شاغلا للأحزاب عبر عدم تشتيت الجهود أولا و عبر برهنتها بالتخصّص نفسه على إنخراطها الكلّي في بناء الدولة وفقا للدستور الجديد للبلاد و تحصينه بنفوذ أوسع و قدرة أكبر على حمايته و الحفاظ عليه.

 

من ناحية الحجم الإنتخابي و الإجتماعي فإنّ حركة النهضة ستلامس بتخصّص القطاعات فئات أوسع و شرائح أوسع من التونسيين الذين ستخلق لهم عناوين أخرى غير السياسي للإبداع و النشاط و الإنطلاق في رحاب مشهد محصّن بالدستور الجديد فالبناء اليوم و المشاركة فيه ليس فقط سياسيّا بل عبر وسائل أخرى و من خلال عناوين أخرى.

 

قضيّة التونسة منتهية:

 

لا ينكر على حركة النهضة تونستها إلاّ جاحد فهي حركة نشأت تونسيّة و راكمت تجربتها و تطوّرت بسرعة وفقا لتطوّر المجتمع التونسي من الناحية المضمونيّة التي وصلت مرحلة ضيق الإطار السياسي بقطاعات أخرى سيساهم التخصّص بعد المؤتمر العاشر في إنطلاقتها و إبداعها و تقديم الإضافة من خلالها بما يعني تحوّلها إلى ممثّل تجد فيه كل الفئات و القطاعات التونسيّة مكانا لها و دورا في البناء.

 

لا تتعلّق قضيّة التونسة فقط في “التمثيليّة” التي تشمل كل التونسيين و لكن أيضا في قضيّة المضمون الفكري و أدبيّات الحركة فقد كانت مراجعات و كتابات زعيمها راشد الغنّوشي متمثّلة لأفكار ما بعد الحداثة من “إيتيقا النقاش” في إدارة الإختلاف بالحوار إلى “جدل الإنسان” في موضوع حقوق الإنسان و الحريات الإقتصاديّة و الإجتماعيّة و الثقافيّة و هما مدخلان أسّسا لعدم تضارب الإسلام مع الديمقراطيّة و مثّلا عمودا فقريّا لنجاح “النموذج التونسي”، فتصبح قضيّة التونسة قد تمّ تجاوزها إلى فضاء إنساني أرحب تجاوز سؤال العلاقة بين الدين و الدولة الذي يطرحه بعض من لم يقدروا على مواكبة التطوّر الذي تعيشه حركة النهضة و صاروا “رجعيّين” في طروحاتهم “المؤدلجة” للتونسة نفسها.

 

مع التخصّص في مؤتمر النهضة العاشر ستكون فكرة التونسة لا فقط ماضويّة من حيث الشكل و المضمون بل ستصبح قضيّة في الإتجاه الآخر تنتج أزمة حقيقيّة لمن يعرّفون أنفسهم إنطلاقا من العلاقة بحركة النهضة.

 

من “الإسلام السياسي” إلى “مسلمون ديمقراطيّون”:

 

تجاوز حركة النهضة لقضيّة التونسيّة من خلال كتابات زعيمها راشد الغنّوشي و من خلال ممارستها للسلطة وفق نهج التوافق الذي يجمعها بأحزاب يساريّة و علمانيّة سينضاف إليه بعد التخصّص تجاوز الحركة لحالة الإنغلاق تنظيميّا و الإنفتاح على نسيج تونسي أوسع و أشمل و أكثر تعبيرا عن فئات و طبقات المجتمع.

 

أعلن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي سابقا خروج حركته من عباءة الإسلام السياسي إلى مسلمين ديمقراطيّين و هو توجّه موجود ممارسة و سيتكرّس أكثر بعد التخصّص في المؤتمر العاشر فيصبح الإنفتاح المضموني تطوّرا مبنيا على الإحتفاظ و التجاوز و الإنفتاح التنظيمي شاملا و في هذا التوجّه تكريس للنموذج التونسي و لعدم التضارب بين الإسلام و الديمقراطيّة.

مجول بن علي